من تأملات سفر نشيد الأناشيد ... أنا سوداء وجميلة (ج) ++ البابا شنودة الثالث


من تأملات سفر نشيد الأناشيد ... أنا سوداء وجميلة (ج) ++ البابا شنودة الثالث

 كنيسة الأمم:

إنها عبارة تتوجه بها كنيسة الأمم إلى بنات أورشليم، أي إلى كنيسة اليهود الذين يحتقرون الأمم، ولا يعترفون بهم شعبا لله..

يرون أن جماعة الأمم سوداء، لأنها قد حُرمت من أصل الآباء، ومن الناموس والأنبياء، بلا شريعة إلهية، بلا تقاليد، بلا عهد مع الله، وبلا وعود إلهية، بلا تاريخ، بلا نسب إلى أب الآباء إبراهيم.

لذلك فإن كنيسة الأمم تقول لهم أنني وإن كنت سوداء، إلا أنني جميلة في المسيح يسوع والانتساب إليه..

إن كنت سوداء، ليس لي إبراهيم أبًا، فأنا جميلة لأن لي أبًا في السماء. وأمي هي المعمودية التي وُلدت فيها من الروح القدس والماء.

 إن كنت سوداء لم أتعلم في مدرسة الناموس والأنبياء، فأنني جميلة إذ تدربت في مدرسة النعمة. لم أدرك الحرف، لكنني أدركت الروح "جعلنا الله كفاة لأن نكون خدام عهد جديد، لا بالحرف بل بالروح. لأن الحرف يقتل، ولكن الروح يحيي" (2كو 3: 6).

أنا لم أدرك الوصايا العشر، لكني أدركت العظة على الجبل وتعليم الإنجيل وسفر الأعمال وكتابات الرسل القديسين.

 أنا سوداء في نظر بعض البشر، لكنني جميلة كما يراني الرب.

سوداء في حكم قسوتكم كبشر. لكنني جميلة بحنان الرب ورحمته. إن الرب قد بسط علي جماله (حز 16: 14). وساواني بكم على غير استحقاق.

ماذا أقول للرب الذي أعطاني دينارًا، كالذين جاءوا إليه من أول النهار، أنا الذي أتيت في الساعة الحادية عشرة (مت 20: 9 – 15).

"بماذا أكافئ الرب عن كل ما أعطانيه؟! كأس الخلاص آخذ، وباسم الرب أدعو.." (مز 116: 12، 13).

 أنا سوداء لأنني زيتونة برية..

ولكنني جميلة لأنني طُعمت في الزيتونة الأصلية، فصرت شريكة في أصل الزيتونة ودسمها (رو 11: 17). هي قُطعت من أجل عدم الإيمان وأنا بالإيمان ثبت وأصبح الأصل يحملني. ولن أفتخر على الأصل (رو 11: 18).

 أنا سوداء بالنسبة إلى حياتي الماضية، ولكنني جميلة وأنا مغسولة بدم الذي أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه (رؤ 1: 5)

وهكذا صرت بيضاء كالثلج.. سوداء بطبيعتي الترابية المادية. وجميلة بحلول الروح القدوس في هيكلي (1كو 3: 16). فأناره وقدسه ودشنه.

سوداء كخيام قيدار (حفيد إسماعيل) التي لها شعر الماعز الأسود. ولكني جميلة كشقق سليمان، كستائر الهيكل التي من أسمانجوني وقرمز وأرجوان.. من الداخل. "وكل مجد ابنة الملك من داخل" (مز 45).

 أنا سوداء كالعشار في نظر الفريسي (لو 18: 11).

وكالمرأة الخاطئة في نظر فريسي آخر هو سمعان (لو 7: 39). وكالمرأة السامرية في نظر التلاميذ الذين تعجبوا من أن الرب كان يتكلم معها (يو 4: 27). نعم سوداء، كالمولود أعمى الذي شتمه اليهود قائلين له: أنت تلميذ ذاك (أي المسيح).. في الخطايا وُلدت بجملتك" (يو 9: 28، 34).

ولكنني جميلة في نظر الرب الذي بررني كل أولئك..

 أنا سوداء كالمرأة الكوشية التي أتخذها موسى النبي امرأة له (عد 12: 1).

ولكنها صارت باتحادها بهذا النبي، حسب تعليم الرب (1كو 7: 14) . وعلى الرغم من أن مريم وهارون قد تكلما على موسى بسبب تلك الكوشية، إلا أن الرب لم يوافقهما على ذلك، بل وبخهما وامتدح موسى.

وقد كانت تلك المرأة الكوشية رمزًا لي، أنا كنيسة الأمم.

وكالمرأة الكوشية، كانت ملكة سبأ، كلتاهما سوداء وجميلة.

وكل منهما كانت رمزًا. ومع أن ملكة سبأ (ملكية التيمن) كانت سوداء، إلا أنها كانت جميلة. لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان. وقد طوبها الرب وقال أنها ستقوم في يوم الدين مع ذلك الجيل وتدينه (مت 12: 12).

 كذلك مدينة نينوى كانت رمزًا لي أيضًا: سوداء وجميلة.

كانت سوداء في خطيتها، التي بسببها أرسل الله يونان النبي لكي ينادي عليها بالهلاك (يون 1: 1، 2). وكانت أممية أيضًا مثلي. ولكنها كانت جميلة في توبتها وصومها. حتى أن الله لما رأي أن أهلها قد "رجعوا عن طريقهم الرديئة، ندم الله على الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم، فلم يصنعه" (يون 3: 10). بل قال ليونان".. أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة؟!" (يون 4: 11).

وأكثر من هذا أن الرب قدَمها كمثال يوبخ بها اليهود، فقال لهم: "رجال نينوى سيقومون في يوم الدين مع هذا الجيل ويدينونه، لأنهم تابوا بمناداة يونان. وهوذا أعظم من يونان ههنا" (مت 12: 11).

 أنا سوداء وجميلة، معترفة بحالتي. لست أنكر أصلي ولا شكلي. ولكنني جميلة في حياة الرجاء التي قدمها لنا الرب.

لي رجاء في الله الذي قبل إليه الابن الضال، قائلا أنه كان ميتًا فعاش، وكان ضالًا فوُجد" (لو 15: 24). ولم يكتفِ بهذا، بل ذبح له العجل المسمَن، وقال كان ينبغي أن نفرح ونُسر" (لو 15: 32).

حياة ذلك الابن الضال كانت سوداء في سقطتها، وجميلة في توبتها.

بل إن قصة هذا الابن الضال، كانت أيضًا رمزًا لكنيسة الأمم، التي بعدت أولًا عن الرب ثم عادت إليه، وفرح الله بعودتها بينما الابن الأكبر كان يرمز إلى كنيسة اليهود التي افتخرت بخدمتها له، ولم تفرح برجوع الأمم إليه (لو 15: 15 – 30).

 أنا سوداء، ولكن لي رجاء في الله الحنون الطيب.

الذي لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا (حز 18: 23). الله "الذي لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا بحسب آثامنا. وإنما مثل ارتفاع السموات على الأرض، قويت رحمته على خائفيه. كبعد المشرق عن المغرب، أبعد عنا معاصينا.. لأنه يعرف جبلتنا، يذكر أننا تراب نحن" (مز 103: 10-14).

 أنا سوداء في اعترافي بخطاياي. وجميلة بما آخذه من غفران وحل.

كذبيحة الخطية تُحرق خارج المحلة لأنها حاملة خطايا (عب 13: 11). ومع ذلك فهي جميلة لأنها قدس أقداس للرب (لا 6: 34).. وكذبيحة المحرقة التي تأكلها النار كلها حتى تتحول إلى رماد (لا 6: 10). ولكنها مع ذلك فهي جميلة، لأنها "رائحة سرور للرب" (لا 1: 9، 13، 17).

 أنا سوداء كفحمة في المجمرة، جميلة كلما اشتعلت بالنار.

تتوهج كلما أتقدت النار فيها، ولا نعود نبصر سوادها. وتتحول من فحمة إلى جمرة. وكل من يراها لا يقول عنها إنها فحمة. وإنما يقول: هذه نار، نار طاهرة.. صارت جميلة..

أنا سوداء كسحب الدخان، التي ترتفع من بخور عطر يحترق.

سوداء في لونها، ولكنها جميلة في رائحتها الزكية، وفي رموزها، وفي ارتفاعها إلى فوق، كصلوات القديسين.. كالمر غير المقبول في مذاقه، ولكنه جميل في رائحته الزكية، وفي رمزه لآلام المسيح.

 أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم، هكذا تقول كنيسة الأمم.
ولكنها في بعض الأوقات كانت أكثر جمالًا من بنات أورشليم.
كان ذلك حينما قبلت الإيمان، في الوقت الذي رفضته فيه أورشليم التي أحبت الظلمة أكثر من النور (يو 3: 19). وهكذا قال الرب لبولس الرسول "اذهب فأني سأرسلك بعيدًا إلى الأمم" (أع 22: 21).

بل قبل ذلك حينما قال الرب مطوبًا إيمان قائد المائة:

"الحق أقول لكم: لم أجد ولا في أورشليم إيمانًا بمقدار هذا" (مت 8: 10).

وأضاف "وأقول لكن إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب، ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السموات. وأما بنو الملكوت فيطرحون في الظلمة الخارجية.." (مت 8: 11، 12). ومن هم أولئك الذين أتوا من المشارق والمغارب، إلا أبناء تلك السوداء الجميلة.

 يذكرني هذا بسوداء جميلة أخرى هي المرأة الكنعانية.

كانت سوداء لأنها تنتمي إلى شعب قد لُعن من قبل (تك 9: 5). ولكنها كانت جميلة حينما لجأت إلى السيد. وكانت جميلة بالأكثر حينما قالت له في انسحاق قلب "وأيضًا الكلاب تأكل من الفتات الساقط من مائدة أسيادها". وقد طوَب الرب جمال نفسيتها قائلًا لها "عظيم هو إيمانك" (مت 15: 27، 28).

 أخيرا فإن هذه السوداء الجميلة في سفر النشيد، تقول:

أنا سوداء، ولكني لن أبقى سوداء إلى الأبد.

أنا سوداء في هذا الجسد المادي، ولكنني سأصير جميلة في الجسد النوراني الروحاني الذي سآخذه عندما يلبس الفاسد عدم فساد، ويلبس المائت عدم موت، فيقوم في مجد وفي قوة (1كو 15: 43-24).

سأصير جميلة، وأنا آكل من شجرة الحياة، وأطعم المن المخفي (رؤ 2: 7، 16) ويعطيني الرب اسمًا جديدًا، ويلبسني ثيابًا بيضاء (رؤ 2: 16) (رؤ 3: 5).

من تأملات سفر نشيد الأناشيد ... أنا سوداء وجميلة (ج) ++ البابا شنودة الثالث


من تأملات سفر نشيد الأناشيد ... أنا سوداء وجميلة (ج) ++ البابا شنودة الثالث

 "أنا سوداء يا بنات أورشليم، كخيام قيدار، كشقق سليمان. لا تنظرن إلىّ لكوني سوداء، لأن الشمس قد لوحتني" (نش 1: 5، 6).

"أنا سوداء" عبارة جميلة، تقولها النفس المتواضعة المعترفة بأخطائها. لا تجد حرجًا من ذكر نقائصها.

كلما تعترف هذه النفس بشيء من سوادها، يمحوه الله بدمه، ولا يعود يحسبه عليها. يغسلها الرب، فيبيضّ أكثر من الثلج..

 "أنا سوداء". تقول ذلك أمام الله والناس، وأمام ذاتها.

أمام الله: حينما تقول "إليك وحدك أخطأت، والشر قدامك صنعت" (مز 51). وأما الناس: إذ لا تتفاخر ولا تتباهى. وأمام ذاتها: إذ هي نفس منسحقة في الداخل، ليست بارة في عيني نفسها..

فالنفس البارة في عيني نفسها، لا يمكن أن تقول "أنا سوداء"! أمنا حواء لم تستطع أن تقول هذه العبارة، ولا أبونا آدم استطاع.

 أنا سوداء بإرادتي وحريتي، وجميلة بمحبة الله التي تطهرني.
أنا سوداء، لأن الشمس قد لوحتني.

الشمس هي شمس البر، أي الله تبارك اسمه. وكلما تقترب النفس من الله الكلي القداسة الكلي البر، تشعر بأخطائها، وترى أنها لا شيء.. حتى إن كان لها برّ، فهو إلى جوار كمال الله يبدو كخرقة الطامث (حز 36: 17). فتصرخ هذه النفس قائلة: "أنا سوداء.. لأن الشمس قد لوحتني". بهاء الله أشعرني بسوادي..

حقًا إنه أمام الله، يتضاءل الكل "السموات ليست طاهرة أمامه وإلى ملائكته ينسب حماقة" (أي 4: 18).. فكم بالأكثر نحن الأذلاء!!

إننا إن تأملنا برّ القديسين والرسل والملائكة، نجد أننا لسنا شيئًا. فكم بالأولى إن تأملنا كمال الله وقداسته..

هذا الكمال الإلهي غير المحدود، قد لوّحني، فأصبحت أرى نفسي في الموازين إلى فوق (مز 62: 9).. ولكني على الرغم من هذا جميلة. لأن الرب سوف يلبسني ثوبًا أبيض، ويهبني إكليل البر، ويمنحني التجلي الذي أعطاه لتلاميذه، ويعيد إلىّ الصورة الإلهية التي خلقت بها وفقدتها..

 "أنا سوداء وجميلة" عبارة تصوّر حالة القديسين الذين -إمعانًا في الاتضاع- كانوا يتظاهرون بالجهل والتهاون والخبل!!

مثل القديسة العظيمة التي كشف سرّها القديس الأنبا دانيال، التي كانوا يدعونها (الهبيلة). وكانت تلقي بذاتها في تراخ وكسل خارج الكنيسة، ولا تحضر الصلاة مع الراهبات، ولا تقوم أمامهن بأي عمل من أعمال العبادة. فإذا نمن كلهن، قامت في ظلام الليل، وانتصبت أمام الله في صلوات عميقة طول الليل. حتى إذا ما استيقظت الراهبات تتراجع إلى صورة التراخي، وتتعرض للاحتقار والإهانة.

كانت في نظر الناس سوداء، لأنها أخفت برّها عنهم. ولكنها كانت في حقيقتها جميلة، وأجمل من الكل.

 القديس الأنبا رويس، كان -في أيامه- يبدو أمام الناس رجلًا حافيًا، يسير وراء جمله، بلا لقب ولا وظيفة ولا كهنوت. يزفه الأطفال قائلين: المجنون المجنون!!

صورته سوداء، ولكنها جميلة.

ويعوزني الوقت، إن سردت قصص القديسين الذين ساروا في هذا الطريق.. كأولئك الذين قالت لهم القديسة سارة:

"بالحقيقة إنكم إسقيطيون. لأن ما عندكم من الفضائل تخفونه! وما ليس فيكم من النقائص تنسبونه إلى أنفسكم!

 صورة تبدو أمام الناس سوداء. وهي في حقيقتها جميلة..

صورة الذين باستمرار يأخذون المتكأ الأخير، محتقرين ومرذولين من الناس. وقد ماتت نفوسهم عن المجد الباطل ومحبة المديح.

العشار وهو واقف من بعيد في مذلة الخطاة، لا يجرؤ أن يرفع نظره إلى فوق، كانت نفسه في نظر الفريسي سوداء، وهي جميلة!

كذلك الخاطئة التي بللت قدمي المسيح بدموعها (لو 7). كانت في نظر سمعان الفريسي سوداء! وفي نظر المسيح كانت جميلة.

إنها النفس المنسحقة التي تدين ذاتها، وهي غارقة في دموعها. التي يقول لها الرب حوّلي عينيك عني، فإنهما غلبتاني.

 يمكن أن عبارة (سوداء) تطلق على حياة الحرمان والتجرد، التي يحياها النساك وأشباههم من أجل الرب..

إن لعازر المسكين الذي كان يشتهي الفتات الساقط من مائدة الغني، وكانت الكلاب تلحس قروحه (لو16)، قطعًا كانت نفسيته تبدو سوداء في نظر الغني وأهل بيته. ولكنها كانت نفسًا جميلة حملتها الملائكة إلى حضن إبراهيم (لو 15: 22).

فإن كان من احتمل حرمانًا وقع عليه بغير إرادته، قد حسب أهلًا لهذا المجد، فكم بالأكثر من يتجرد بإرادته..!

أولئك الذين باعوا أملاكهم لُتعطى للفقراء، وعاشوا في جوع وعطش. وقد خسروا كل الأشياء، وهم يحسبونها نفاية لأجل معرفة المسيح (في 3: 8). ووضعوا أمامهم قول الرسول "لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم" (1يو 2: 15).. لاشك أن حياة أولئك وهي خالية من كل مباهج الدنيا، كانت تبدو لغيرهم سوداء! ولكنها كانت حياة روحية جميلة..

 هكذا الفتاة التي ترفض الملابس الخليعة، وما يناسب تلك الملابس من زينة، تبدو هذه الفتاة في نظر الأخريات فلاحة ومتأخرة! ولكنها جميلة..

إن النفس البارة التي لا تتشبه بأهل العالم "ولا تُشاكِل أهل هذا الدهر" (رو12: 2)..

تستطيع أن تقول لنظائرها "أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم". أنا لا أتمتع بشيء من مباهج الدنيا، ولكنني لا أشعر بحرمان! إنما يشعر بالحرمان، الشخص الذي يشتهي الشيء ولا يناله. أما الذي لا يشتهيه، فهو لا يشعر بحرمان. بل هو سعيد بما فيه. حياته في تجرده جميلة في عينيه..

 فضيلة التجرد في نظر الناس سوداء، وكذلك إخلاء الذات.

السيد المسيح أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد (في 2: 7). وُولد في مزود بقر، وعاش في بيت رجل نجار فقير، ومن أم يتيمة وفقيرة، ومن قرية صغيرة. وُدعي ناصريًا نسبة إلى الناصرة التي كانوا يتعجبون أن يخرج منها شيئًا صالح (يو 1: 46). وهرب في طفولته إلى مصر. ثم عاش لا يجد أين يسند رأسه (مت 8: 20). وكان "رجل أوجاع، ومختبر الحزن" (أش 53: 4). وأخيرًا حكم عليه بالموت، واستهزأوا به وصلبوه كفاعل إثم بين لصين..

صورة تبدو سوداء. وربما في نظر الناس تمثل المهانة والضعف! ولكنها كانت جميلة، تمثل الحب والبذل والفداء وإخلاء الذات.

 المحبة وهي صاعدة على الصليب، تقول للناس: لا تنظروا إلىّ لكون صورتي على الصليب تبدو سوداء في نظركم. لأن الشمس قد لوّحتني. عملية الإخلاء صيرتني سوداء.

وكذلك البذل والفداء جعلني "كشاه تساق إلى الذبح، كنعجة صامتة أمام جازيها" (أش 53: 7). إنها صورة سوداء وجميلة.

صدقوني إن قصة التجسد والفداء، في هذه العبارة العميقة "أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم".

هذه الصورة التي حاول البعض أن يتبرأ منها: "ملعون من ُعلق علي خشبة" (غل 3: 13).. صارت أبهى وأجمل صورة في الوجود، يمجدها ويقبّلها الجميع. وتزين الناس والأماكن. ولا ينظرون إليها لكونها سوداء. فإن الشمس قد لوّحتها.. وكيف لوّحتها؟

 لقد غيّر السيد المسيح موازين العالم. غير الإيديولوجيات التي يؤمن بها الناس. وجعل هذه السوداء تبدو جميلة.

وهكذا كثير من الفضائل تبدو سوداء وهي جميلة.

ربما تبدو أمامك صورة سوداء، أن تحوّل الخد الأخر، وتمشي الميل الثاني. وتكون دائمًا مراضيًا لخصمك مادمت في الطريق (مت 5: 25). ولكنها صورة جميلة، تدل على نقاوة القلب من الداخل، وخلوه من الحقد ومن الرغبة في الانتقام.

إن التسامح أكبر وأقوى من الإهانة التي تصدر من أشخاص مغلوبين من أعصابهم!
ولذلك فإن الرسول يطلب من الأقوياء أن يحتملوا ضعف الضعفاء (رو 15: 1).
قوة الاحتمال تبدو كأنها ضعف، وكأنها سوداء وهي جميلة!
مثل مياه النيل المحملة بالطمي، هي أيضًا سوداء وجميلة.
كذلك فضيلة الصبر، فضيلة تبدو سوداء وُمرة. ولكن ما أجمل الصبر. يقول الكتاب "من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (مت 24: 13).

 عبارة (سوداء وجميلة) تنطبق أيضًا على أولئك المظلومين، الذين لا يدافعون عن أنفسهم، ويظهرون كأنهم مذنبون، وهم أبرياء!

صورة أمام الناس سوداء، وهي جميلة. وليست فقط جميلة لأنهم أبرياء، بل بالأكثر لأنهم لم يدافعوا عن أنفسهم، ولم يهتموا أن يظهروا أمام الناس أبرياء.

مثال ذلك يوسف الصديق الذي كان في نظر الناس عبدًا، وقبل الأمر في صمت وعلى الرغم من إخلاصه الشديد لسيده، أتهمته المرأة ظلمًا، وألقى في السجن كفاجر.. بصورة سوداء، ولكنها في أعماقها أجمل الصور روحيًا.

لو دافع يوسف عن نفسه وقت بيعه، لأحرج أخوته الذين كانوا يبيعونه. ولو دافع عن نفسه في تهمة الزنا، لأحرج امرأة فوطيفار. وهكذا فضّل ألا يحرج أحدًا، وليكن هو الضحية وكبش الفداء.

صورة جميلة لنفسِ نبيلة، على الرغم مما فيها من العبودية والظلم.

 عكس الصورة التي تبدو سوداء وجميلة، الصورة التي تبدو جميلة وهي في حقيقتها سوداء.

مثل القبور المبيضة من الخارج، وفي الداخل عظام نتنه (مت 23: 27).

أما أولاد الله، فلا يهمهم الخارج ماذا يكون "ليكن أسود في نظر الناس، إنما المهم هو القلب من الداخل كما يراه الله الذي قال "يا ابني أعطني قلبك" (أم 23: 26).

إنهم يهتمون بالداخل الذي يراه الله، وليس بالخارج الذي يراه الناس. وهكذا يخفون صومهم وصلاتهم وصدقتهم، كما أمر الرب. وأبوهم الذي يرى في الخفاء، هو يجازيهم علانية (مت 6).

من كتاب مصر في تاريخ خلاصنا ... مصر ملجأ المسيح +++ القمص تادرس يعقوب ملطي


من كتاب مصر في تاريخ خلاصنا +++ القمص تادرس يعقوب ملطي

 مصر ملجأ المسيح

 تفسد الخطية قلب الإنسان وتحطمه فتجعل منه عبدًا ذليلًا عدوًا للخير، وفي نفس الوقت يشاركها عنفها وقسوتها. وأيضًا عوض الاتكال على الله يتكل الإنسان على ذراع بشر كما فعل إسرائيل ويهوذا حين أرادا التحالف مع فرعون مصر لينقذهما من بابل. الآن إذ يلجأ السيد المسيح إلى القلب يحول مصر الوثنية العبدة لإبليس إلى مصر الحرة المتمتعة بالبنوة لله. هكذا يتحد الإنسان الداخلي مع ابن الله الوحيد الجنس  بعمل روحه القدوس فيصير ابنًا بالنعمة.

يقول الإنجيلي متى: "وبعدما انصرفوا إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم، قائلًا: قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك، لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه، فقام وأخذ الصبي وأمه ليلًا وانصرف إلى مصر" (مت13:2،14).

هروب الطفل يسوع المسيح إلى مصر مع القديسة مريم والدته والقديس يوسف لم يكن بالأمر الثانوي في أحداث الخلاص. لقد رآه إشعياء النبي قبل حدوثه بأكثر من سبعة قرون وسجّل لنا هذا الحدث في الاصحاح التاسع عشر.

افتتح إشعياء نبوته عن مصر بصورة مفرحة تخص مصر، قائلًا: "هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر فترتجف أوثان مصر من وجهه ويذوب قلب مصر داخلها" (إش 1:19). وتسبح الكنيسة في عيد دخول السيد المسيح أرض مصر، قائلة: افرحي وتهللي يا مصر مع بنيها وكل تخومها، لأنه قد أتى إليك محب البشر، الكائن قبل كل الدهور.

 يرى القديس كيرلس الكبير أن السحابة الخفيفة السريعة (الترجمة السبعينية) هي القديسة مريم التي قدسها روح الرب فصارت خفيفة ومرتفعة، تحمل رب المجد يسوع لتهرب به إلى مصر من وجه هيرودس (مت 13:2،14). بدخوله ارتجفت الأوثان واهتزت العبادة الوثنية، وذاب قلب المصريين حبًا ليقبلوه ساكنًا فيهم.

يرى القديس أغسطينوس أن النفس التي ترتبط بالسيد المسيح خلال الإيمان الحي العامل بالمحبة تحمله فيها روحيًا، وكأنها قد صارت له كالقديسة مريم التي حلمته روحيًا كما حملته بالجسد! تحمله لكي تدخل به إلى كل قلب فيتمتع بالسيد المسيح فيه.

كان يمكن للسيد أن يلتجئ إلى مدينة في اليهودية أو الجليل لكنه أراد تقديس أرض مصر، رائدة العالم الأممي، ليقيم في وسطها. اهتم الوحي بهذه الزيارة الفريدة، بها صارت مصر مركز إشعاع إيماني حي. وكما خزن يوسف في مصر الحنطة كسندٍ للعالم أثناء المجاعة سبع سنوات، هكذا قدم السيد المسيح فيض نعم في مصر لتكون سرّ بركة للعالم كله.

 مصر التي امتلأت بالعبادة الوثنية حيث أقامت عجل أبيس والقطط والتماسيح والضفادع... آلهة، استقبلت رب المجد فيها، فأقام من قلوب المصريين مقدسًا له. تحولت مصر من كونها أكبر معقل للوثنية إلى أعظم مركز للفكر المسيحي والعبادة الروحية والحياة الإنجيلية في فترة وجيزة. تلألأ نجم كنيسة مصر بمدرسة الإسكندرية معلمة اللاهوت وتفسير الكتاب المقدس للعالم المسيحي الأول، وقائدة حركة الدفاع عن الإيمان المستقيم على مستوى مسكوني. ومن مصر انطلقت حركة الرهبنة المسيحية بكل صورها تسحب قلب الكنيسة إلى البرية، تمارس الحياة الداخلية الملائكية في نفس الوقت الذي فيه انفتحت أبواب البلاط الإمبراطوري لرجال الدين، وكان الخطر يلاحق الكنيسة حيث يختلط العمل الروحي الكنسي بالسلطة الزمنية والسياسية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "هلموا إلى برية مصر لتروها أفضل من كل فردوس! ربوات من الطغمات الملائكية في شكل بشري، وشعوب من الشهداء، وجماعات من البتوليين... لقد تهدم طغيان الشيطان، وأشرق ملكوت المسيح ببهائه! مصر هذه أم الشعراء والحكماء والسحرة... حصنت نفسها بالصليب! السماء بكل خوارس كواكبها ليست في بهاء برية مصر الممتلئة من قلالي النساك".

 حملت كنيسة مصر صليب عريسها عبر الأجيال وقدمت أعدادًا بلا حصر من الشهداء والمعترفين، فاستشهدت أحيانًا مدن بأسرها وتسابق الكثيرون على نوال الأكاليل الاستشهاد بفرح وبهجة قلب.

يتحدث أيضًا القديس يوحنا الذهبي الفم عن هذه الزيارة المباركة لمصر لتقديسها، فيقول: "إذ كانت مصر وبابل هما أكثر بلاد العالم ملتهبتين بنار الشر أعلن الرب منذ البداية أنه يرغب في إصلاح المنطقتين لحسابه، ليأتي بهما إلى ما هو أفضل، وفي نفس الوقت تتمثل بهما كل الأرض، فتتطلب عطاياه، لهذا أرسل للواحدة المجوس والأخرى ذهب إليها بنفسه مع أمه"، كما يقول: "تأمل أمرًا عجيبًا: فلسطين كانت تنتظره، مصر استقبلته وأنقذته من الغدر!"

تحقق فيها الوعد الإلهي منذ يوم البنطقستي حيث سمع المصريون الرسل يتكلمون بلغتهم (أع 10:2)، وجاء القديس مرقس الرسول والإنجيلي يكرز بكلمة الإنجيل.

 تأديب مصر

هروب العائلة المقدسة إلى مصر وإقامة مذبح للرب هناك لا يعنى التغطية على شرورها، وإنما على العكس كشف الرب عن ضعفاتها وجراحاتها الروحية حتى ينزع الرب عنها كل ضعف (مملكة الشر) ويقيم فيها ما هو جديد (ملكوت الله). مجيء الرب يعنى هدم أوثانها وإزالة رجاساتها لأجل تقديس شعبها.

أولًا: قيام حروب أهلية: "وأهيج مصريين على مصريين فيحاربون كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه مدينة مدينة ومملكة مملكة، وتهراق روح مصر داخلها" (إش 2:19،3). هذه ثمرة طبيعية لاعتزالها الله واهب السلام الداخلي والحب والوحدة.

ثانيًا: فقدان الحكمة الحقيقية، فقد عُرف المصريون كشعب ذكي جدًا. يشهد الكتاب المقدس أن موسى قد تهذب بكل حكمة المصريين (أع20:7)، لكن اعتزالهم لله أفقدهم كل شيء فلم تسعفهم حكمتهم ولا علمهم وحضارتهم، فلجأوا إلى الأوثان يطلبون المشورة: "وأفنى مشورتها، فيسألون الأوثان والعازفين وأصحاب التوابع والعرافين" (إش3:19).

ثالثًا: المعاناة من حكام عتاة (إش4:19) يميلون إلى التسلط والسيطرة لا إلى خدمة الشعب وبنيان البلد. فإذ تقسو قلوب الشعب ببعدهم عن الله واهب اللطف والصلاح يسمح لهم بقيادات عنيفة، حتى كما يفعلون يُفعل بهم.

عندما يقسو قلبنا الداخلي نحو الغير لا نتوقع إلا أن يُكال لنا من ذات الكيل الذي به نكيل للغير، لذا يسمح لنا أن نسقط تحت قيادات عنيفة. هذا ما يحدث حتى في حياتنا اليومية في العمل والأسرة وحياتنا الشخصية. فإن من يقسو على والديه مثلًا نجد جسده عنيفًا في حربه الشهوانية ضد النفس. ما نزرعه للغير إنما نحصده في حياتنا الشخصية.

رابعًا: المعاناة من حالة جفاف: "وتنشف المياه من البحر ويجف النهر وييبس، وتنتن الأنهار وتضعف وتجف سواقي مصر ويتلف القصب والأسل... والصيادون يئنون وكل الذين يلقون شصًا في النيل ينوحون... ويخزى الذين يعملون الكتان الممشط والذين يحيكون الأنسجة البيضاء، وتكون عمدها مسحوقة وكل العاملين بالأجرة مكتئبي النفس" (إش5:19-10).

خامسًا: فقدان الحكماء والمشيرين، فلا يعاني الإنسان فقط من حالة حرمان مادي، وإنما من معينين حكماء يسندونه وسط ضيقه. لذا قيل: "إن رؤساء صُوعن أغبياء، حكماء مشيري فرعون مشورتهم بهيمية. كيف تقولون لفرعون أنا ابن حكماء ابن ملوك قدماء، فأين هم حكماؤك فليخبروك ليعرفوا ماذا قضى به رب الجنود على مصر" (إش 11:19،12).

سادسًا: فقدان الوعي والدخول في حالة سكر. "مزج الرب في وسطها روح غيّ فأضلوا مصر في كل عملها كترنح السكران في قيئه" (إش14:19). لما كانت الخطية مُسكرة تُفقد الإنسان وعيه وهدفه في الحياة لذا متى شرب كأسها يسمح الله أن يحل به روح الضلال أيضًا ليترنح كالسكران بلا هدف. لا يكون له عمل جاد لبنائه وبناء الغير، سواء كان عظيمًا أو محتقرًا، نخلة أو أسلة (حلفاء). وهذا هو أخطر ما يصل إليه الإنسان، إذ يفقد بذلك كيانه الإنساني ليعيش أشبه بميت، لا طعم للحياة عنده.

سابعًا: الارتباك بحالة من الخوف. "في ذلك اليوم تكون مصر كالنساء فترتعد وترجف من هزة يد رب الجنود الذي يقضي به عليها" (إش16:19). فرعون الذي يحسب نفسه منقذًا لإسرائيل ويهوذا من يد أشور في عجرفة وكبرياء يرتعب هو ورجاله ويصيرون كالنساء أمام رب الجنود وأمام يهوذا (إش17:19). وكأن الرب يشجع يهوذا ألا يرتعب من كلما ت فرعون ولا يدخل معه في تحالف كما فعل إسرائيل وآرام، فإن فرعون نفسه يرتعب لا أمام أشور بل أمام يهوذا نفسه.

 إقامة مذبح للرب

بعد أن كشف الله عن جراحات مصر وما فعلته الخطية بها من فقدان للوحدة الداخلية والحكمة الحقة مع معاناة من قسوة الحاكم وقسوة الطبيعة (الجفاف) وارتباك في اقتصادياتها (الزراعة والصناعة) وعجز في الطاقات البشرية القيادية بل ودخول في حالة من اللاوعي والسكر مع الخوف والارتباك حتى أمام يهوذا المملكة الصغيرة، فإن الله يتدخل ليشفي جراحاتها ويخلصها، مقدمًا لها البركات التالية:

ا. لغة جديدة: "في ذلك اليوم يكون في أرض ممر خمس مدن تتكلم بلغة كنعان وتحلف لرب الجنود يقال لإحداها مدينة الشمس" (إش18:19). ما هذه المدن الخمس إلا حواس المؤمن؛ فإذ يُقبل الأمم على الإيمان بالسيد المسيح يسلمون الحواس الخمس في يديه لتقديسها لتتكلم بلغة الروح عوض لغة الجسد، فيقال لها كما قيل لبطرس الرسول: "لغتك تظهرك" (مت73:26؛ مر70:14).

يرتفع قلب المؤمن إلى كنعان السماوية ليس فقط أثناء اشتراكه في سرّ الأفخارستيا وفي كل الليتورجيات الكنسية الحيّة، وإنما أيضًا أثناء عبادته الخاصة، بل وفي خلال حياته اليومية حتى في لحظات أكله وشربه ونومه. هذا هو عمل روح الله القدوس في حياتنا، يحملنا إلى السماء لنختبرها في أعماقنا، وتصير لغتنا كنعانية أي سماوية، لغة الحب والفرح الداخلي. نشارك السمائيين ليتورجياتهم وفرحهم الدائم، ولا نكون شعبًا "غامض اللغة" (حز5:3).

ب. القسم باسم رب الجنود؛ "تحلف لرب الجنود" (إش18:19). كان القسم دليل الثقة والإيمان بمن يقسم الإنسان باسمه؛ فعوض القَسَم بالآلهة الوثنية يقبل الأمم، وعلى رأسهم مصر، الإيمان برب الجنود ويتمسك المصريون باسمه، حاسبين ذلك سرّ قوتهم.

ج. دعوة إحدى المدن "مدينة الشمس" (إش8:19)، يقصد بها "هليوبوليس" التي كانت مركزًا لعبادة الشمس، فقد تحولت عن العبادة للشمس المادية إلى العبادة لشمس البر الذي يشرق على الجالسين في الظلمة. جاءت في الترجمة السبعينية "المدينة البارة"، إذ تحمل برّ المسيح فيها.

 د. إقامة مذبح للرب: "في ذلك الوقت يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر وعمود للرب عند تخمها" (إش19:19). يقصد بهذا مذبح كنيسة العهد الجديد، إذ كان مذبح العهد القديم في أورشليم ولا يجوز تقديم ذبائح للرب خارجها. لقد عبرت العائلة المقدسة إلى صعيد مصر واختفت حوالي ستة شهور في الموضع الذي أقيم عليه الآن دير العذراء الشهير بالمحرق، وهو يعتبر في وسط مصر، فيه أقيمت كنيسة للرب وتُقدم عليه ذبيحة الإفخارستيا، التي هي تمتع بذبيحة الصليب عينها.

أما العمود الذي في تخمها فهو القديس مارمرقس الرسول الذي جاء إلى الإسكندرية (على تخم مصر) يكرز بالإنجيل، ويقيم مذبح كنيسة العهد الجديد، لكي يتمتع المصريون بالخلاص من عدو الخير مضايقهم، ويكون الرب نفسه محاميًا وشفيعًا ومنقذًا لهم (إش20:19).

هـ. المعرفة الروحية: "فيُعرف الرب في مصر، ويعرف المصريون الرب في ذلك اليوم" (إش21:19). اهتم المصريون بالمعرفة الروحية، وأُقيمت مدرسة الإسكندرية لهذه الغاية، نشر معرفة الرب لا خلال أفكار عقلانية مجردة، وإنما خلال حياة تعبدية نسكية وخبرة شركة مع الله الآب في ابنه يسوع المسيح بروحه القدوس. امتزجت المعرفة بالعبادة، إذ يكمل النبي: "ويقدمون ذبيحة وتقدمة وينذرون للرب نذرًا ويوفون به" (إش21:19). ولعل أروع من كتب عن ارتباط المعرفة بالعبادة كما بالسلوك الإنجيلي في الحياة اليومية هو القديس إكليمنضس السكندري، إذ جاء هذا الفكر خطًا ذهبيًا في كل كتاباته. فمن كلماته عن المعرفة (الغنوسية): هذه هي العلامات التي تميز غنوسيتنا: أولًا التأمل، ثم تنفيذ الوصايا، وأخيرًا تعليم الصالحين. متى وجدت هذه السمات في إنسان ما يحسب غنوسيًا كاملًا. وإذا فقد الإنسان إحدى هذه السمات تعطلت غنوسيته.

و. شفاء داخلي: "ويضرب الرب مصر ضاربًا فشافيًا فيرجعون إلى الرب فيستجيب لهم ويشفيهم" (إش22:19). يسمح الله بضربها، أي بتأديبها عن الضعف الذي فيها لكي تكتشف ذاتها وتدرك حاجتها إلى المخلص، فترجع إليه لتجده الطبيب القادر وحده أن يشفي جراحات النفس ويرد لها سلامها. جاء مسيحنا طبيبًا ودواء في نفس الوقت:

 مبارك هو "الطبيب" الذي نزل وبتر بغير ألم، شفي جراحاتنا بداء غير مرير، فقد أظهر ابنه "دواء" يشفي الخطاة! +++ القديس مار افرآم السرياني

جاء الرب إلى مصر وضرب أوثانها ليجد المصريون فيه وحده سرّ شفائهم.

ز. إذ كان الصراع العالمي في ذلك الحين قائم بين أشور ومصر، وكانت الدول الأخرى من بينها إسرائيل ضحية هذا الصراع، فإن مجيء رب المجد يسوع يعطى للكل سلامًا، ويشعر الكل -في المسيح يسوع- أن الأرض للرب ولمسيحه، وليست مركزًا للنزاع، ويشترك الكل معًا في العبادة. في تصوير رائع لهذا السلام يقول النبي: "في ذلك اليوم تكون سكة من مصر إلى أشور، فيجيء الأشوريون إلى مصر والمصريون إلى أشور، ويعبد المصريون مع الأشوريون. في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثا لمصر ولأشور بركة في الأرض، بها يبارك رب الجنود قائلًا: مبارك شعبي مصر وعمل يدي أشور وميراثي إسرائيل" (إش24:19).

ماذا يعني "في ذلك اليوم" التي تكررت حوالي خمس مرات في الأعداد 18-25، إلا ملء الزمان الذي فيه جاء السيد المسيح ليحقق لنا هذه البركات، جاء بكونه "الطريق" الذي فيه تجتمع الأمم لتتمتع بروح الوحدة الروحية وفيض البركة. وماذا يعني اجتماع مصر وأشور وإسرائيل معًا في التمتع بالبركة الإلهية والميراث الأبدي؟ إنها صورة رمزية للكنيسة الجامعة التي ضمت الأعداء معًا بروح الحب والوحدة. لقد كانت إسرائيل في ذلك الحين في صراع بين التحالف مع مصر أو أشور القوتين العالميتين المتضادتين في ذلك الحين. لكن مجيء السيد المسيح عالج المشكلة إذ صار الكل أعضاء في كنيسة واحدة تتمتع بالعمل الإلهي، فدُعي المصريون شعب الله، وأشور عمل يديه، وإسرائيل ميراثه.

من تأملات سفر نشيد الأناشيد ... أنا سوداء وجميلة (ب) ++ البابا شنودة الثالث


من تأملات سفر نشيد الأناشيد ... أنا سوداء وجميلة (ب) ++ البابا شنودة الثالث

 يمكن أن تستخدم عبارة "أنا سوداء وجميلة" للدلالة على الإنسان الذي هو في حالة ضعيفة ومحتقرة أمام البشر.

مثل الآباء الرسل الذين كانوا صيادين من جهال العالم، حيث قيل عن بطرس ويوحنا إنهما "إنسانان عديما العلم وعاميان" (أع 4: 12). وكما كانت القديسة العذراء في نظر الناس إنسانة فقيرة خطيبة رجل نجار، ومع ذلك جعلها الله أسمى من الشاروبيم وأعلى من السارافيم وقبل رؤساء الملائكة.

 ويمكن لعبارة " أنا سوداء وجميلة " أن تكون وصفا لغير الإنسان:

كقرية بيت لحم التي كانت تعتبر أنها "الصغرى بين رؤساء يهوذا" ولكنها صارت من أعظم المدن إذ "خرج منها مدبر يرعى شعب إسرائيل" (مت 2: 6) هو المسيح الرب. وكذلك يمكن أن يوصف بنفس العبارة " مزود البقر " الذي ولد فيه رب المجد. أماكن سوداء ولكنها جميلة. ومثل مدينة الناصرة التي قيل عنها في تعجب "أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟!" (يو 1: 46). ومع ذلك كل تلك الأماكن مواضع مقدسة: سوداء كما كانت في نظر ذلك الزمان. ولكنها صارت جميلة.

مزود البقر الذي تعافه النفس، أتى إليه أباطرة وملوك لكي يتباركوا منه ويسجدوا فيه. وكل حبة تراب من أرضه تغنى قائلة: أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم.

عبارة "سوداء وجميلة" تستخدم أيضا في مجال الفضائل والمثاليات.

 فكثير من الفضائل تبدو للإنسان سوداء، بينما هي جميلة. ومن أمثلة ذلك الباب الضيق والطريق الكرب (مت 7: 14) وهكذا الصليب الذي ينبغي أن تحمله كل من يسير وراء الرب (مت 10: 38).

وقد تبدو سوداء، الأمور التي يتعب فيها الإنسان نفسه، وتضغط على إرادته: مثل تقديم الخد الأخر لمن يلطمه اللطمة الأولى (مت 5: 39). وكأن يبارك لاعنيه، ويحسن إلى مبغضيه (مت 5: 44). ويقبل الظلم في صمت. كشاه تساق إلى الذبح، ولا يفتح فاه " (أش 53: 7).. كل هذه تبدو أمامه أمورًا ضاغطة. و لكنها تهمس في أذنيه "أنا سوداء وجميلة"..

 هكذا كل أنواع التعب التي يتحملها الإنسان من أجل الخير:

ليس في الروحيات فقط، وإنما حتى في جميع الواجبات كتلميذ يسهر الليل، ولا يخرج لاهيا مع أصحابه. إنما يحبس نفسه في بيته، ويذاكر لكي ينجح. وأيضا رب الأسرة الذي يكدح ليلا ونهارا لأجل الحصول على قوت أسرته. أمثله كلها تعب، ولكنها جميلة.

الجلجثة عموما تبدو في نظر الناس سوداء، وكذلك الصليب.

سواء كان ذلك لأجل الفضيلة، وفي محيط الخدمة. انظروا ماذا يقول القديس بولس الرسول عن خدمته وخدمة معاونيه: مكتئبين في كل شيء، ولكن غير متضايقين. متحيرين ولكن غير يائسين. مضطهدين لكن غير متروكين. مطروحين لكن غير هالكين.. نسلم دائما للموت لأجل يسوع، لكي تظهر حياة يسوع أيضا في جسدنا المائت (2كو 4: 8-11).

 وما عبارات: مكتئبين، متحيرين، مضطهدين، نسلم دائما للموت، إلا عبارات تبدو سوداء، وهي جميلة.

كذلك يقول بنفس المعنى عن الخدمة "كمضلين ونحن صادقون. كمجهولين ونحن معروفون. كمائتين وها نحن نحيا.. كحزانى ونحن دائما فرحون. كفقراء ونحن نغنى كثيرين".. (2 كو 6: 8 10).

ونحن ننظر إلى عبارات: مضلين، ومجهولين، ومائتين، وحزانى، وفقراء.. فتهمس في أذننا "أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم".

 وعبارة "بنات أورشليم" إنما ترمز إلى أولاد الله السائرين في طريقة. الذين ينتمون إلى أورشليم "مدينة الملك العظيم" (مت 5: 35)

إن أورشليم ترمز كثيرا إلى الكنيسة المقدسة. والأبرار سوف يسكنون في أورشليم السمائية، النازلة من السماء كعروس مزينة لعريسها (رؤ 21: 2) وبنات أورشليم هي النفوس المنتمية إليها التي تتحدث إليها عذراء النشيد. " أنا سوداء". أنا الباب الضيق الذي يوصل إلى الملكوت. أنا الوصايا الصعبة التي تبدو ضاغطة على " الأنا "، على الذاتية، على الكرامة البشرية، على الإرادة التي يناديها الرسول بقوله "لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم" (1 يو 2: 15)، بينما هي لم تتخلص بعد من محبة العالم..

 إننا مدعوون جميعا لأن نمشى في طريق الجلجثة حاملين الصليب.

ولا يوجد طريق إلى القيامة سوى الجلجثة. وإن نتألم مع المسيح، فلن نتمجد معه (رو 8: 17). ألام الزمان الحاضر قد تبدو سوداء، ولكنها لأنها تؤدى إلى المجد العتيد الذي سيستعلن فينا (رو 8: 18).

وجميع صلبان الحياة الروحية تصيح قائلة: أنا سوداء وجميلة.

هذه الصلبان (السوداء!) خاف من سوادها بطرس الرسول، فقال للرب "حاشاك يا رب أن يكون لك هذا" (مت 16: 21، 22). وظن بطرس أن الجمال يكون على جبل التجلي فقال للرب " يا سيدي، جيد أن نكون ههنا" (مر 9: 5).. كلا، أيها الرسول العظيم. إن المسامير والجلدات والأشواك، كلها سوداء، ولكنها جميلة، لأنها عن الحب، وفيها البذل والفداء.

 أيضا فضيلة الزهد والموت عن العالم، هي سوداء وجميلة.

قد يبدو صعبًا ومتعبًا، أن يحرم الإنسان نفسه من كل ملاذ العالم، حتى الحلال منها ويحيا في الوحدة، والصوم، وفي العوز والفقر، متجردا من كل الرغبات والشهوات.. ولكنها حياة جميلة.

صدقوني، إن الحياة الروحية كلها، يمكن أن تندمج تحت هذه العبارة: "سوداء وجميلة". إنها تذكرنا بقول الرب:

 " من وجد حياته، يضيعها. ومن أضاع حياته من أجلى، يجدها" (مت 10: 39).

من ذا الذي يقبل أن يضيع نفسه؟! في نظره هذه العبارة سوداء. ولكنها جميلة، لأنها الطريق الوحيد الموصل إلى الله. ولهذا ذكرها الله كبداية للسير وراءه، فقال "إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه، ويحمل صليبه ويتبعني" (مت 16: 24).. نعم، لابد أن تختفي ذاته، لكي يظهر الله في حياته.. تموت ذاته، لكي يحيا الله فيه..

 إن الحياة مع الله تبدأ بالموت. فتموت لكي نحيا.

ندفن معه في المعمودية، لكي نقوم في جدة الحياة. يموت إنساننا العتيق، لكي يولد إنسان جديد على صورة الله (رو 6: 3-8).

وهكذا يصرخ الطفل حينما نغطسه في الماء، ولكننا نلبسه بعد ذلك ملابس بيضاء، رمزا للحياة الطاهرة الجديدة التي يحياها. ونهنئ أهله على أن ابنهم قد مات مع المسيح. ماتت طبيعته القديمة. وكل شيء صار جديدا.

 التجارب والضيقات هي أيضا في المفهوم الروحي سوداء وجميلة.

أنظروا إلى تجربة أيوب كمثال. كانت تبدو سوداء للغاية، إذا قد تم تجريده من كل شيء: من الأولاد والمال وكل غناه، ومن صحته ومن راحته. حتى من أصحابه الذين عيروه ظلما. حتى من كرمته أيضا، إذ يقول أيوب " أقاربي قد خذلوني، والذين عرفوني نسوني. نزلاء بيتي وإمائي يحسبونني أجنبيًا. صرت في أعينهم غريبا. عبدي دعوت فلم يجب. بفمي تضرعت إليه. نكهتي مكروهة عند امرأتي، وخممت عند أبناء أحشائي.. كرهني كل رجالي، والذين أحببتهم انقلبوا على (أى 19).

وبقدر ما كانت تجربة أيوب سوداء، إلا أنها كانت جميلة .
إذ قال فيها لله: بسمع الأذن سمعت عنك. والآن رأتك عيني (أى 42: 5).

دخل في التجربة السوداء. فخرج أبيض أكثر من الثلج. خرج منها بخيرات مضاعفة (أي 32: 10، 12). وبخبرات روحية عميقة (أى 40: 4) (أى 40: 4) (أى 42: 2 6). كما كانت تجربة جميلة، كقدوة للآخرين ومثال (بع 5: 10، 11).

 إننا نصلى إلى الله قائلين "لا تدخلنا في تجربة" (مت 6: 13). ولكن جمال التجارب التي نخافها، يظهر في قول يعقوب الرسول:

"أحسبوه كل فرح يا أخوتي، حينما تقعون في تجارب متنوعة" (يع 1: 2).

خذوا تجربة ثانيه هي تجربة أبينا إبراهيم: كم كانت شديدة وحساسة جدًا، إذ قال له الرب "خذ أبنك، وحيدك، الذي تحبه نفسك، إسحق.. وأصعده لي محرقة على أحد الجبال الذي أريك إياه" (تك 22: 2). أمر صعب، ويبدو فوق الاحتمال. وأخبار تبدو سوداء. حتى أن إبراهيم لم يستطيع أن يقولها لزوجته سارة، خوفًا من أن تسقط ميتة عند سماعها.. ! ومع ذلك كانت هذه التجربة جميلة، في أنها أثبتت إيمان إبراهيم وطاعته، وجعلته مثلا في الطاعة. كما كان من نتيجتها قول الرب له " من أجل أنك فعلت هذا الأمر، ولم تمسك ابنك وجيدك عنى، أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيرا كنجوم السماء، وكالرمل الذي على شاطئ البحر.." (تك 22: 16، 17)

مع أن تجربة إبراهيم في ذبح ابنه كانت تبدو سوداء، إلا أنها كانت جميلة، كمثال للفداء، وللطاعة، وللإيمان. صورة رائعة..

 بالفهم البشرى كل تجربة تبدو سوداء. ومن الناحية الأخرى لا بد أن وراءها خيرًا. أول معرفة ابرام بالله، كانت تبدو تجربة، حيث قال له " اذهب من أرضك ومن عشيرتك وبيت أبيك، إلى الأرض التي أريك" (تك 12: 1).. حرمان من الأهل ومن الأقارب والوطن. ومع ذلك كانت التجربة جميلة، إذ قال له الرب فيها: " فأجعلك أمة عظيمة، وأباركك وأعظم أسمك، وتكون بركة.. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض" (تك 12: 2، 3).

إن سواد التجربة يكمن في الفهم البشرى الخاطئ لها. أما جمالها فهو في القصد الإلهي منها، والفهم الروحي لها.

 الطاعة أيضًا قد تبدو سوداء أحيانًا، عندما تضغط على الإرادة.

صعب أن يتخلى الإنسان عن مشيئته ورغبته، وربما عن فكره الخاص، وينفذ مشيئة غيره.. كالطفل الذي يحرمه أبوه من ألعابه وأصحابه، ليجلس إلى دروسه.. ولكن الطاعة جميلة، لأن فيها الخير. وبها تتدرب نفوسنا وتكبر. وما أخطر ان يسلك الإنسان حسب هواه، كما يفعل الابن الضال! وكما يفعل الوجوديون الملحدون الذين يطيعون هواهم ليتمتعوا بوجودهم!!

 أيضا من الأشياء التي تبدو سوداء وجميلة: التوبيخ والتأديب:

صعب على الإنسان المهتم بكرامته، أن يسمع كلمة توبيخ وكلمة انتهار، وأن توقع عليه عقوبة..! بينما نرى النفس التي تسعى إلى خلاصها، ترحب بكلمة التوبيخ وتفرح بها، لأنها تكشف لها أخطاءها، لكي تعالجها فتخلص..

إن التأديبات جميلة "لآن الذي يحبه الرب يؤدبه" (عب 12: 6).

ولكنها سوداء في نظر الذين لا يحتملونها. إذ تخدش "الذات" التي يحرصون عليها، وتحرم من المديح الذي يحبونه!

عندما قال الرب لبطرس "اذهب عنى يا شيطان. أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله، لكن بما للناس" (مت 16: 23).. لم يغضب بطرس، بل سمع عبارة التوبيخ في محبة، لخلاص نفسه.

إن الله يعلمنا الحياة: بكلمات الحب حينًا، وبكلمات التوبيخ حينا أخر. بالبشارة المفرحة حينا، وبالصليب حينا أخر.. بالخيرات التي تنسكب من السماء حتى نقول كفانا كفانا، وأيضا بالتجارب والضيقات..

 أيضا فضيلة التعب من أجل الرب، هي كذلك سوداء وجميلة..

سواء التعب في السهر والصوم والنسك والمطانيات وضبط النفس.. ما أسهل أن يستريح الإنسان، ويسترخى تحت فراشه الدافئ.. ولكن الجميل هو أن يقوم ويصلى صلاة نصف الليل، فيجد التعزيات الجميلة. كذلك الذين يمارسون المطانيات لا يشعرون فيها بتعب إنما بلذة روحية. و الصوم أيضا ليس حرمانا للجسد بل هو نشوة للروح. كما أنه مفيد للجسد من نواح متعددة..

 نفس الكلام نقوله عن العشور والبكور، والعطاء عن احتياج.

ما أصعب ممارسة البعض لهذه الوصية، مع شعورهم باحتياجهم لكل قرش يدفعونه! ولكن ما أجملها في البركة وفي البذل، وفي المحبة التي نظهرها نحو الفقراء، وفي إطاعة الوصية..

إن الفضيلة قد تكون صهبة وسوداء بالنسبة إلى المبتدئين، الذين يشتهى فيهم الجسد ضد الروح. أما عند القديسين فهي جميلة ومحبوبة.

إن الكاملين الذين ذاقوا حلاوة الحياة الروحية ولذة العشرة مع الله، لا يرون الفضيلة سوداء مهما بدت صعبة! بل هي في نظرهم جميلة يشتهونها بكل قلوبهم. وهكذا يقول القديس يوحنا الحبيب " ووصاياه ليست ثقيلة" (1 يو 4: 3). ويتغنى داود كثيرا بوصية الرب فيقول إنها "مضيئة تنير العينين" (مز 19). وإنها أحلى من العسل في فمه، وأغلى من الجوهر (مز 119).

 إن النفس التي تعبت من أجل الرب وعاشت في العالم كسوداء، "لا صورة لها ولا جمال" (أش 53: 2) في مذلة الاتضاع والاحتمال، لا متعة لها بالعالم وكل ما فيه، ولا غنى فيه وجاه، "خسرت كل الأشياء وهي تحسبها نفاية لكي تربح المسيح" (في 3: 8)، وأضاعت نفسها لكي تجدها.

هذه النفس عندما تصعد إلى فوق، ستقول لنفوس الأبرار في الفردوس "أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم".

من تأملات سفر نشيد الأناشيد ... أنا سوداء وجميلة (أ) (نش 1: 5) ++ البابا شنودة الثالث


من تأملات سفر نشيد الأناشيد ...  أنا سوداء وجميلة (أ) (نش 1: 5) ++ البابا شنودة الثالث

 هذه العبارة تقولها كنيسة الأمم.

التي تعتبر سوداء لأنها كانت غريبة عن رعوية شعب الله بلا ناموس, لا أباء ولا أنبياء, بلا وعود من الله, وبلا عهود منه, وبلا معرفة إيمانية به (أف 2: 12). فهي من هذه الناحية سوداء في نظر اليهود ولكنها تخاطبهم قائلة "أنا سوداء يا بنات أورشليم" من وجهة نظركم أنتم ولكني جميلة في عيني الرب.

 النفس البشرية الخاطئة, هي أيضا سوداء.

سوداء من جهة ضعفها وسقوطها ولكنها جميلة بدم المسيح الذي يطهرها من كل خطية (1 يو 1: 7) فهي تقول أنا سوداء في حالة الخطية ولكن جميلة في حالة التوبة, سوداء في حاضري وماضي ولكني جميلة في المستقبل, بالرجاء.. آنا سوداء وآنا بعيدة عن الله ولكني أؤمن بقوة الله الذي سينتشلني مما أنا فيه وهو الذي سوف يتوبني فأتوب (أر 31: 18) وأصبح جميلة, لأن الجمال هو طبيعتي التي خلقت بها كصورة الله على شبهة ومثالة (تك 1) باعتباري نفحة خرجت من فم الله, واستقرت في ترابي (تك 2).

 أنا جميلة -كصورة الله- أما الخطية فهي دخيلة على طبعي.

هذه الخطية زحفت إلي من سبب خارجي "لأن الشمس قد لوحتني" ولكني جميلة باعتبار أن نعمة الله لابد ستفتقدني في يوم ما, وسيعمل في روحه القدوس ولن يتركني إلي سوادي.

 لقد كنت سوداء بخطيتي الجدية المورثة.  ثم تجددت في المعمودية.

دخلت جرن المعمودية، حيث صُلِبَ إنساني العتيق (رو 6: 6) "ليبطل جسد الخطية".  وخرجت من جرن المعمودية بيضاء وجميلة.

ثم اسودَّت بشرتي، لأن الشمس قد لوَّحتني.  ولكني واثقة أنني سأدخل جرن التوبة، حيث يغسلني الرب فأبيض أكثر من الثلج (مز 50) وأصبح جميلة.

الله الحنون سوف ينضح عليَّ بزوفاه فأطهر.  سيخلق فيَّ قلبًا نقيًا.  وأيضًا سوف يجدد روحًا مستقيمًا في أحشائي (مز 50).  وبنعمته سوف يردني إلى رتبتي الأولى، الجميلة.

 أنا سوداء لأني في مرحلة من التخلي "طلبته فما وجدته".

ولكني واثقة بالرجاء أني لابد سأجدهُ ولو بعد حين. وحينئذ سيلقي على بره, فأصبح جميلة مرة أخرى.

 أنا سوداء يا بنات أورشليم البيض الجميلات.. ولكني أحذركن:

لا تشمتن بي، ولا تهزأن بسوادي كأنه عار.

فالرسول يمنعكن إذ يقول " أذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم. واذكروا المذلين كأنكم انتم أيضًا في الجسد" (عب 13: 3). كما يقول من هو قائم، فلينظر لئلا يسقط (رو 11)، كلكم معرضون أن تلوحكم الشمس مثلي.

 لقد كانت لي أخت سوداء وصارت جميلة. أنها الأرض!

قيل في اليوم الأول أن الأرض "كانت خربة وخاوية، وعلى وجه الغمر ظلمة" (تك 1: 2) تلك الظلمة تعني أنها سوداء.. "ثم قال الله: ليكن نور, فكان نور". وصارت الأرض الخربة جميلة، وامتلأت بالثمار والأزهار " ورأى الله ان ذلك حسن".

وأنا أيضًا أنتظر اليوم الذي يقول فيه الرب: ليكن نور.

فيكون نور. ويرى الله النور إنه حسن. وأصير جميلة.

إنني أعيش برجاء ذالك اليوم لست أعيش في ظلمتي الحاضرة, وألا خنقني اليأس!.. إنني بالرجاء انتظر النور الآتي. انتظر أن يغسلني الرب, فابيض أكثر من الثلج. أن عبارة "أبيض أكثر من الثلج" عبارة معزية مملوءة بالرجاء. سأعيش فيها.

 إن كنيسة الأمم عندما قالت أنا سوداء وجميلة, كانت في عمق الإيمان بالخلاص الأتى.

كانت مؤمنة بمجيء من يحمل خطايا العالم كله.

وعندما قالت أنا جميلة ذكرتني بقول المرتل في المزمور: " أرحمني فأني بار" (مز 86)، وفي قوله هذا، لم يتكلم عن بره الذاتي، إنما عن البر الأتي بالدم المسفوك، الذي سيطهره فيبيض أكثر من الثلج "متبررًا مجانا بالنعمة" (رو 3: 24) وبنفس الوضع تقول عذراء النشيد عن نفسها إنها جميلة فالرسول يقول " لان جميعكم الذين اعتمدتم للمسيح قد لبستم المسيح (غل 3: 27) أي لبستم البر الذي له.

 لي أخت أخرى كانت سوداء وجميلة. هل تعرفنها يا بنات أورشليم؟ إنها أورشليم نفسها كما وصفها سفر حزقيال.

قال لها الرب وهي مطروحة بنجاستها على الأرض "مررت بك ووجدتك مدوسة بدمك. فقلت لك بدمك عيشي" (حز16). هكذا كانت حياتها وهي سوداء.. ثم يقول لها الرب بعد ذلك " فمررت بك ورأيتك وإذ زمنك زمن الحب. فبسطت ذيلي عليك وسطرت عورتك ودخلت معك في عهد, فصرت لي. فحممتك بماء. (أي المعمودية) وغسلت عنك دمائك (بمغفرة خطاياك), ومسحتك بزيت, (أي بزيت الميرون في المسحة المقدسة) وألبستك مطرزة. وكسوتك بزًا أي حرير (بسر التوبة) وحليتك بالحلي (بالفضائل) فتحليت, وجملت جدا فخرج لك أسم في الأمم لجمالك لأنه كان كاملا ببهائي الذي جعلته عليك" (حز 16).

هذه قصة السوداء التي صارت جميلة، إذ افتقدها الرب.

وكان ذلك في "زمن الحب" أي الزمن الذي رآه الرب مناسبا لإظهار حبة، وما أدق عبارة "جمالك كان كاملًا ببهائي الذي جعلته عليك" إنه جمال من الله وليس جمال من تلك النفس، إنه بر المسيح وليس برها الذاتي. إنه منحة الله للنفس، وليس عمل الذراع البشري.

 نفوس كثيرة كانت سوداء وصارت جميلة.

مثل نفوس التائبين جميعا, مثل موسى الأسود, وأغسطينوس، وبيلاجية، ومريم القبطية، وأريانوس والي أنصنا، واللص اليمين..

ولكن هذه النفوس لا تقول "أنا سوداء وصرت جميلة" وإنما تقول "أنا سوداء وجميلة" لأنها تعيش بالرجاء. فترى المستقبل كأنه قائم أمامها, إنها نفس واثقة, إنها غالية عند الرب, مهما سقطت!

 هناك نفوس أخرى ترونها أنتم سوداء ويراها الرب جميلة!

مثال ذلك شاو ل الطرسوسي المضطهد للكنيسة. كم كان أشد سواد هذه النفس في نظر المؤمنين, حينما كان يهجم ويقتاد رجالا ونساء إلي السجن. أما الرب فنظر إلي نفس شاول السوداء, بل التي كانت جميلة في غيرتها وإن كانت غيرة ليست حسب المعرفة وقال له " صعب عليك أن ترفس مناخس" (أع 9).. إنني أغسلك وأنت ترفض الصابون والماء والليف! ومع ذلك سأظل أغسلك إلي أن تبيض أكثر من الثلج فيما تغسل خطاياك (أع 22: 16) وبعد ان تبيض سأريك كم ينبغي أن تتألم من أجلي, سيرجمونك, وسيضربونك بالسياط, ويسيل الدم على نفسك البيضاء.. وأغني لك أنشودتي " حبيبي أبيض وأحمر".

 أنا نفسي سوداء قد أكون مائتة مثل الابن الضال.
حسبما قيل عنه "ابني هذا كان ميتا فعاش" (لو 15: 24).
 وقد يقال عني "قد أنتن" مثل لعازر (يو 11: 39).
أنا واثقة من إني سأخرج من القبر, وسأرجع إلي بيت عنيا. وهناك سيزورني الرب ومعي مريم ومرثا..

 أنا نفسي ساقطة, ولكنني لست ضائعة..

سيمسك واحد من السارافيم جمرة من على المذبح, ويمسح بها شفتي, قائلًا: قد طهرت. قد كفر عن خطيئتك. لن تموت.. وسيأتي الرب بلقان, وسيأتي بمئزر ويغسل قدمي, لكي أصير طاهرا كلي، كباقي التلاميذ، وكباقي النفوس التي هي مثلي سوداء. ويقول "ها أنتم الآن طاهرون" (يو 13: 10).

 أنا سوداء وجميلة, والخطية تلطخني من الخارج فقط. أما قلبي فهو في داخلي يحب الله!

مثل بطرس الذي أنكر سيدة ثلاث مرات, وسب ولعن وقال لا أعرف الرجل (مت 26: 72) ومع ذلك قال للرب بعد القيامة: أنت يا رب تعرف كل شيء. أنت تعلم أني أحبك (يو 21: 17).

  الخطية غريبة عني, وأنا غريب عنها, أنها سقطة ضعف وليست خيانة!

إرادتي في الخارج سوداء, أما نفسي من الداخل فهي بيضاء, كل ما كان مني من إنكار هو نفسي الخارجية الضعيفة السوداء, أما الحب الذي في قلبي، فهو نفسي الحقيقية الجميلة , نفسي الخارجية يلطمها الشيطان فتسود، أما قلبي من الداخل فجميل، وهذا السواد الخارجي سوف أخلعة حتمًا, سأخلعة الآن. وسأخلعه عندما ألبس جسدًا نورانيًا روحانيًا لا يخطئ (1كو15: 44, 49) جسما لا يتصل بالمادة بعد.

 أنا سوداء وجميلة كخيام قيدار، كشقق سليمان. وكأنة قيل عني, كنت خلال ذلك أكافح، نفسي وأجاهد, حتى كأنني اثنان في واحد, هذا يدفعني, وذلك يمنعني.

هذه النفوس المجاهدة التي تحارب حروب الرب. فتسقط حينا، وتقوم حينا أخر، وقد يجرحها الشيطان وقد يشوه بعض أعضائها، هي على الرغم من سقوطها، سوداء وجميلة، مهما جرحت في الحرب، هي جميلة، لأنها لا تلقي سلاحها، ولم تستسلم نهائيا للعدو. ولم تفقد إخلاصها الداخلي للرب، مهما جرحت.

 كلما عاش الإنسان في حياة الاتضاع، يجد نفسه سوداء وفي نفس الوقت جميلة!

مثل نفس العشار الذي لم يجرؤ أن ينظر إلي فوق.. وإنما بانكسار قلب وبخجل, قال: ارحمني يا رب فأني خاطئ (لو 18: 13) حقا إنها نفس سوداء وجميلة, ما أعظم وأعمق هذه المقابلة:

العشار نفسه سوداء وجميلة, والفريسي لم يكن جميلا وهو أبيض.

نفس أخرى كانت سوداء وجميلة, هي نفس اللص اليمين على الصليب, كان لصا ومازلنا نسميه باللص, وهي كلمة ترمز لسواده، وكلمة اليمين ترمز لبره في المسيح.

راحاب الزانية -كذلك اللص- كانت سوداء وجميلة.

كانت امرأة مشهورة إنها خاطئة، ولكن الحبل القرمزي كان يقول إنها أكثر جمالًا من كل سكان أريحا (يش 6).

 كل نفس سوداء وجميلة تناديكم: لا تحكموا حسب الظاهر.

إن الظاهر لا يقدم الحقيقة مطلقا. لما رأى صموئيل النبي الابن البكر ليسى قال "هوذا أمام الرب مسيحة "، بينما قال الرب " أنا قد رفضتة" وقال لصموئيل: "لا تحكم حسب الظاهر "، بينما اختار الرب داود الذي كان يقول " صغيرا كنت في بيت أبي، ومحتقرا عند بني أمي". هذا الصغير الذي صار مسيحآ للرب وحل علية روح الرب (1 صم: 16).

 عبارة " أنا سوداء وجميلة " يمكن أن يقولها كل ضعيف اختاره الرب.

فالرب قد أختار تلك النفوس السوداء الجميلة "أختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء, وأختار الله ضعفاء العالم ليخزي الحكماء, وأختار أدنياء العالم والمزدري وغير الموجود.. (1كو1: 27, 28) أختار مجموعة من الصيادين ليكونوا رسله، وأختار موسى الأغلف الشفتين ليكون كليمه، وأختار أرميا الصغير ليكون نبيا للشعوب.. واختار العشار متى بين لأثنى عشر، وتوما الشكاك أيضًا بينهم. إنها نفوس كانت تبدو للكثيرين سوداء في ضعف مكانتها، ولكنها كانت في نظر الله جميلة. نعم إنه الله الذي قيل عنة: الساكن في الأعالي، والناظر إلي المتواضعات.

المقيم المسكين من التراب والرافع البائس من المزبلة, لكي يجلس مع رؤساء شعبة. الذي يجعل العاقر ساكنة في بيت, أم أولاد فرحة (مز 113). نعم هذه النفس الخارجة من التراب ومن المزبلة تصلي إليه قائلة في شكر: أنا سوداء وجميلة.

 أنا ضعيفة أعمل بقوة الله،وجاهلة أتكلم بحكمة الله

أنا المزدري وغير الموجود, ولكن الله منحني وجودًا..

في إحدى المرات اختار الله حفنة تراب مدوسة في الأرض, ونفخ فيها نسمة حياة، فصارت نفسا حية (تك 2)، وجعلها الله على صورته ومثاله وإذ صارت كذلك، انطبقت عليها عبارة:

"أنا سوداء وجميلة".

ألست ترى معي أيها القارئ العزيز أن هذا الموضوع له بقية طويلة؟ نعم إنه لكذلك..