تأمل من سفر نشيد الأناشيد ++ أنا نائمة وقلبي مستيقظ (نش 5: 2) جزء 2 +++ البابا شنودة الثالث


تأمل من سفر نشيد الأناشيد ... أنا نائمة وقلبي مستيقظ جزء 2 (نش 5: 2) +++ البابا شنودة الثالث

 تقول العروس في النشيد "أنا نائمة، وقلبي مستيقظ. صوت حبيبي قارعًا: افتحي لي يا أختي، يا حبيبتي، يا حمامتي، يا كاملتي. لأن رأسي امتلأ من الطل، وقصصي من ندى الليل" "قد خلعت ثوبي، فكيف ألبسه؟! قد غسلت رجليَ، فكيف أوسخها؟! حبيبي مدّ يده من الكوة، فأنت عليه أحشائي.." (نش5: 2-4).

أنا نائمة وقلبي مستيقظ:

يقول الرب "اسهروا وصلوا، لئلا تدخلوا في تجربة" "اسهروا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ابن الإنسان" (لو12: 40) "لئلا يأتي بغتة فيجدكم نيامًا" (مر13: 36)..

إذن فكل نفس نائمة هي ساهية عن خلاص نفسها، غفلانة كسلانة لا تدري ما هي فيه. ونسيت تحذير الكتاب: لئلا يأتي بغتة فيجدكم نيامًا"..

 أما هذه النفس التي تقول أنا نائمة وقلبي مستيقظ، فإن حالها عجيب.. هل هي تخدع نفسها، وتدعى اليقظة بينما هي نائمة؟!.

كيف تظن أنها مستيقظة القلب بينما هي نائمة؟! كثير من الناس يقول الواحد منهم "أنا أحب الرب من كل قلب. الله هو كل شيء في حياتي". فإن سألته عن صلواته وتأملاته وقراءاته الروحية واعترافاته وتناوله، يقول لك..

حقًا، إنني مقصر جدًا في كل هذا، ولكني مع ذلك أحب الله.. روحياتي واقفة، نفسي نائمة، ومع ذلك فقلبي مستيقظ.

والأعجب من هذا، إنسان آخر، يقول لك إنني في عمق الخطية، ومع ذلك فأنا أحب الله. نفسي نائمة، وقلبي مستيقظ..

 وتتعجب أنت من هذا: كيف تكون محبة الله في قلب هذا الإنسان، وهو في عمق الخطية؟! ألم يقل الرب "من يحبني، يحفظ وصاياي" فكيف لا يحفظ وصاياه، ويقول "أنا أحبه".. ألم يقل يوحنا الحبيب "كل كم يخطئن لم يبصره ولا عرفه" (1يو3: 6)..

الظاهر أن هناك أناسًا يظنون أن عاطفة المحبة نحو الله تكون في القلب فقط، دون أن تظهر في الأعمال ولا في السيرة والسلوك، ودون أن يعبروا عن محبتهم تعبيرًا عمليًا يظهرها ويؤكدها..

لا تكفي يقظة القلب، إن كانت الحياة نائمة.. المفروض أن القلب المستيقظ يدفع الإنسان باستمرار إلى العمل الروحي.. إن الإيمان دون أعمال ميت كما قال الرسول (يع2: 26). ما فائدة محبة القلب، وما معنى محبة القلب، إن كنت نائمًا وكسلانًا ولا تعمل ما تستوجبه تلك المحبة؟ ما معنى أن يكون الغصن حيًا، إن كان لا يزهر ولا يثمر.. ؟!

 والغرابة أنه على الرغم من هذا الكسل والنوم، ما تزال النفس تقول "حبيبي".. "صوت حبيبي قارعًا" "حبيبي مد يده من الكوة فأنت عليه أحشائي"، "قمت لأفتح لحبيبي.. فتحت لحبيبي لكن حبيبي تحول وعبر"..

أهو حبيب حقًا، إذن هو "تعب المحبة"؟!

الله أحب العالم حتى بذل ابنه الوحيد.. الرب أحبنا فمات عنا، أنت تحبين، فماذا فعلت في التعبير عن حبك؟!

هذا الحبيب الذي أحبك يقرع على الباب، ولا تفتحين.. !! يظل في انتظارك حتى تمتلئ رأسه من الطل، وقصصه من ندى الليل، وأنت نائمة، تحتجين بأنك قد خلعت ثوبك، وغسلت رجليك، وتتركينه، مقدمة له شتى الأعذار.. ثم تجرئين أن تُسَمَّي هذا حبًا؟!

إن الحب النظري لا ينفع شيئًا، لابد أن يكون حبًا عمليًا لقد قال يوحنا الرسول "لا نحب بالكلام، ولا باللسان، بل بالعمل والحق" (1يو 3: 18).

هذه النفس تفكر في ذاتها أكثر مما تفكر في الله.. تفكر في ثوبها وفي رجليها وفي راحتها، ولا تفكر في حبيبها الواقف منتظرًا الذي امتلأ رأسه من الطل.. الذاتية تمنعها من البذل، وحب الراحة يعطلها.

هذه النفس تريد أن تجمع بين الله والعالم بين محبة الله ومحبة ذاتها. لا تريد أن تتعب. لا تريد أن تدخل من الباب الضيق. تريد حبًا بدون صليب..

 ماذا لو أن الله أحبنا، دون أن يصعد على الصليب؟!

ماذا لو أحبنا دون أن يبذل ذاته عنا؟!..

إذن لماذا لا نفعل مثله في المحبة الباذلة؟! ولكن هذه النفس المسكينة في سفر النشيد، تريد أن تحب الله وهي نائمة. و: انها تقول لله "أحبك يا رب، وأحب النوم أيضًا. أتراني أجمعكما معًا؟"

هذه العروس تقول في النشيد "قلبي مستيقظ". أهي بالفعل يقظة حقيقية؟  وإن كانت كذلك، فما هي فاعليتها؟

 هناك يقظة عقلية، ويقظة أخرى عملية.

قد يكون القلب مستيقظًا: يحس أن هذا خطأ، ومع ذلك يقع فيه. يستطيع أن يميز صوت الله من صوت الغرباء، ومع ذلك لا يتبع صوت الله.. إنها صورة شرحها بولس الرسول في رسالته إلى رومية "الإرادة حاضرة عندي، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأني لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي أريده فإياه أفعل" (رو7: 18، 19).

إذن قد يكون القلب مستيقظًا، والإرادة ضعيفة. الضمير متيقظ، ولكن لا عزيمة ولا إرادة. ونتيجة الضعف يسقط الإنسان في الشر الذي لايريده، كبطرس حينما أنكر سيده.

صوت حبيبي قارعًا، أفتحي لي..

إن قول الرب لها "افتحي لي" يعني إنها مغلقة أمامه. قد أغلقت نفسها على ذاتها تحوصلت داخل هذه الذات.. داخل عبارات ثوبي، ورجلي، وراحتي، ونومي..

 كثيرًا ما تقف الذات عقبة في طريق الله..

تسأل إنسانًا أن يصلي، فيقول لك: وقتي، شغلي، دروسي.. تسأله أن يصوم. فيقول لك: رغباتي، شهواتي، غرائزي، جسدي، أفكاري.. دائمًا قبل كل شيء، والله هو آخر الكل..

وقد يصلي الإنسان، ولكن ذاته تكون كل شيء في صلاته، ينسى الله في صلاته، ولا يتذكر سوى طلباته. هي ذاته موضع اهتمامه، وليس محبة الله.

هذه الأعذار تدل على أن النفس "تركت محبتها الأول، المحبة التي كانت مشتعلة قبلًا. مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئها. وأعذار كثيرة لا يمكن أن تعوقها.

إنها في القلب فقط، لأن القلب مستيقظ، ولكنه ليس في الإرادة لأنها نائمة.

 "افتحي لي يا أختي، يا حبيبتي، يا حمامتي، يا كاملتي. فإن رأسي قد امتلأ من الطل، وقصصي من ندى الليل".

كلام عاطفي ومؤثر، قد يلين الحجر. ولكن هناك نفوسًا قاسية لا تلين مهما كلمها الرب بحب ورفق..

كثيرًا ما تقف قساوة القلب حائلًا بين الإنسان والله. لذلك ينصحنا الرسول قائلًا "إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم" (عب3). وفي قصة عذراء النشيد، نجد أنها على الرغم من قساوة قلبها، ومن رفضها وعم استجابتها، لا تزال تبرر أخطاءها بالأعذار.

 أدخلي في الخدمة، وواجهي العثرات والمعطلات، وثقي أن يد الله ستكون معك، وستغسل كل ما يتسخ فيك.. موسى النبي الوديع الذي كان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس، دخل في الخدمة (غلا4: 2)، وغضب، وكسر لوحي العهد المكتوبين بأصبع الله. وبولس الرسول أضطر أن يغير صوته في الخدمة، وأن يقول أفيأتيكم بعصا، وقال "أيها الغلاطيون الأغبياء" (غلا3: 10) وقال أيضًا "قد صرت غبيًا وأنا أفتخر، أنتم ألزمتونى" (2كو12: 11).

وفي كل ذلك غسل المسيح أرجل رسله وتلاميذه..

 "أنا نائمة وقلبي مستيقظ"

هل تدل هذه العبارة على حب بغير عمل، أم على حالة فتور، أم تدل على النفس البشرية، أم اعتذارها عن الخدمة؟

تأمل من سفر نشيد الأناشيد ... أنا نائمة وقلبي مستيقظ جزء 1 (نش 5: 2) +++ البابا شنودة الثالث


تأمل من سفر نشيد الأناشيد ... أنا نائمة وقلبي مستيقظ جزء 1 (نش 5: 2) +++ البابا شنودة الثالث

 هذا النشيد يعطي روح الرجاء، حتى بالنسبة إلي النائمين.

ما أجمل قول المسيح للتلاميذ وهم نائمون في البستان "الروح نشيط أما الجسد فضعيف" (مت26: 41). إذن فحتى لو كان الجسد ضعيفًا، لا يستطيع أن يتمشي مع عمل الروح، فإننا نشكر الله الذي يمتدح الروح علي الرغم من ضعف الجسد، ويعطيها رجاء.

 وعذراء النشيد تجد نفسها هنا (نائمة): لا يقظة روحية، ولا نشاط، ولا حرارة، ولا حيوية، ولا عمل روحي.
ومع هذا النوم تري نافذة من رجاء مفتوحة: وهي قلبها المستيقظ.
علي الرغم من نومها، مازال قلبها مستيقظًا. مازلت حساسة لصوت حبيبها، تسمعه وهو يقول لها "افتحي لي".
إذن هو مجرد نوم، وليس موتًا، ومازال القلب نابضًا بالحياة.
هنا حياة قد تكون خاملة، ولكنها موجودة..

 الشجرة لا تعطي ثمرها، ولكنها لا تزال حية، ربما لو نقب الرب حولها ووضع زبلًا، تعطي ثمرًا فيما بعد.. النفس نائمة ولكنها حساسة لصوت الرب ولندائه، تميزه عن صوت الغرباء، وتشعر أنه حبيبها علي الرغم من عدم صلتها به..

أنا نائمة وقلبي مستيقظ. لا نضيع الوقت في توبيخ النوم، وإنما نفرح بيقظة القلب، فهي التي ستقيم النفس من نومها.

 نشكر الله أنه لم ييأس من النائمين، وإلا هلكوا وضاعوا..

قد تكون نفسي أمامك يا رب، أرضًا خربة مغمورة بالمياه، وعلي وجه الغمر ظلمة (تك1: 2)، ولكن المفرح أن روحك مازال يرف علي وجه المياه، وسيأتي وقت تقول فيه ليكن نور، فيكون نور (تك1: 3)..

ما أجمل قول النبي "لا تشمتي بي يا عدوتي، فإني إن سقطت أقوم (مي7: 8)، قد أكون نائمًا، ولكني سأستيقظ.. "كثيرون يقولون لنفسي ليس له خلاص بإلهه، ولكن أنت يا رب ناصري. مجدي ورافع رأسي" هكذا قال المزمور:

 "أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت، لأن الرب معي" (مز3)

ربما تكون لي أربعة أيام في القبر، يقولون عني قد أنتن (يو11: 39). ولكني واثق أن صوتك سيأتيني "لعازر هلم خارجًا" (يو11: 43) وتقوم نفسي النائمة، حينما يسمع صوتك قلبي المستيقظ.

 حقًا لا نستطيع أن نغلق باب الرجاء، أمام أي نفس..

مهما كانت حالتها تبدو ميئوسًا منها!.. الله قادر أن يقيم من الحجارة أولادًا لإبراهيم (مت3: 9).. إن الرسول يقول: لا نفشل حتى إن مات إنساننا الخارج يفني، فالداخل يتجدد يومًا فيوم" (2كو4: 16).

هذا يعطي رجاءً ليس للنائمين فقط، وإنما للخدام أيضًا.

لا تيأس من أحد، مهما بعد عن الرب.. ربما تكون البذرة في حالة خمول، ولكن الحياة الكامنة فيها تنتظر وسائل إنبات لكي تدب فيها الحياة من جديد..
إن الرياح في الصحراء قد تحمل البذار وتلقيها بعيدًا حيث تدفن في الرمال، وتظل مدفونة مددًا طويلة، إلي أن تسقط بعض الأمطار، فتدب الحياة في هذه البذار المدفونة وتنبت..
وهناك بذار بطيئة في نموها، كنواة البلح، تمضي شهورًا طويلة بدون علامة حياة علي وجه الأرض، ثم تظهر الخضرة..

 نحن لا نيأس مطلقًا من النفوس النائمة مهما طال نومها.

كان الرسل النائمين، خائفين ومختبئين في العلية. ولكن جاء الوقت الذي ظهروا فيه، وملأوا الدنيا كرازة وتبشيرًا..
وحتى لو ظل النائمون مستمرين في نومهم، فلا نيأس مادامت هناك نفوس أخري ساهرة من أجلهم.
يذكرني هذا بالرعاة المتبدين الذين كانوا يسهرون في حراسات الليل علي غنمهم وقت ميلاد المسيح (لو2: 8) . ويذكرني أيضًا بقول بولس "من يعثر وأنا لا ألتهب" (2كو11: 29). قد تكون هناك نفوس نائمة، ولكن الكنيسة ساهرة من أجلها، لتوقظها..

 وحتى إن نام الرعاة، هناك عين الله الساهرة، التي لا تنام.

إن لم تستطع نفسي أن تقول "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" فإنها ستقول لك يا رب "أنا نائمة ويكفي أنك أنت مستيقظ".

إن كلمة الرب قد تصل إلي النفس، وربما يبدو أنها لم تحدث أثرًا ولم تأت بنتيجة. ولكن عمل الروح القدس الدائم في النفس، سيظهر هذه النتيجة فيما بعد، لأن كلمة الرب لا ترجع فارغة (أش55: 11) إنها كالخبز علي وجه المياه، بعد أيام كثيرة تجده (جا11: 1).

 "أنا نائمة وقلبي مستيقظ". ربما يكون نومي كسلًا، وضعفًا، وفتورًا، وسقوطًا، ولكنه لن يكون خيانة..

فقلبي مستيقظ، وقلبي لك، يسمع صوت حبيبه قارعًا. قد أسقط في الخطية، ولكني أسمع الصوت في داخلي يوبخني ويقول إن هذا لا يليق.. قد أبعد عنك، ولكن نخسك لقلبي مستمر. ولن أستطيع مقاومته مدة طويلة.. قد أقاوم محبتك إلي حين، ولكن صعب علي أن أرفس مناخس (أع9: 5)..

  أنا أعلم أنني سأستيقظ. ولكن لا يجوز أن يطول نومي.

إن الرجاء لن يدفعني إلي التراخي، بل سيبكتني ضميري عليه فيما بعد، وسأوبخ نفسي كما قال لك القديس أوغسطينوس "لقد تأخرت كثيرًا في حبك". وكما قال بولس "أنا الذي كنت مضطهدًا للكنيسة" (1كو15: 9) إن مناخسك تعمل في قلبي وأنا نائم…

أنا يا رب لا أستطيع أن أبعد عنك: إحساسي بمناخسك في قلبي، تدل علي أن القلب مستيقظ، وأنه لن يقبل النوم.. إنني أسمع صوت الكنيسة تقول "قوموا يابني النور، لنسبح رب القوات" وقول الرسول "إنها الآن ساعة لنستيقظ" (رو13: 11) وأيضًا:

"استيقظ أيها النائم، فيضئ لك المسيح" (أف5: 14).

 "أنا نائمة وقلبي مستيقظ. صوت حبيبي قارعًا".
إنني أعجب لهذه النفس التي تسمع صوت حبيبها وتظل نائمة!
بينما الله "فيما نحن ندعو، هو يستجيب".. إننا لا نعامله بنفس المعاملة. ما أكثر ما نغلق أبوابنا في وجهه، حتى يمتلئ رأسه من الطل، وقصصه من ندي الليل..

ولكننا نشكر الله في كل ذلك علي صبره وطول أناته.

إنه يدعو قائلًا "قومي يا حبيبتي وجميلتي وتعالي" (نش2: 10). ونحن نسمع ولا نستجيب. ويظل الرب يقرع علي أبوابنا ويقول "مددت يدي طول النهار لشعب معاند ومقاوم" (رو10: 21)..

 والعجيب أن أعذارنا كثيرة، نحاول بها أن نبرر بها عدم استجابتنا..

"غسلت رجلي، فكيف أوسخهما؟ّ خلعت ثوبي فكيف ألبسه؟!.

يطبق القديس أغسطينوس هذه الآية علي النفس في دعوتها إلي الخدمة: نفس لبست البر، ونالت الطهارة، واستراحت إلي هذا ونامت. وصارت تحتج: كيف أخرج إلي الخدمة وأصطدم بما فيها من مشاكل وتعب! وفيما أنا أسير علي الأرض في طريق الخدمة قد تتسخ رجلاي مرة أخري، فكيف أوسخهما؟

ويجيب القديس أوغسطينوس: لا تتضايق إذا اتسخت رجلاك، فالمسيح قد غسل أرجل تلاميذه. وسيظل يغسلك كلما اتسخت..

إذا دعاك الرب، فلا تضع أمامك عوائق، ولا تعتذر بأعذار.. فطالما الأعذار موجودة، منخاس الله موجود..

 هل انتفعت هذه العروس بأعذارها؟! لقد قالت: حبيبي تحول وعبر..

ومع ذلك كان صوت حبيبها أقوي من جميع أعذارها.. كما أنها لم تستطع أن تحتمل عملًا آخر من أعمال محبته "حبيبي مد يده من الكوة، فأنّت عليه أحشائي".

لقد أنت أحشاؤها، لأن قلبها كان مستيقظًا ولم تحتمل محبة الرب.
"أنا نائمة" إنه اعتراف. والمعترفة بخطاياها قريبة من اليقظة.
إن كنت نائمًا، قم إذن واستيقظ، فالسيد الرب يقول "اسهروا وصلوا، لئلا تدخلوا في تجربة".

أولاد الله دائمًا متيقظون قلبًا وفكرًا وروحًا، متيقظون من نحو أنفسهم ونحو الآخرين "من يعثر وأنا لا ألتهب" (2كو11: 29).

ما أجمل ما نفهمه من هذا الفصل: إنه حتى الأبواب المغلقة لا يتركها الله، وإنما يق وراءها قارعًا، في حب وانتظار.

تأمل من سفر نشيد الأناشيد ...كَمْ رائحة أدهانك أطيب من كل الأطياب! (نش 4: 1) +++ البابا شنودة الثالث


 تأمل من سفر نشيد الأناشيد ...كَمْ رائحة أدهانك أطيب من كل الأطياب! (نش 4: 1) +++ البابا شنودة الثالث

 عبارة الطيب تتكرر كثيرًا في سفر النشيد: فهي في أوله، و في أخره، و خلال إصحاحاته الثمانية:

ففي أوله "رائحة أدهانك الطيبة"، "اسمك طيب مسكوب" (1: 3).
وفي أخره "أهرب يا حبيبي وكن كالظبي.. على جبال الأطياب" (8: 14).
وفي داخله "كم رائحة أدهانك أطيب من كل الأطياب" (4: 10). وأيضًا "حبيبي نزل إلى جنته إلى خمائل الطيب، ليرعى في الجنات" (6: 2) "قطفت مري مع طيبي" (5: 1).

يضاف إلى هذا، ذكر كثير من مركبات الطيب:

وأخصها (المر) وهو عطر سائل، طعمه مرَ، ورائحته زكية جدًا.. مثال ذلك "اذهب إلى جبل المرَ، وإلى تل اللبان" (4: 7) "يداي تقطران مرًا" (5: 5). ومجموعة كبيرة من مركبات الطيب في (نش 4: 14): "ناردين وكركم، قصب الذريرة وقرفة، مع كل عود اللبان. مر وعود، مع كل أنفس الأطياب" (4: 14).

 في العهد القديم:

هذا الطيب يذكرنا بالدهن الذي للمسحة المقدسة في العهد القديم.
هذه المسحة التي كان يتم بها مسح الملوك والكهنة والأنبياء في العهد القديم، فيحل عليهم الروح القدس وبمواهبه.
كما كان يمسح بها بيت الله ومذابحه وكل أوانيه، فتصير مقدسة للرب.. حقا إننا ننظر إلى هذا الدهن المقدس وفاعليته، ونقول لكنيسة العهد القديم "رائحة أدهانك أطيب من كل الأطياب".

  عن هذا الدهن قال الرب لموسى النبي "و أنت تأخذ لك أفخر الأطياب: مرًا قاطرًا.. و قرفة عطرة.. وقصب الذريرة.. وسليخة.. و زيت الزيتون. و تصنعه دهنًا مقدسًا للمسحة. عطر عطارة، صنعة العطار.

دهنًا مقدسًا للمسحة يكون. و تمسح به خيمة الاجتماع، و تابوت الشهادة، و المائدة وكل آنيتها، والمنارة وكل آنيتها، و مذبح البخور، و مذبح المحرقة وكل آنيته، والمرحضة وقاعدتها". "و تقدسها فتكون قدس أقداس. كل ما مسها يكون مقدسًا". "و تمسح هرون وبنيه، و تقدسهم ليكهنوا لي. وتكلم بنى إسرائيل قائلاَ: يكون هذا لي دهنًا مقدسًا للمسحة في أجيالكم" (خر 30: 22 – 31) "مقدس هو، و يكون مقدسًا عندكم" (خر30: 32).

  حقًا، ما أعجب أدهانك أيتها الكنيسة، التي هي قدس أقداس، و كل ما مسها سيكون مقدسًا! إنها "أطيب من كل الأطياب".

 وفعل موسى حسب كل ما أمره الرب، هكذا فعل" (خر 40: 16). "أخذ موسى دهن المسحة، و مسح المسكن وكل ما فيه وقدَسه. و نضح منه على المذبح سبع مرات، ومسح المذبح وجميع آنيته.."، "وصب من دهن المسحة على رأس هارون ومسحه لتقديسه.." (لا 8: 10 – 12).

  إنه دهن، طيب عطر، مقدس، كان الروح القدس يعمل من خلاله، للتقديس..
 ونسمع بعد ذلك أن صموئيل النبي "أخذ قنينة الدهن، و صب على رأس شاول ومسحه" (1 صم10: 1).

فكانت النتيجة"أن الله أعطاه قلبًا آخر " "و حل عليه روح الله فتنبأ"حتى قال الشعب "أشاول أيضًا بين الأنبياء" (1 صم10: 9 – 11). و صار شاول بهذه المسحة ملكًا..
 كذلك مسح صموئيل الفتى داود بهذا الدهن المقدس "فحل روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعدًا" (1صم16: 13)

 حقًا، إن رائحة أطيابك أفخر من كل الأطياب".
 والدهن المقدس في العهد القديم كاب يمسح به الأنبياء أيضًا، كما مسح إيليا أليشع نبيًا عوضًا عنه (1 مل 19: 16).

 في العهد الجديد:

 أول طيب نذكره هو اسم الله، وبه ننال المعمودية.

 يقول سفر النشيد -حسب الترجمة البيروتية- "اسمك دهن مهراق" (نش 1: 3). ولكن أفضل من هذه الترجمة، الترجمة التي نستخدمها في طقسنا القبطي "طيب مسكوب هو أسمك (القدوس)".

 اسم الله هو طيب عطر، نستخدمه في كل صلواتنا. وبهذا الاسم نتعمد. كما قال الرب لتلاميذه القديسين "و عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت 28: 19). كما قال القديس بطرس الرسول لليهود في يوم البندكستي "توبوا، وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا.." (أع 2: 38).

 وهكذا في المعمودية، أخذنا طيب التبرير والميلاد الثاني (تى 3: 5) وغفران الخطايا (أع 2: 38).

 إن اسم الرب الذي دُعي علينا، نأخذ البنوة له في المعمودية. وبه نبدأ كل عمل، وكل صلاة. وباسمه نبدأ كل يوم من أيام حياتنا. ونذكر قول المرتل في المزمور (مز 63: 4، 5).

 "باسمك ارفع يديَّ، فتشبع نفسي كما من شحم ودسم".

 حقًا إن "اسم الرب برج حصين، يركض إليه الصديق ويتمنع" (أم 18: 10). و ما أجمل ما نقوله للرب في التسبحة "اسمك حلو ومبارك: في أفواه قديسيك".

  "الطيب المقدس الذي نأخذه بعد ذلك، هو دهن الميرون المقدس.
 ونلاحظ أنه يشتمل على الأطياب التي وردت في مركبات مسحة العهد القديم في (خر 30) وأيضًا ما ورد في أطياب سفر النشيد (نش 4: 14).

 وبهذا الدهن المقدس ننال التقديس وسكنى الروح القدس فينا.

 نصبح هيكلًا للروح القدس، والروح القدس يسكن فينا (1 كو 3: 16) (1 كو 6: 19). ويعمل فينا روح الله، و ندخل في شركة الروح القدس. ألا يليق بنا، و نحن نرى هذا، أن نقول للكنيسة المقدسة"رائحة أدهانك أفخر من كل الأطياب".

 ذلك لأن الأب الكاهن، فيما يرشم المعمد بهذا الدهن المقدس (زيت الميرون) يقول هذه الصلوات:

 مسحة الروح القدس، آمين.. مسحة عربون ملكوت السموات، آمين.. مسحة مقدسة للمسيح إلهنا، وخاتم لا ينحل، آمين.

 كمال نعمة الروح القدس، ودرع الإيمان والحق آمين.
 وبهذا الدهن المقدس، يقدس كل أطراف المعمد، ومفاصله وفتحات جسمه. ويبدأ الروح يعمل فيه، بقوته، و مواهبه، وإرشاده.
 حقًا: رائحة أدهانك -أيتها الكنيسة- أفخر من كل الأطياب.

 "الطيب الرابع الذي نأخذه من الكنيسة، هو عمل الكهنوت.
 وكان عمل الكهنوت.. في العهد القديم – يبدأ بسكب الطيب المقدس على رأس رئيس الكهنة، كما يقول المزمور".. كالطيب الكائن على الرأس، الذي ينزل على اللحية، لحية هرون النازلة على جيب قميصه" (مز 132 ).

 لاشك أن الكهنوت هو طيب في الكنيسة، ننال به كل نعم الأسرار المقدسة، وننال به الرعاية والعناية.

 ننال به مغفرة الخطايا، حسب قول الرب لتلاميذه "من غفرتم خطاياه، غُفرت له" (يو 20: 23) "ما حللتموه على الأرض يكون محلولًا في السماء" (مت 18: 18). وننال بالكهنوت نعمة العماد (مت 28: 19)، "و الميلاد الثاني، وتجديد الروح القدس" (تى 3: 5). والمسحة التي لنا من القدوس (1 يو 2: 20)، والتناول من جسد الرب ودمه (1 كو 11).

 وبالكهنوت ننال التعليم الصحيح (تى 2: 1)، حيث من فم الكاهن تطلب الشريعة (ملا 2: 7) وهو يفصل كلمة الحق باستقامة (2 تى 2: 15).

 أيتها الكنيسة المقدسة، هذه هي "رائحة أدهانك الطيبة" (نش 1: 3).
 بل من الكهنوت أيضًا، نأخذ البركة في ختام كل اجتماع، بل البركة في كل وقت. كما علّم الرب موسى "هكذا تباركون.. قائلين لهم: يباركك الرب ويحرسك. يضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك. يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلامًا" (عد 6: 23 -26).

 وطيب الكهنوت لا يشمل فقط الأسرار والتعليم والبركة، وإنما يشمل أيضًا العمل الروحي كله.

 ومنه خدمة المصالحة، كما قال القديس بولس الرسول".. وأعطانا خدمة المصالحة.. إذن نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله" (2 كو 5: 18، 20). وفي هذه الخدمة كل ما يتعلق بالرابطة الروحية بين الله والناس. كل ما يتعلق "بتكميل القديسين، وعمل الخدمة، وبنيان جسد المسيح" (أف 4: 11، 12).

 حقًا يا كنيستنا المقدسة، "رائحة أدهانك أطيب من كل الأطياب".
  "طيب آخر تقدمه لنا الكنيسة المقدسة، وهو رائحة المسيح الزكية في حياتنا:

 وهكذا تكون الكنيسة مصدرًا للطيب، لرائحة الحياة الطيبة، كما يقول الرسول "شكرًا لله الذي يقودنا في موكب نصرته.. ويُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان"، "لأننا رائحة المسيح الزكية لله" (2 كو 2: 14، 15). "رائحة حياة لحياة" (2 كو 2: 16).

 رائحة الحياة الطيبة، هي طيب تقدمه الكنيسة إلى العالم.

 وهي -في قداستها وطهرها- "معطرة بالمر واللبان وكل أذرة التاجر" (نش 3: 6) . يرى الناس أعمالها الحسنة، فيمجدون الآب الذي في السموات (مت 5: 16).
 إن أستير الملكة، كانت مثالًا، حينما بدأت حياتها كملكة، بأن وضعوها في العطور والأطياب مدة ستة أشهر (إس 2: 12).

 ورقم ستة في الكتاب المقدس يرمز إلى كمال العمل. كما خلق الله العالم في ستة أيام، وقام بعمل الفداء في اليوم السادس وفي الساعة السادسة..
 وكانت الملكة أيضًا – كما في حياة أستير: توضع أيضًا في زيت المر ستة أشهر. والمر عطر، له رائحته الطيبة وطعمه المر، يرمز إلى طيب الكنيسة في آلامها.

 وعن طيب الحياة، قيل عن الكنيسة في قدسية حياتها:
 "المر والميعة والسليخة من ثيابك" (مز 45).

 يعطينا هذا مثلًا عن ثوب البر الذي ينبغي أن نلبسه أمام الله، والثياب البيضاء التي نظهر بها هنا، وكان يظهر بها كما في ظهوراتهم في قصة القيامة (يو 20: 12). وكما يخدم الآباء الكهنة في الهيكل بثياب بيض..

 ثياب القديسين "غير المدنسة من الجسد" (يه 23) كانت طيبًا أمام الله، وكانت بركة أمام الناس. ونذكر في هذا المجال أنه قيل عن القديس بولس الرسول "كان يؤتى عن جسده بمناديل ومآزر إلى المرضى، فتزول عنهم الأمراض، وتخرج الأرواح الشريرة" (أع 19: 12).

 إنها معطرة روحيًا أمام الله.
  وقد أشاد الله بالعطر ورائحته في كتابه المقدس:

 فقد أمر الرب موسى النبي من جهة البخور الذي يجب إعداده لتقديمه للرب إنه يكون "بخورًا عطرًا صنعة العطار" (خر 30: 25). كما يرمز الطيب إلى الحياة الطيبة.
 إن الكنيسة بالطيب الذي تظهر به في حياتها الطيبة، تبدو كما قيل في سفر الرؤيا "كعروس مزينة لعريسها" (رؤ 21: 2).

 ولعل هذا يذكرنا بقول أبينا إسحق أبى الآباء في مباركة ابنه يعقوب: "رائحة ابني كرائحة حقل باركه الرب" (تك 27: 27). حقًا إن الرب يحب الرائحة العطرة ويريدها:
 والطيب أيضًا يظهر في التقدمات والذبائح التي تقدمها الكنيسة للرب.

 وقد قيل عن أبينا نوح بعد رسو الفلك: إنه "أصعد محرقات على المذبح. فتنسم الرب رائحة الرضا. وقال الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضًا بسبب الإنسان.." (تك 8: 20، 21).

  آخر طيب في حياتنا هو الطيب الخاص بتكفين الإنسان بعد موته:
 إن المرأة التي سكبت على السيد زجاجة طيب من ناردين غالى الثمن، ولامها بعض التلاميذ قائلين "لماذا هذا الإتلاف؟! لأنه يمكن أن يُباع هذا الطيب بكثير ويعطى للفقراء"، فقال لهم الرب "لماذا تزعجون المرأة. فإنها قد عملت بي عملًا حسنًا.. فإنها إذ سكبت هذا الطيب على جسدي، إنما فعلت ذلك لأجل تكفيني" (مت 26: 8-12).

 وحدث هذا فعلًا في تكفين السيد المسيح أن أتى نيقوديموس "وهو حامل مزيج مرّ وعود نحو مئة منّا" فأخذ هو ويوسف الرامي جسد السيد، ولفاه بأكفان مع الأطياب كما لليهود عادة أن يكفنوا" (يو 19: 39، 40). كذلك في فجر الأحد جاء إلى القبر النسوة "حاملات الحنوط الذي أعددنه" (لو24: 1).

 أجساد القديسين الطاهرة التي عاشوا بها على الأرض كانت طيبًا صاعدًا إلى السماء استقبلتها الملائكة قائلين "من هذه الطالعة من البرية، كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان وكل أذرة التاجر" (نش 3: 6).

 أجساد كانت طيبًا يعطر الكنيسة، ولما تنيح أصحابها، صعدت أرواحهم إلى السماء كطيب عطر، و بقينا نضمخ رفاتهم بالطيب.

 المقصود أن الإنسان كما تكون حياته على الأرض طيبًا، فإن الطيب يفوح من جسده أيضًا عند تكفينه ودفنه.

 وهكذا نفعل مع رفات القديسين، إذ يضمخ الرفات بالأطياب والحنوط حتى تصبح رائحة رفات القديس عطرة باستمرار.

تامل من لوقا 1 ... البشارة لزكريَّا بميلاد يوحنا +++ القمص تادرس يعقوب


تامل من لوقا 1 ... البشارة لزكريَّا بميلاد يوحنا +++ القمص تادرس يعقوب

 البشارة لزكريَّا بميلاد يوحنا

 جاء السيِّد المسيح مخلِّصا للعالم، يهبه شبعًا داخليًا وفرحًا سماويًا، لذلك ففي الإعداد لمجيئه تمتَّعت أليصابات العاقر بإنجاب "يوحنا" الذي يعني "الله يتحنَّن أو يُنعم"، وانفتح لسان زكريَّا الصامت بالتسبيح. فإنَّ كانت أليصابات كامرأة تشير إلى الجسد، فبحنان الله ونعمته نُزع عن الجسد عاره، وتمتَّع بثمر روحي عجيب، بينما زكريَّا يمثِّل النفس وقد انطلقت في الداخل بروح التسبيح والفرح عوض الصمت القائم على العجز.

 يحدّثنا القدّيس لوقا عن قصّة البشارة لزكريَّا بميلاد يوحنا بلغة العابد المتخشِّع، فيقول:

"كان في أيام هيرودس ملك اليهوديّة كاهن اسمه زكريَّا من فرقة أبيَّا، وامرأته من بنات هرون واسمها أليصابات. وكانا كلاهما باريْن أمام الله، سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم. ولم يكن لهما ولد، إذ كانت أليصابات عاقرًا، وكان كلاهما متقدَّميْن في أيَّامهما".

 ويلاحظ في عرضه للقصّة الآتي:

 ا. إذ كان القدّيس لوقا رجلًا علميًا كطبيبٍ، حدَّد بدقة تاريخ الحدَّث، أنه في أيام هيرودس الكبير ملك اليهوديّة، الابن الثاني لأنتيباس، الأدومي الأصل. تزوَّج عشر نساء، قتلا إثنتين منهنَّ، وكان له أبناء كثيرون، أعدم أحدهم. وقتل أطفال بيت لحم، وفي فراش الموت طالب بقتل شرفاء القدس حتى لا يجد أحد مجالًا للبهجة بعد موته، لكنه مات قبل تحقيق أمنيَّته.

 على أن الأحوال وسط هذا الجو القاتم سياسيًا ودينيًا، إذ توقَّفت النبوَّة أكثر من ثلاثة قرون، وعاش الكل في جوٍ من الفساد، ظهر إنسانان بارَّان أمام الله، هما "زكريَّا" ويعني "الله يذكر"، و"أليصابات" وهي الصيغة اليُّونانيّة للكلمة العبريّة "اليشبع" وتعني "الله يُقْسِم" أو "يمين الله". أنجب الاثنان "يوحنا" أي "الله حنَّان" أو "الله يُنعم". وكأنه وسط فساد هذا العالم، إذ نذكر الله ونلتحم بقسمه ومواعيده الصادقة ننعم بحنانه ونعمته الإلهيّة عاملة فينا.

 يعلِّق القديس أمبروسيوس على التعبير: "كانا كلاهما بارَّيْن أمام الله، سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم" بقوله: عبارة "بارّيْن أمام الله" لها مغزاها، فالأبرار أمام الناس ليسوا بالضرورة أبرارًا أمام الله. نظرة الإنسان تختلف عن نظرة الله، "لأن الإنسان ينظر إلى العينين، وأما الرب فينظر إلى القلب" (1 صم16: 7).

فقد يبدو لي أن إنسانًا ما يستحق أن يُدعى بارًا، لكنه عند الرب ليس هكذا، لأن الدافع لقداسته هو التملُّق لا القلب البسيط. إذن فالإنسان لا يقدر أن يميِّز الخفيَّات، والمكافأة الكاملة هي أن نُحسب أبرارًا أمام الله، وكما يقول الرسول: "الذي مدحه ليس من الناس بل من الله" (رو2: 29). مطوّب بحق ذاك الذي يتبرَّر أمام الله! مطوّب بحق ذاك الذي يتأهَّل أن يسمع الرب يقول عنه: "هوذا إسرائيلي حقًا لا غشَّ فيه" (يو 1: 47). فالإسرائيلي الحقيقي هو الذي يرى الله ويُدرك أن الله يراه، كاشفًا خبايا قلبه.

 يوضَّح العلامة أوريجينوس معنى تعبير "بارّيْن أمام الله" بقوله: قد لا يجد إنسان ما يشتكي به عليَّ بعد فحصه إيّاي، فإني بار أمام الناس... ولكن حكم الناس غير صحيح، فهم يجهلون إني يومًا ما أخطأت في الخفاء في داخل قلبي، ويجهلون إن كنت قد نظرت إلى امرأة واشتهيَّتها وعشت في زنا القلب. قد يراني الناس أتصدّق بحسب إمكانيَّاتي لكنهم يجهلون إن كنت أفعل ذلك لأجل وصيّة الله أم لطلب مديح الناس... طوبى للإنسان البار أمام الله، والذي مدْحه من الله، فالإنسان عاجز لا يقدر أن يحكم بعدل ووضوح. قد يمجِّد الناس من لا يستحق التمجيد، ويدينون من لا يستحق الإدانة. الله وحده عادل في المدح والإدانة.

 ويعلِّق العلامة أوريجينوس أيضًا على تعبير "بلا لوم" قائلًا: قيل عن الكنيسة بأنها "مجيدة لا دنس فيها ولا غضَن" (أف7: 25). ليس معنى هذا أن ابن الكنيسة لم يُخطئ قط، إنما يعيش في حياة التوبة. تعبير "بلا غضَن" يعني بغضه للإنسان العتيق وكفِّه عن الخطيّة، لذلك يكمِّل العبارة "لتكون مقدَّسة بلا عيب"، فقد ورثت النفس الخطيّة، لكنها تصير طاهرة بلا لوم إن زال عنها وسخ الخطيّة .

هذا ويُعلن الإنجيل برِّهما أمام الله وأنهما بلا لوم بالسلوك العملي في جميع وصايا الرب وأحكامه، وكأن البرّ الخفي يرتبط بطاعة الوصيّة وقبول أحكام الله؛ هذا هو طريق برّنا بالروح القدس الذي يهبنا في استحقاقات الدم أن ندخل إلى الوصيّة ونعيشها بالطاعة في فرح، ونتفهّم أحكام الله وتدابيره فنحمل روح التمييز فينا.

 إذ عالج القديس أغسطينوس موضوع "البرّ في المسيح" حدَّثنا عن برّ زكريَّا وأليصابات معلنًا أن رجال العهد القديم حُسبوا أبرارًا أيضًا في المسيح، خلال رجائهم في المسيَّا المنتظر الذي يقدَّم حياته مبذولة ثمنًا لبرّنا. ففي حديثه عن "الطبيعة والنعمة" يورد كلمات القديس أمبروسيوس، قائلًا: بلا شك عاش رجال العهد القديم بمثل هذا الإيمان في المسيح حتى قبل موته (على الصليب). فالمسيح وحده يرسل الروح القدس المعطَى لنا، خلاله تنسكب المحبَّة في قلوبنا، وبها وحدها يُحسب الأبرار أبرارًا .وفي موضع آخر يؤكِّد القديس أغسطينوس أن برّ زكريَّا قائم على عمل السيِّد المسيح الذبيحي خلال ممَّارسته الكهنوتيّة وتقديمه الذبائح الحيوانيّة كرمز لذبيحة المسيح، قائلًا: اِعتاد زكريَّا بلا شك أن يقدَّم ذبائح عن خطاياه .

 إن كان زكريَّا يُحسب بارًا، لكن هذا لا يعني أنه لم يصنع خطيّة، فقد كرّر القديس أغسطينوس في مواضع كثيرة قول القديس أمبروسيوس: ليس أحد في العالم بلا خطيّة.

ب. كان "زكريَّا من فرقة أبيَّا"، كلمة "أبيَّا" تعني "أبي هو يهو". هذه الفرقة من نسل أليعازر الكاهن، تعتبر الثامنة من الأربعة والعشرين فرقة التي قُسِّمت إليها طائفة الكهنة منذ وقت داود، كل فرقة تقوم بالعمل أسبوعًا كل ستة أشهر حسب قرعتها. وكانوا يلقون قرعة أيضًا ليعرفوا من يقع عليه اختيار الله للقيام بخدمة البخور من وسط الفرقة، وكان اليهود عادة يقدَّمون البخور صباحًا ومساءً فقط.

يرى القديس أمبروسيوس أن زكريَّا وقد "أصابته القرعة أن يدخل الهيكل ويبخِّر"  إنما يشير إلى السيِّد المسيح بكونه رئيس الكهنة الذي وحده يدخل إلى الأقداس السماويّة، يكْهِن لحسابنا ويشفع فينا بدمه، وأن إصابة القرعة تشير إلى إرساليته التي لم تكن من الناس بل من قِبل الآب.

 ج. يعلِّق العلامة أوريجينوس على تعبير الإنجيلي: "فظهر له ملاك الرب واقفًا عن يمين مذبح البخور"  بقوله أن الإنسان إذ له جسد كثيف لا يقدر أن يُعاين الكائنات الروحيّة والإلهيّة، ولا أن يشعر بها ما لم تظهر له. كأن ظهورات الله وملائكته تتوقَّف علي إرادة الله ورغبته أن نرى، فالله حاضر معنا، وأيضًا ملائكته ومع ذلك لا نراهم. ‎فمن كلماته:

ظهر الرب لإبراهيم ولأنبياء آخرين حسب نعمة الله، فليست عين إبراهيم الروحيّة (الداخليّة) هي علَّة الرؤيا للرب، إنما نعمة الله هي التي وهبت له ذلك.

يمكن أن يوجد ملاك بجوارنا الآن ونحن نتكلَّم، لكننا لا نستطيع أن نعاينه بسبب عدم استحقاقنا. قد تبذل العين المجرّدة أو الداخليَّة مجهودًا لتبلغ هذه الرؤيا، لكن إن لم يُظهِر الملاك نفسه لنا لا يقدر أن يراه المشتاقون إلى رؤيَّته.

هذه الحقيقة لا تخص رؤيتنا لله في هذا الزمان الحاضر فحسب، وإنما حتى حينما نترك هذا العالم، لا يظهر الله وملائكته لجميع الناس بعد الانتقال مباشرة... إنما تُمنح هذه الهبة لمن له القلب النقي الذي تأهَّل لرؤيّة الله. أما صاحب القلبالمثقل بالأوحال، فقد يوجد مع صاحب القلب النقي في مكان واحد، لكن يعاين صاحب القلب النقي الله، وأما صاحب القلب غير النقي فلا يري ما يشاهده الآخر.

اِعتقد أن هذا حدث بالنسبة للسيِّد المسيح حين كان بالجسد علي الأرض، فإنَّه ليس كل من نظره عاين الله... فبيلاطس رأي يسوع وهيرودس الوالي رآه ومع ذلك لم ينظراه كما هوإذ لم يستحقَّا ذلك.

وجاء تفسير القديس أمبروسيوس يحمل ذات الفكرتين أن الله وملائكته يظهرون حينما يريد الله كعطيّة إلهيّة، وأن القلب النقي يعاين الله... فمن كلماته:

إننا نرى الرب عندما يريد ذلك، لكننا لا نستطيع أن نراه بطبيعته كما هو... ظهر لإبراهيم لأنه أراد ذلك. لكن إن لم يردّ الإنسان فلا يظهر له الرب. رأى القدّيس إسطفانوس السماوات مفتوحة وابن الإنسان قائمًا عن يمين الله، بينما كان الشعب يرجمه (أع7: 9)، ولم ينظر الشعب الله. أيضًا أبصر إشعياء السيِّد رب الجنود (إش 6: 1)، لكن أحدًا غيره لم يستطع أن ينظره.

ما الذي يدهشنا إن كان لا يرى أحد الله في هذا العالم إذ هو غير منظور، فلا يُرى ما لم يكشف هو عن ذاته؟ إنما في القيامة لا يراه غير أنقياء القلب، لأنه "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت5: 8). لقد طوَّب الرب الكثيرين، لكنه لم يعد بمعاينة الله إلا لأنقياء القلب.

لا نعاين الله في مكان ما بل في القلب النقي، لا تبحث عن الله بالعين الجسديّة... بل من يستطيع أن يدرك ما هو العرض والطول والعمق والعلو، ويعرف محبَّة المسيح الفائقة المعرفة (أف4: 20)، فبرأفة الله علينا ورحمته يبلغ بنا إلى ملء قامة المسيح حتى نستطيع أن نعاينه.

 لكن ما يجب تأكيده أن الله وهو غير منظور يود أن يُعلن ذاته ويشتاق أن نراه، هذه عطيَّته المجانيّة يقدَّمها للقلب النقي؛ فهو يعمل فينا بلا انقطاع بروحه القدِّوس لكي تتنقّى قلوبنا فيه، وترتفع لمشاهدته، والتمتَّع بأحضانه الأبويّة، وشركة الأمجاد السماويّة.

د. ظهر ملاك الرب عن يمين مذبح البخور، أي ما بين المذبح الذهبي (الصلاة) ومائدة خبز الوجوه (سّر الإفخارستيا). وكأن من يريد أن يلتقي مع القوات السمائيّة يلزمه أن يبسط يديه بالصلاة، فيقدَّم ذبيحة حب وبخور طيب قدام الله، وأن يدخل إلى مائدة الرب، يلتقي برب السمائيِّين ويحمله في داخله.

فمن جهة الصلاة يقول القدّيس أوغريس: اِعلم أن الملائكة القدّيسين يدفعوننا إلى الصلاة، ويقفون إذ ذاك إلى جانبنا فرحين مصلِّين من أجلنا، فإذا تكاسلنا متقبِّلين أفكارًا غريبة نغيظهم كثيرًا، لأننا بينما هم يحاربون عنَّا بهذه القوّة، لا نريد نحن حتى التضرع إلى الله من أجل أنفسنا، بل نعرض عن خدماتهم، ونبتعد عن الرب إلههم لنذهب إلى الشيَّاطين الأدناس .

أما بخصوص الاقتراب من المائدة المقدَّسة، فيتحدَّث عنه القديس يوحنا الذهبي الفم قائلًا: كأن الإنسان قد أُخذ إلى السماء عينها، يقف بجوار عرش المجد، يطير مع السيرافيم، يترنَّم بالتسبحة المقدَّسة.

ه. "فلما رآه زكريَّا اضطرب، ووقع عليه خوف، فقال له الملاك: لا تخف يا زكريَّا..." . إن كانت رؤيّة السمائيِّين تجعل القلب مضطربًا لأنه ينظر أمرًا غريبًا، لكنه لا يبقى في اضطرابه، بل يجد السماء عينها تهتم به وتناديه باسمه، وتهتم به شخصيًا، وتشبعه بالسلام الداخلي مع عطايا وخيرات إلهيّة فائقة.

 يقدَّم لنا القديس أنطونيوس الكبير تمييزًا بين الرُؤى السماويّة والمناظر المخادعة، فالأولي حتى إن بدأت بخوف أو اضطراب لأن الإنسان لم يعتد رؤيَّتها لكنها تبعث سلامًا حقيقيًا في النفس، أما الأخرى فتفقد النفس سلامها؛ الأولي تلهب القلب بالسمائيَّات أما الثانية فتشعل الذهن وتربكه بالزمنيَّات، إذ يقول: [ظهور هذه الأرواح (الملائكة) هادئ وصامت يخلق فرحًا في النفس وشجاعة، لأن الرب فرحنا.

الأفكار التي تخلقها هذه الظهورات تجعل النفس غير متزعزعة حتى تُنيرها بهذا الفرح، فتعرف ما هي الأرواح التي تظهر لها، إذ أن الشوق الإلهي وشوق الخيرات العتيدة يدخلان النفس ويتَّحدان بها. إن كان يوجد من يخاف من ظهور الأرواح الشرِّيرة فهذه الأرواح (الصالحة) تطرح عنهم الخوف جانبًا بالمحبَّة التي تظهرها كما فعل جبرائيل مع زكريَّا (لو1: 3)، وكما فعل الملاك الذي ظهر للنسوة عند قبر الرب (مت28: 5)، وعندما ظهر للرعاة قال لهم: لا تخافوا (لو2: 10).

إن خوف هؤلاء لم يكن نتيجة الخوف بل نتيجة اليقين بظهور الملائكة الصالحين؛ هذا هو ظهور الملائكة القدّيسين. كما يقول:إذا ما رأينا أرواحًا وأثارت اضطرابًا وضربات خارجيّة وتخيُّلات دنيويّة وتهديدًا بالموت وكل ما ذكرناه، فلنعرف أن هذا هو هجوم أرواح شرِّيرة.

 و. لعل زكريَّا قد نسيَ طلبته من الله أو فقد الرجاء في الإنجاب، لكن اسمه "زكريَّا"يعني "الله يذكُر"، فقد ذكر الله له ولامرأته طلباتهما ووهبهما لا من يُفرح قلبيهما وحدهما، وإنما من يُبهج قلوب الكثيرين. إنه يعطي ما طلبناه بالرغم من نسياننا، ويعطينا أكثر ممَّا نسأل وفوق ما نطلب، يعطي مؤكِّدًا عطيَّته، فقد عيَّن له اسمه.

أما من جهة "يوحنا" كعطيّة الله لزكريَّا وأليصابات، فقد أعلن الملاك الآتي:

 أولًا: سّر فرح للكثيرين: "ويكون لك فرح وابتهاج، وكثيرين سيفرحون بولادته" . قلنا أن إنجيل لوقا البشير هو "إنجيل الفرح"، فقد أرسل الله يوحنا السابق لينادي بالتوبة مهيِّئًا الطريق للرب في قلوب الكثيرين، فيفرح السمائيُّون كما يفرح المؤمنون. غاية الله أن يردّنا إلى فرحه الأبدي، ونُوجد في سلامٍ سماويٍ لا يشوبه ضيق أو مرارة، وها هو يُعد لهذا الفرح حتى بالبشارة بميلاد السابق له.

في دراستنا لسفر اللاويِّين (ص 12) رأينا في شريعة المرأة التي تلد كيف تبدأ فترة الميلاد للطفل بفترة تُحسب فيها الوالدة كمن في نجاسة، إذ التصقت الخطيّة بنا حتى في ميلادنا وموتنا، والآن إذ بدأ يُشرق شمس البرّ علي البشريّة ويصالحها مع السمائيِّين تحوّلت حياتنا فيه إلى فرح، وصار الميلاد مُفرحًا، وكما يقول القديس أمبروسيوس: يوجد فرح خاص في بداية الحمل بالقدّيسين وعند ميلادهم، فالقدّيس لا يُفرِّح عائلته فحسب، وإنما يكون سببًا في خلاص الكثيرين. إن هذه العبارة تعلَّمنا أن نتهلَّل بميلاد القدّيسين.

أقول ليتنا نحن أيضًا إن كنا قد عشنا زمانًا هذا مقداره بنفسٍ عاقرةٍ وجسدٍ بلا ثمر روحي، فلنتقبَّل وعود الله السمائيّة، ونحمل حنان الله ونعمته أي "يوحنا"في داخلنا، فنبتهج ونتهلَّل بالله، ويفرح معنا كثيرون بل والسماء عينها تشترك معنا في فرحنا (لو15: 7).

لتكن حياتنا مثمرة في الرب فتبهج الكثيرين، ولا تكن عقيمة أو ثمرها قاتل أو مميت. يقول الأب تادرس: الحياة والموت ليسا في ذاتهما صالحين أو شرِّيرين، ويؤكِّد هذا ميلاد يوحنا ويَّهوذا. أحدهما كانت حياته نافعة ويظهر ذلك ممَّا قيل عنه:"وكثيرون سيفرحون بولادته"(لو1: 14). والآخر قيل عنه: "كان خيرًا لذلك الرجل لم يولد" (مت26: 24).

 ثانيًا: "لأنه يكون عظيمًا أمام الرب". لم يكن بعد قد وُلد يوحنا، ولا حبلت به في أحشائها،يدعوه الملاك "عظيمًا أمام الرب". فالعظمة لابكثرة الأيام والسنين، ولابقوّة الجسد والأعمال الظاهرة، إنما بالحياة الداخليّة القويّة.

كان العالم في ذلك الحين يحتقر الأطفال بوجه عام ولايقدَّم لهم حقًا إنسانية. لكن إنجيل السيِّد المسيح يكشف عن صداقته للأطفال، فيتطلَّع إليهم كعظماء في عينه،الأمر الذي أكده السيِّد المسيح فيما بعد لتلاميذه حين قدَّم لهم طفًلا ليمتثلوا به من أجل بلوغ العظمة السماويَّة (مت 18: 2-3؛ لو 18: 15).

لنكن أطفالًا في الشرِّ فنحسب عُظماء وناضجين في الرب، لكن لا نسلك في ضعف الطفولة غيرالناضجة، وإلا حُسبنا مُستعبَّدين تحت أركان العالم (غلا 4: 3)، وكما يقول القديس أمبروسيوس: الإنسان الناضج (روحيًا) وحده يتخطَّى أركان هذا العالم. لنكن ناضجين روحيًا في الرب فلا نحتقر الصغار كقول الرب:"اُنظروا لاتحتقروا أحد هؤلاء الأصاغر"(مت18: 10).

يحدّثنا القديس أمبروسيوس في تفسيره لإنجيل لوقا عن عظمة يوحنا المعمدان قائلًا: حياتنا لا تُقيَّم حسب الزمن وإنما حسب درجات الفضيلة... فقد دُعي يوحنا عظيمًا لابسبب قوَّته الجسديّة بل الروحيّة، فإنَّه لم يقهر إمبراطوريَّات ولا وضع في برنامجه أن تكون له غنائم ونصرات، بل تطلَّع إلى ما هو أفضَّل جدًا،إذ كان الصوت الصارخ في البريّة الذي صرع الملذَات الجسديّة وتراخي الجسد بسمو روحه وقوَّتها. كان صغيرًا في الأمور العالميّة، عظيمًا في الروحيات. أخيرًا فإنَّ سر عظمته هو عدم سيطرة حب هذه الحياة الزمنيّة عليه الأمر الذي لم يعقه عن إدانة الخطيّة.

 ثالثًا: "ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس". بعد أن حدَّد اسمه وأعلن فاعليته كمُفرِّح للقلوب أوضح إمكانيَّاته، فمن الجانب السلبي "خمرًا ومسكرًا لا يشرب"، كنذير للرب لا يكون لملذَات العالم أو بهجته موضع في قلبه أو في جسده، أما من الجانب الإيجابي فإنَّه لا يعيش محرومًا بل يمتلئ من الروح القدس من بطن أمه. يُحرم من الخمر المادي المسكر ويرتوي بالخمر السماوي المفرح!

 يقول العلامة أوريجينوس:جاء رئيس ملائكة يعلن عن ميلاد يوحنا الذي يمتلئ من الروح القدس من بطن أمه...، ففي بطن أمه تهلَّل يوحنا من الفرح، ولم يستطع أن يتوقَّف عندما جاءت أم يسوع، بل كان يحاول أن يخرج من بطن أمه..."هوذا حين صار صوت سلامك في أذني اِرتكض الجنين بابتهاج في بطني".

ويقول القديس أمبروسيوس: كان يفتقر لروح الحياة (كجنين) ونال روح النعمة، فإنَّ حقيقة الحياة تسبقها النعمة للتقديس، إذ يقول الرب: "قبلما صوَّرتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدَّستك، جعلتك نبيًا للشعوب"(إر 1: 5). شتَان بين روح العالم وروح النعمة،فالأولى تبدأ بالميلاد وتنتهي بالموت، أما الثانية فلا يحدّها الزمن ولا السنين، ولا يطفئ الموت شعلتها، ولا يغلق عليها رحم الأمومة... إن من يمتلك روح النعمة لا يعود يفتقر إلى شيء، ومن نال الروح القدس بلغ قمة الفضائل.

 رابعًا: "ويردّ كثيرون من بني إسرائيل إلى الرب إلههم". هنا يؤكِّد رسالته وهي ردْ الكثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم بتمهيد الطريق بالتوبة لقبول السيِّد المسيح مخلِّص العالم. يرى العلامة أوريجينوس أن العالم في حاجة مستمرَّة إلى عمل يوحنا الذي يسمِّيه "سرّ يوحنا" ليدخل بكل نفس إلى الثبوت في المسيح، إذ يقول: اِعتقد من جانبي أن سّر يوحنا لا يزال يتحقّق إلى يومنا هذا، فيستطيع الإنسان أن يؤمن بيسوع المسيح إن كان له روح يوحنا وقوَّته في نفسه، هذا لكي يعد شعبًا كاملًا لربِّنا، وإن كان له الخشونة ويسلك الطريق الضيق... إلى اليوم روح يوحنا وقوَّته يسبقان مجيء الرب يسوع .

 خامسًا: "ويتقدَّم أمامه بروح إيليَّا وقوَّته" . يعلِّق العلامة أوريجينوس على هذه العبارة هكذا: لم يقل بنفس إيليَّا بل "بروح إيليَّا وقوَّته"، فكان لإيليَّا روح وقوّة كسائر الأنبياء... الروح الذي سكن في إيليَّا سكن يوحنا، والقوّة التي في إيليَّا كانت في يوحنا .

ويقدَّم لنا القديس أمبروسيوس مقارنة لطيفة بين إيليَّا ويوحنا المعمدان، جاء فيها:

عاش إيليَّا في البريّة وكذا يوحنا،

وكانت الغربان تعول الأول أما الثاني ففي طريق البريّة قد داس كل إغراءات الملاهي، وأحبَّ الفقر مبغضًا الترف. الواحد لم يسَعََ لكسب رضاء آخاب الملك، والثاني اِحتقر رضا هيرودس الملك.

رداء الأول مزَّق مياه الأردن، بينما الثاني جعل من هذه المياه مغسلًا يهب خلاصًا.

الأول ظهر مع الرب في المجد (عند التجلِّي)، والثاني يحيا مع الرب في الأرض.

واحد يسبق مجيء الرب الأول والآخر يسبق مجيئه الثاني.

الأول أنزل الأمطار على الأرض بعد أن جفَّت ثلاث سنوات والثاني غسل تراب أجسادنا في مياه الإيمان خلال ثلاث سنوات (سنة عهد الآباء وسنة عهد موسى والأنبياء؛ ثم سنة مجيء الرب إلهنا ومخلِّصنا).

إن سّر القوّة في القدّيس يوحنا أنه حمل روح إيليَّا، لا بمعنى روحه كشخص، إنما روح القوّة التي وُهبت له من قِبل الله، أو الإمكانيَّات التي قُدَّمت له، لهذا يقول القديس أغسطينوس: يقصد بروح إيليَّا الروح القدس الذي تقبله إيليَّا .

عظة الأربعاء عن الشيطان بتاريخ 6 أكتوبر 2010 بالقاهرة +++ البابا شنودة الثالث


عظة الأربعاء عن الشيطان بتاريخ 6 أكتوبر 2010 بالقاهرة  +++ البابا شنودة الثالث

الشيطان
† نحن نصلي كثيرًا قائلين "نجنا من حيل المضاد" والمضاد هو الشيطان وأريد أن أعرفكم بعض الشيء عن الشيطان إن كنتم لا تعرفوه.

من هو الشيطان؟

† الشيطان هو روح، فقد كان في الأصل ملاكًا من درجة "الكروبيم" كما يظهر ذلك في "حزقيال 28" حيث يقول له "أَنْتَ الْكَرُوبُ الْمُنْبَسِطُ الْمُظَلِّلُ"، "أَيُّهَا الْكَرُوبُ الْمُظَلِّلُ" (سفر حزقيال 28: 14، 16). كان الشيطان ملاك ولكنه سقط في الكبرياء ففي "أشعياء 14" نجده يقول: "أصعد إلى السماء فوق كواكب الله وأصير مثل العلي"، ونص الآية هو: "وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ، وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشَّمَالِ. أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (سفر إشعياء 14: 13، 14) والعلي هو الله، ولذلك سقط.

† وعندما سقط الشيطان أسقط معه كثيرين جدًا من بعض طبقات الملائكة الذين نقول عليهم "الرؤساء والسلاطين والقوات والكراسي"، لكني لم أسمع أنه أسقط أحدًا من طبقة السيرافيم المتخصصة في التسبحة. ولا من طبقة العروش.

† والشيطان له أعوان كثيرون، سواء من الملائكة الذين سقطوا أو من البشر المطيعين له. فهو يعطيهم تعليماته وهم يطيعونه.

الشيطان دفع العالم القديم إلى عبادة الأصنام:
† عمل الشيطان في القديم كان واضحًا، حيث استطاع أن يلقي غالبية العالم في عبادة الأصنام. ومر وقت لم يكن فيه أحد يعبد الله إلا شعب الله. وحتى هذا الشعب أسقطه أيضًا في عبادة العجل الذهبي عندما كان موسى على الجبل، ولم يتبقى في هذا الوقت إلا ثلاثة يعبدون الله هم: موسى النبي - ويشوع بن نون - وكالب بن يفنة، فقط. والباقين جميعًا يعبدون الأصنام.

† الله قيد الشيطان 1000 سنة (1000 سنة هنا تعني مدة محددة). بعد هذا خرج أيضًا ليضل الأمم. وأريد أن أحدثكم عن صفات الشيطان؟ وما هو عمله؟

عمل الشيطان:

† عمل الشيطان هو الوقوف ضد ملكوت الله على الأرض فهو يحاول أن يضل الناس. لقد أضل أبوينا الأولين آدم وحواء، وأضل الناس في الشر إلى الدرجة التي جعلت الله يعاقب البشرية بالطوفان. وأضل أهل سدوم بالشذوذ الجنسي إلى الدرجة التي جعلت الله يعاقبهم بحرقها. وظل الشيطان ينشر الشر في كل مكان. فعندما سأله الله في قصة أيوب: "من أين أتيت؟" رد قائلًا: "من الجولان في الأرض والتمشي فيها"، ونص الآية هو: "الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «مِنَ أَيْنَ جِئْتَ؟». فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا»" (سفر أيوب 1: 7؛ 2: 2). أي أنه يتجول في الأرض ليلتقط صيدًا "كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ" (رسالة بطرس الرسول الأولى 5: 8).

حسد الشياطين:

† الشيطان هو العدو الأول للبشرية. وهو دائم العمل بنشاط شديد. وهناك ما يسمى "حسد الشياطين" فالشيطان إذا وجد إنسانًا بارًا يحسده على بره ويحاول أن يسقطه في الخطيئة بأي طريقة.

فمثلًا إذا وجد الشيطان شابًا عفيفًا يوجِد في طريقه فتاة قد تكون سببًا في إسقاطه في الخطيئة. وأيضًا إذا وجد فتاة عفيفة يرسل لها شابًا قد يكون سببًا في ضياعها.  وإذا وجد إنسان عابد لله يحاول بشتى الطرق أن يعطله عن عبادته. فالشيطان يجول يصنع شرًا وهذا ما نسميه "حسد الشياطين".  وسأعطيكم أمثلة من الكتاب المقدس على حسد الشيطان:

الشيطان حسد أيوب الصديق:

† قال الله عن أيوب: "أنه كامل ومستقيم يفعل الخير ويبعد عن الشر وليس مثله". وقد حسد الشيطان أيوب على بره فأراد أن يجربه.

الشيطان حسد يوسف الصديق:

† يوسف الصديق كان إنسانًا بارًا وكان الله معه وامتلأ بيت فوطيفار خيرًا بسببه. فكانت النتيجة أن الشيطان دخل في امرأة فوطيفار فرفعت عينيها إلى يوسف وكانت سببًا في متاعب كثيرة له، ولكن يوسف تمسك بطهارته وساندته النعمة.

الشيطان حسد داود النبي:

داود كان إنسانًا ناجحًا وهو الذي قتل جليات الجبار مما أثار عليه حسد الشيطان وأثار عليه النساءات الطيبات الذين قالوا "قتل شاول ألوفه وداود ربواته" فتسببوا في غيرة شاول الذي ظل يطارد داود ليتخلص منه. وهنا أود أن أقول لكم أن أحيانًا المحبة تؤذي. فهؤلاء النساء اللاتي أحببن داود مدحوه بطريقة أثارت غيرة شاول فأراد التخلص منه.

† دائمًا أقول للنساء: "اخلطوا عواطفكم بالعقل".  فقد تتسبب عدم الحكمة في إظهار العواطف إلى إثارة الكثير من المشاكل.  وأحيانًا يؤدي إعلان المرأة عواطفها تجاه رجل إلى إيذاء هذا الرجل.

صفات الشيطان:-

الشيطان متنوع في أساليبه:

† الشيطان أساليبه كثيرة لا تحصى.  قد يلقي الإنسان في ضيق أو في مرض أو في شهوة أو في إغراء أو في انحراف فكري أو في هرطقة. فكما قال بولس الرسول: "صرت لكل أحد كل شيء لكي أخلص على كل حال قومًا"، ونص الآية هو: "صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا" (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 9: 22) يقول الشيطان: "صرت لكل أحد كل شيء لكي أهلك على كل حال قومًا". فهذه وظيفته..

الشيطان لا ييأس أبدًا:

† والشيطان لا ييأس أبدًا. وهذه فضيلة يتميز بها الشيطان. ففي قصص الآباء قيل أنه ظل يحارب راهب متعبد لمدة 50 سنة حتى أسقطه. ظل يحاربه خمسين سنة دون أن ييأس.

† فالشيطان يسير بمبدأ: "الذي لا يسقط اليوم يسقط غدًا" و"الذي لا يأتي إليَّ اليوم يأتي إليَّ غدًا" فهو لا ييأس أبدًا.

الشيطان يحارب الجميع حتى الأقوياء روحيًا:

† قيل عن عمله في الكتاب المقدس: "أن الخطيئة طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء" فالشيطان يحب أن يسقط هؤلاء الأقوياء. يحب أن يجعلهم لعبته. ويفرح بسقوطهم. ولا ييأس من محاربتهم.

أسقط آريوس:

†كان آريوس واعظًا مشهورًا، بل كان من أشهر وعاظ الإسكندرية. أسقطه الشيطان في هرطقة وجعله سببًا لكثير من المشاكل.

أسقط يهوذا:

† يهوذا كان أحد التلاميذ الاثنى عشر الذين تبعوا المسيح. وقد استأمنه السيد المسيح على الصندوق وكان يجلس بجوار السيد المسيح في الفصح، ويقول الكتاب أن يهوذا عندما أخذ لقمة من الصحفة دخله الشيطان وخرج من تلك الليلة.   

الشيطان يعمل بحكمة وذكاء ودهاء:

† الشيطان يوصف بالحكمة والذكاء. ليست كل حكمة طاهرة نقية فحكمة الشيطان حكمة شريرة (حكمة في الشر). وقد قيل عن الحية القديمة التي ترمز للشيطان في قصة آدم وحواء "كانت أحيل حيوانات البرية". أكثرهم حيلة ومكر. فالشيطان يقترب من الإنسان ويرقبه ويحاربه بالطريقة التي تناسبه والتي يستطيع بها إسقاطه. فالذي يحب العظمة يسقطه بالعظمة. والذي يحب المال يسقطه بالمال. والذي يحب الشهوات الجسدية يسقطه بالشهوات الجسدية. يحارب كل إنسان بالطريقة التي تنجح في إسقاطه.

† كذلك الشيطان يختار الوقت المناسب لمحاربة الإنسان. فإذا وجد إنسان قويًا في روحياته ومحترس من الخطيئة يتركه وينتهز أي فرصة يكون فيها هذا الإنسان ضعيف أو بعيد عن الله فيهاجمه.

† يعمل الشيطان بدهاء في الوقت المناسب ومع الشخص المناسب ويرسل له المناسب من أعوانه. والشيطان له أعوان كثيرين وقد تكلمت في هذا الموضوع قبل ذلك في كتاب كان يتكلم عن ترقية شيطان في مدرسة الشياطين.

الشيطان نهاز للفرص ولديه خبرة في إسقاط البشر:

† الشيطان يقال عنه أنه نهاز للفرص وإذا وجد فرصة فهو يتمسك بها. وعنده خبرة كبيرة في إسقاط البشر في الخطيئة فلا أعرف في كل الذين قرأت عنهم في جميع الكتب من لديه خبرة مثل الشيطان.

† الشيطان لديه خبرة 7000 سنة في مقاتلة البشر من أول آدم وحواء إلى يومنا هذا. مرت عليه عقليات كثيرة. ونفسيات كثيرة وظروف كثيرة وأنواع أقوياء وأنواع ضعفاء وأنواع نشطين وأنواع كسالى وهو يتعامل مع الكل وعنده خبرة هائلة .

فإذا أراد الشيطان أن يشكك إنسان في الإيمان فلديه أفكار الشكوك من أول الفلاسفة القدماء إلى يومنا هذا. من الذي لديه علم وخبرة مثل الشيطان؟!

الشيطان له قوة الملاك:

† إذا أردت أن تقاومه يقول لك: "كان غيرك أشطر" كم حاربت أكبر منك وأسقطته. فالشيطان عنده قوة بحكم طبيعته الأولى كملاك. لقد فقد طهارته ولكنه لم يفقد طبيعته. يستطيع الشيطان مثلًا أن يتحرك من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في لمح البصر (كملاك).

† الشيطان لديه قوة يستطيع بها أن يوسوس في العقول ويوسوس في القلوب. فهو روح. ولكنه روح نجس. ولذلك يستطيع أن يصرع بعض البشر. أي يدخل في الإنسان ويؤذيه أذية شديدة.

† وقد حكى لنا الكتاب المقدس عن قرية الجرجسيين التي كان بها إنسان عليه روح نجس (شيطان). وكان الشيطان يجعله في منتهى القوة حتى أنهم يضطروا إلى تكتيفه بالسلاسل.

الشيطان لديه القدرة على التنكر والخداع:

† أيضًا الشيطان عنده القدرة على الخداع والتنكر. قيل عنه أنه يستطيع أن يظهر في هيئة ملاك من نور.

† قيل عن راهب متعبد جاءه الشيطان في هيئة ملاك وقال له: "أنا الملاك جبرائيل أرسلني الله إليك". فرد عليه الراهب القديس قائلًا: "أنا إنسان خاطئ لا أستحق أن يظهر لي ملاك، لعلك أُرْسِلت إلى غيري وأخطأت الطريق".

† وفي أحد المرات ظهر الشيطان لراهب متوحد في الجبل وأظهر له مركبة نارية وقال له: "الرب رأى أعمالك الصالحة العجيبة وقرر أن يرفعك في مركبة من نار مثل إيليا" وقد أراد الشيطان بذلك أن يجعل الراهب يصدق هذا الكلام ويضع رجله في هذه المركبة الوهمية فيسقط وينتهي لولا أن الرب أنقذه.

† فالشيطان خداع وكذاب وقال عنه الرب أنه "هو كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ" (إنجيل يوحنا 8: 44).

† وقد يظهر الشيطان في صورة صديق ينصحك نصيحة تتسبب في أذيتك. وقد يقوم بعمل آيات ورؤى كاذبة وأحلام كاذبة.

† في أحد المرات جاء للقديس الأنبا أنطونيوس وهو نائم وقال له: "قم واستيقظ للصلاة" فرد عليه الأنبا أنطونيوس قائلًا: "أنا أصلي عندما أريد الصلاة ولا أسمع منك. اذهب عني". فلا تظنوا أن الشيطان يدفعك للسرقة أو للزِنى أو للظلم فقط، بل قد يدفعك للصلاة وتكون هذه حيلة معينة ليسقطك بها (بطريقته..  وذلك من خلال الكبرياء مثلًا، أو أفكار خاطئة أو غيره.. إلخ)..

† وقد جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى تسالونيكي ما سيحدث في أواخر الزمان وذلك المقاوم المرتفع على كل ما يرى إلهًا والذي سيعمل آيات ومعجزات بقوة الشيطان  وبكل خديعة الإثم في الهالكين.

† كذلك السحرة (إن وجدوا حاليًا) فهم يقومون بأعمال خارقة للعادة بقوة الشيطان.  فكان هناك سحرة في أيام موسى النبي وكانوا يصنعون أعمالًا عجيبة. فهذه خديعة الشيطان.

الشيطان مثابر جدًا في عمله:

† والشيطان مثابر جدًا للوصول إلى غرضه. أي يحتمل القديسين مهما صلوا وعبدوا وينتظر وقت ضعفهم ليضربهم بالخطيئة. الشيطان وصل به الأمر أن قام بحرب مع ميخائيل رئيس الملائكة.

† والشيطان في محاربته لك يهمس لك قائلًا: "أنا معك حيثما حللت"، "تشرق تغرب أنا معك". "لا أتركك أبدًا فأنت حبيبي أظل معك حتى تصير معي". وقد يأتيك في يوم الصوم أو التناول ويحاربك محاربات متتالية. قد يكون الناس في رأس السنة محترسين ويريدون أن يبدءوا سنة جديدة بدون خطيئة. فيحرص الشيطان على محاربتهم حتى يفسد هذه السنة الجديدة. فهذه طبيعة الشيطان.

البعض يفتخر بقوة الشيطان!

† بعض الناس يعرفون قوة الشيطان ويتكلمون عنها بافتخار. كمن يقول للآخر: "لقد أتتني فكرة جهنمية" ويقولها بافتخار أن أفكاره جهنمية.

† أحيانًا الناس يطلقون على الشخص شديد الذكاء لفظ "شيطان" فيقولون "هذا شيطان" أي بالغ الحكمة والدهاء. وقيل عن أحد الأولاد "ولكم تَشَيْطَن كي يقول الناس عنه تشيطن"! أي يقوم بأعمال شيطانية حتى يمتدح الناس شقاوته.
وعجيب أن يفتخر الناس بالشيطنة.

الشيطان يطور أساليبه:

† الشيطان من اهتمامه بإسقاط البشر في الخطيئة تجده يطور أساليبه ويجددها. يتطور مع التكنولوجيا ويدخل فيها ويحارب بها فهو يحارب بالإنترنت وبالكمبيوتر وبالموبايل يستخدمها كلها لمحاربة البشر.

† لعل الشيطان يجمع أعوانه ليمنحهم برنامج متقدم advanced course  لكي يصيروا شياطين عصريين على علم بأحدث أساليب الإيقاع بالبشر أي شياطين up to date.

† صدقوني حتى في اللاهوتيات يطوِّر الشيطان نفسه! ففي هذا الجيل الجديد سمعنا عن شهود يهوه، وعن المورمون وسمعنا كذلك عن السبتيين الأدڤنتيست، وهناك أيضًا التابعين للنقد الكتابي Biblical Criticism  فهم يخرجون ببدع وللأسف بعض الناس يعجبون بكلامهم لأنه غريب وينشرونه بكتبهم. شيء صعب.

ولكني بعد كل هذا لا أريدكم أن تخافوا من الشيطان، لأن الله لا يترك أولاده.

 موقف الله من الشيطان

الله يضع حدودًا لعمل الشيطان:

† الله برحمته يعمل بمبدأ تكافؤ الفرص فيترك الشيطان يأخذ فرصه لكن لا يتركه تمامًا بل يسمح له بالعمل في حدود معينة لا يتجاوزها.

† كما في قصة أيوب. سمح له أن يضع يده على ممتلكاته فقط. وعندما أراد الشيطان أن يجربه أكثر سمح له أن يجربه في جسده ولكن لا يمس نفسه. إذًا الله يضع للشيطان حدود لا يستطيع أن يتجاوزها.

 النعمة والروح القدس تشددنا لنغلب الشيطان:

† وأيضًا الله يتدخل بعمل النعمة حتى توقف عمل الشيطان. كما يتدخل بعمل الروح القدس لكي يوقف عمل الشيطان، ولكي يقوّي البشر إيجابيًا حتى يستطيعون مقاومة الشيطان.

 الله أعطى الرسل سلطانًا على الأرواح النجسة:

† بل أن الله أعطى الرسل سلطانًا على الأرواح النجسة ليخرجوها.

أنت بنعمة الله أقوى من الشيطان:

† لا تقل أنا ضعيف أمام الشيطان. بل يجب أن تشعر أنك أقوى منه بنعمة الله التي لديك. الشيطان يضعف أمام النعمة التي عندك. كم من الآباء استطاعوا أن يخرجوا شياطين. والشياطين كانت ترتعب أمامهم.

† هناك قصة عن رجل كان عليه شيطان وكان أحد الآباء يحاول إخراج هذا الشيطان بالضرب والتهديد بالحرق بشمعة أو عود كبريت. وفيما هو يفعل ذلك مر إنسان قديس في الطريق مرورًا عابرًا فخرج الشيطان لمجرد مرور هذا  الإنسان القديس. لم يستطع الشيطان أن يحتمل اقترابه. فالشيطان يخاف من الإنسان البار.

† طريقة الشيطان أن يقترب منك فإذا وجدك من النوع الضعيف المتراخي يحاربك لِيُسْقِطَك. ولكن إذا وجدك قويًا ومتمسك بالنعمة لا يقترب منك بل يهرب. وكم من القديسين والأبرار كانت الشياطين تهرب منهم.  وكم من الآباء كانوا يقولون للشيطان أخرج فيخرج. فالشيطان ليس بهذه القوة التي تخافها، بل هو ضعيف أمام الناس الأبرار مهما كانت قوته.. ومهما كانت خبراته..

الرب يكون معنا وينجينا من كل الأعمال الشيطانية.