من كتاب أيوب الصديق، ولماذا كانت تجربته؟ +++ أربع جولات للشيطان ضد أيوب وعتاب ايوب مع الله +++ البابا شنودة الثالث




من كتاب أيوب الصديق، ولماذا كانت تجربته؟ +++  أربع جولات للشيطان ضد أيوب وعتاب ايوب مع الله +++ البابا شنودة الثالث

 كان الشيطان يبذل كل جهده لتحطيم أيوب من كل ناحية:

في التجربة الأولي، أمكن أن يحطمه ماديًا وعائليًا. وفي التجربة الثانية، أمكن أن يحطمه صحيحًا. وكان كل ذلك بسماح من الله (أي 1، 2). ولكن تتعبه جدًا عبارة قالها الرب عن أيوب وهي " إلي الآن هو متمسك بكماله" ((أي 2:3). فكيف يمكن إذن زحزحته عن هذا الكمال؟

 كانت الجولة الثالثة للشيطان، هي أن يحطم أيوب إيمانيًا.

واستخدم ذلك امرأة أيوب، لتثنيه عن إيمانه، وهي متعجبة كيف هو "متمسك بعد بكماله" (أي 2:9). وقطعًا كان الشيطان يتكلم من فمها.. غير أن أيوب البار صدها صدها في حزم، قائلًا لها: "تتكلمين كلامًا كإحدى الجاهلات.." (أي 2: 10). وبدا أن الشيطان قد انهزم في الجولات الثلاث كلها. ولكنه -كعادته- لم ييأس واستمر في محاربة أيوب..

 وكانت الجولة التالية للشيطان أن يحطم أيوب نفسيًا وروحيًا وأن يستخدم في ذلك أصحاب أيوب من ناحية، وقسوة المرض وطول مدته من ناحية أخرى..

وقد شملت هذه الجولة باقي سفر كله.

فما هي الفكرة الخطيرة التي وضعها الشيطان في أذهان أصحاب أيوب وزودها ببراهين، ونطق بها ألسنتهم..؟ الفكرة التي أثار بها الجو كله. وكانت موضع حوار بين أيوب وأصحابه استمر 28 إصحاحا، وخرج بها أيوب عن هدوئه؟

تلك الفكرة الشيطانية، هي أن التجربة سببها الخطية.

وبالتالي لابد أن يكون أيوب خاطئًا.. ولولا ذلك ما كان الله قد سمح بأن يجرده من أولاده، ومن ماله ومملكاته كلها، ومن صحته أيضًا! وكان ذلك يبدو كلامًا منطقيًا يتفق مع عدل الله..! وهكذا كانت كلمة الشيطان علي فم الشيطان علي أليفاز التيماني، أول المتكلمين من أصحاب أيوب " أذكر من هاك وهو برئ؟! وأين أبيد المستقيمون؟" (أي 4: 7). وبالتالي يكون أيوب في كل شفائه، إنما يحصد نتيجة طبيعته لما زرعه من إثم. وهكذا أكمل أليفاز حديثة قائلًا " كما قد رأيت: أن الحارثين إثمًا، والزارعين شقاوة يحصدونها" (أي 4: 8).

وكان اتهام أيوب بأنه خاطئ يستحق تأديب الله أمرًا يسعد الشيطان.

يسعده كلون من الشماتة في أيوب، ولو بطريق الإدعاء! ويسعده أن ذلك رد علي وصف أيوب بأنه " رجل الكامل ومستقيم، يتقي الله ويحيد عن الشر" (أي 1: 8)، وأنه "إلي الآن هو متمسكٌ بكماله" (أي 2: 3). كما أن هذا الاتهام سوف يثير أيوب ويتعبه. وهذا أيضًا يسعد الشيطان، وبخاصة لو كثرت الاتهامات ومست بر أيوب وسمعته التي يحرص عليها..

وقد كان. بدأ أصحاب أيوب يكيلون له الاتهامات في قسوة.

وأحدثت الاتهامات تأثيرها، وبدا أيوب يثور ويرد..

مشكلته أنه قيل الإثارة. تأثر بها، وأخذ يدافع عن نفسه. وكان خيرًا له لو أنه صمت، وترك الله يدافع عنه... نعم، ليته صمت فما أعمق قول سليمان الحكيم " لا تجاوب الجاهل حسب حماقته لئلا تعدله أنت (أم 26: 4). في بادئ الأمر، رد علي أصحابه في هدوء. ولما زادت اتهاماتهم له بأنه خاطئ. ويحتاج إلي توبة، وسردوا عليه ألوانًا من الاتهامات، حينئذ ثار عليهم وقال لهم "أما أنتم فملفقو كذب، أطباء بطالون كلكم. ليتكم تصمتون صمتًا، ويكون ذلك لكم حكمة" (أي 13: 4، 5). إلي أن قال لهم "معزون متعبون كلكم. هل من نهاية لكلام فارغ "(أي 16: 2، 3).

وكان الشيطان فرحًا جدًا بهذا الصراع بين أيوب وأصحابه، يغذيه أحيانًا. وكان سعيدًا بإثارة أيوب. ولكن القصة لم تتم فصولًا. هناك ما هو أخطر. لم يكن سبب الإثارة فقط أنه خاطئ. بل بالأكثر إن الله ضده يعاقبه، "ويغرمه بأقل من إثمه" (أي 11: 6).

ويبدو أن أيوب - للعجب الشديد - دخلت الفكرة إلي ذهنه أن الله يقف ضده، وأنه سبب كل متاعبه!! فدخل في عتاب شديد وطويل مع الله..!

إنها مشكلة جديدة وقع فيها أيوب: أن الله قد جعله خصمًا له وأن الله يستذنبه، لكي يتبرر فيما أوقعه فيه من متاعب!! والظاهر أن تكرار ما سمعه من أفواه أصحابه، جعل هذا الفكر يزحف إلي ذهن أيوب وإلي قلبه ومشاعره، ويعاتب الله عليه.. كيف حدث ذلك؟ .

ربما بسبب إيمانه أن كل شيء من الله..

سواء كان بإرادة الله، أو بسماح منه.. لذلك قال قبلًا" هل.. الشر من الله لا نقبل؟‍ (أي 2: 10). إذن هو مؤمن أن كل الشرور (أي المتاعب) التي أصابته هي من الله "وفي كل هذا لم يخطئ أيوب بشفتيه" (أي 2: 10). وهكذا فإن في التجربة الأولي، لما أخذت منه أملاكه كلها وأولاده قال ".. الرب أخذ" (أي 1: 21).

أيوب يعاتب الله عتابًا طويلًا شديدًا

فماذا كان موقفه من الرب الذي أخذ، والشر الذي أصابه؟
يبدو أنه لم يقبل ذلك الشر كما قال، بل عاتب الرب عليه.

أكبر دليل، وأول دليل، أنه بعد الكآبة الشديدة التي حلت عليه، أخذ يسب يومه، ويقول " ليته هلك اليوم الذي ولدت فيه.." (أي 3: 3). ولماذا؟ " لأنه لم يغلق أبواب بطن أمي، ولم يستر الشقاوة عن عيني "(أي 3: 10). لأني إرتعابًا أرتعب فأتاني، والذي فزعت منه جاء علي "" لم أطمئن، ولم أسكن، ولم استرح، وقد جاء الرجز" (أي 3: 25، 26).

إذن هو لم يقبل ذلك الشر، بل اكتأب كآبة عظيمة جدًا (أي 2: 13). وارتعب وفزع، ولم يطمئن بشفتيه" (أي 2: 10). شفتاه لم يصدر منهما خطأ. أما قلبه فلم يسترح!

 وفي عتابه مع الله، نسب إليه كل المتاعب..

"يرضي الله أن يسحقني. يطلق يده فيقطعني" (أي 6: 9). "ذاك الذي يسحقني بالعاصفة، ويكثر جروحي بلا سبب "(أي 9: 17).
"لا يدعني آخذ نفسي، ولكن يشبعني مرائر "(أي 69: 18).
"وقال للرب " كتبت علي أمورًا مرة، وورثتني آثام صباي" (أي 13: 26).

"جعلت رجلي في المقطورة، ولا حظت مسالكي.. وأنا كمتسوس يبلي، كثوب أكله العث" (أي 13: 27، 28) , وكان يشعر بشدة ما فعله الله به، ويشكو..

ويقول "أزل عني كرامتي، ونزع تاج رأسي" (أي 19: 9). " كنت مستريحًا فرعرعني ونصبني له غرضًا. شق كليتي ولم يشفق. سفك مرارتي علي الأرض" (أي 16: 12، 13).

"أوقفني مثلًا للشعوب. وصرت للبصق في الوجه" (أي 17: 6).
"هوذا يقتلني. لا أنتظر شيئًا. فقط أزكي طريقي قدامه" (أي 13: 15). " في عذاب لا يشفق. أني لم أجحد القدوس "(أي 6: 10)

هو أيضًا يطلب من الله أن يكف عنه، يريحه قبل موته.
فيقول له " قد ذبت.. كف عني، لأن أيامي نفخة" (أي 7: 16).

"حتي متي لا تلتفت عني ولا ترهبني ريثما أبلغ ريقي ؟‍" (أي 7: 19). " بعد يديك عني، ولا تدع هيبتك ترعبني" (أي 13: 21). (أن كان (الإنسان) أيامه محدودة، وعدد أشهره عندك، وقد عينت أجله فلا يتجاوزه، عنه، إلي أن يسر كالأجير بانتهاء يومه" (عب 14: 5، 6).

" ليرفع عني عصاه، فلا يبغتني رعبه" (أي 9: 34). ويقول لله أيضًا " أليست أيامي قليلة؟ اتركني. كف عني فأتبلج قليلًا، قبل أن أذهب فلا أعود" (أي 10: 20)

 ويعلن أيوب أن الله يعاديه، ويخاصمه:

فيقول له "لماذا تحجب وجهك عني، وتحسبني عدوًا لك؟‍ (أي 13: 24). ويقول " أضرم علي غضبه وحسبني كأعدائه" (أي 13: 24). ويقول " أضرم علي غضبه، وحسبني كأعدائه" (أي 19: 11). ويقول أيضًا " فاعلموا إذن أن الله قد عوجني، ولف علي أحبولته. ها أني أصرخ ظلمًا فلا استجاب. أدعو وليس حكم. قد حوط طريقي، فلا أعبر سلبي ألقي ظلامًا" (أي 19: 6- 8) ويقول له " لا تستذنبني. فهمني لماذا تخاصمني؟" (أي 10: 2) ويقول " غضبه افترسني. واضطهدني" (أي 16: 9).

 ويقول لله: تستذنبني، وأنت تعلم أني برئ..

"في علمك أني لست مذنبًا، ولا منقذ من يدك" (أي 10: 7).
" كم لي من الأثام والخطايا ؟‍ علمني ذنبي وخطيتي" (أي 13: 23).

ويقول لأصحابه".. أريد أن كلم القدير، وأن أحاكم إلي الله" (أي 13: 3). ثم يقول لله " أدع أجيب، أو لم أتكلم فتجاوبني" (أي 13: 22).

" تبحث عن إثمي، وتفتش عن خطيتي" (أي 10: 6).
" أن تبررت يحكم علي فمي. وأن كنت كاملًا يسيذنبني ‍ (أي 9: 20).
" أن قلت أنسي كربتي، وأطلق وجهي وأتبلج، أخاف من كل أوجاعي، عالمًا أنك لا تبرئني" (أي 9: 27، 28).

" أنا مستذنب، فلماذا أتعب عيثًا ؟‍ ولو اغتسلت في الثلج، ونظفت يدي بالأشنان، فإنك في النقع تغمسني، حتي تكرهني ثيابي ‍‍ (أي 9: 29-31) " أحسن عندك أن تظلم ؟‍ أن ترذل عمل يديك ‍ وتشرق علي مشورة الأشرار" (أي 10: 3).

 ويقول له: وإن فرض وأخطأت أليست عندك مغفرة؟‍

فيقول لله "أن أخطأت تلاحظني، ولا تبرئني من إثمي" (أي 10: 14). " إن أذنب فويل لي. وأن تبررت لا أرفع رأسي "، " أني شعبان هوانًا، وناظر مذلتي" (أي 10: 15). " أأخطأت؟ ماذا أفعل لك يا رقيب الناس ؟‍ لماذا جعلتني عاثورًا لنفسك حتى أكون علي نفسي حملًا؟‍‍!" (أي 7: 20).

" ولماذا لا تغفر ذنبي، ولا تزيل إثمي ؟‍! لأني الآن اضطجعت في التراب. تطلبني فلا أكون" (أي 7: 21).

ويقول".. كيف يتبرر الإنسان عند الله؟! إن شاء أن يحاجه، لا يجيبه عن واحد من ألف. هو حكيم القلب وشديد القوة" (أي 9: 2- 4).

 ويعاتب الله قائلًا أنك قوي. فماذا أفعل إزاء قوتك وعظمتك؟!

" لأني وأن تبررت، لا أجاوب، بل أسترحم دياني" (أي 9: 15).
" هوذا يمر علي فلا أراه. ويجتاز فلا أراه. ويجتاز فلا أشعر به. إذا خطف،فمن يرده؟! ومن يقول له: ماذا تفعل؟! " الله لا يرد غضبه. ينحني تحته أعوان رهب. فكم بالأقل أنا أجاوبه، وأختار كلامي معه!!" (أي 9: 11- 14).

إن كان من جهة قوة القوى، يقول هأنذا.وأن كان من جهة القضاء، يقول: من يحاكمني؟!" (أي 9: 19).

" عنده الحكمة والقدرة. له المشورة والفطنة. هوذا يهدم فلا يبني. يغلق علي إنسان، فلا يفتح. يمنع المياه فتيبس. يطلقها فتقلب الأرض "، " يحل مناطق الملوك، ويشد أحقاءهم بوثاق.." (أي 12: 13- 18).

ثم يقول لله " إن ارتفع تصطادني كأسدًا! ثم يعود وتتجبر عليّ" (أي 10: 16).

 ثم يقول له: مَنْ أنا حتى تطاردني؟!

"أتُرعِب ورقة مندفعة؟! وتطارد قشًا يابسًا؟!" (أي 13: 25).
" ما هو الإنسان حتى يعتبره، وحتي تضع عليه قلبك، وتتعهده كل صباح وكل لحظة؟!" (أي 7: 17، 18).
" إن قلت إن فراشي يعزيني، مضجعي ينزع كربتي، تريعني بالأحلام، وترهبني برؤى" (أي 7: 13، 14).

 ثم يسأل: لماذا إذن ولدت. ويقول لله: تذكر أنك جبلتني.

"يدك كونتانى وصنعتاني كلي جميعًا. أفتبتلعني؟! أذكر أنك جبلتني كالطين. افتعيدني إلي التراب؟! (أي 10: 8، 9).
" فلماذا أخرجتني من الرحم؟! كنت قد أسلمت الروح، ولم ترني عين. فكنت كأن لم أكن، فأقاد من الرحم إلي القبر" (أي 10: 18، 19).

 ثم يحتار، إذ ليس مصالح بينه وبين الله.

فيقول عن السيد الرب "فإنه ليس إنسانًا مثلي، فأجاوبه، فنأتي جميعًا إلي المحاكمة. ليس بيننا مصالح، يضع يده علي كلينا!!" (أي 9: 32، 33).

كل ذلك يقوله أيوب، شاعرًا أن الله قد اقتحمه ، وأنه قد سلمه إلي أعدائه.

فيقول "يقتحمني أقتحامًا علي اقتحام. يعدو علي كجبار" (أي 16: 14). ويقول أيضًا دفعني الله إلي الظالم، وفي أيدي الأشرار طرحني.أحاطت بي رماته (أي 16: 11، 14).

ويقول له " خربت كل جماعتي. فبضت علي. وجد شاهد" (أي 16: 7، 8). ولعله يقصد أصحابه الذين شهدوا ضده..

وفي كل ذلك يبرر أيوب نفسه.

تأمل من سفر تشيد الاناشيد ++ أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة؟ (نش 1: 7) جزء 2+++ البابا شنودة الثالث



تأمل من سفر تشيد الاناشيد ++ أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة؟ (نش 1: 7) جزء 2+++ البابا شنودة الثالث

 قالت العروس للرب، الذي هو الراعي الصالح: "أخبرني يا من تحبه نفسي: أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة؟. فأجابها إن لم تعرفي أيتها الجميلة بين النساء, فأخرجي على أثار الغنم, وأرعى جداءك عند مساكن الرعاة" (نش1: 7،8).

 أين ترعى؟
هنا نجد نفسا تبحث عن الله, وتسأل عن طرقة, وتقول له: "أين أنت يا رب؟" إنني أبحث عنك؟ أين أجدك؟".

العجيب إن هذه النفس التي تبحث عن الله، ليست باستمرار نفسا خاطئة، إنما هي نفس تحب الله وقد دعاها "الجميلة بين النساء". إنها تذكرني بداود النبي الذي قال الرب: "عرفني يا رب طرقك, فهمني سبلك,، أين تربض وقت الظهيرة؟ طلبت وجهك, ولوجهك يا رب ألتمس. لا تحجب عني"..

هذا النداء. هو نفس نداء النفس التي في مفترق الطرق.

أخبرني يا من تحبه نفسي, أين ترعى؟ أين أجدك؟ هل في البتولية أم في الزواج؟ في العمل أم في التكريس؟ في الخلوة أم في الخدمة؟ في الدير أم في العالم؟ أين تربض.. ؟ أين ألتقي بك. في الصلاة؟ في الصوم؟ في التداريب الروحية؟ في التناول؟ في الكنيسة؟ أين ترعى.. ؟

وقد تقول هذا الكلام النفس البعيدة عن الله.
إنها تذكرني بأوغسطينوس الذي كان بعيدًا لفترة طويلة، ثم أخذ يبحث عن الله، أين يجده؟ هل بالعقل؟ بالفلسفة بالمنطق؟ أم بالإيمان, بالقلب؟ أين ترعى؟ فأجابه الرب: هناك في داخلك, تجدني. وأعترف أغسطينوس قائلًا: نعم لقد كنت معي، ولكني من فرط شقاوتي لم أكن معك..

حقًا هناك أشخاص يسألون أين الرب. وهو معهم.
كان المسيح مع تلميذي عمواس, ولم تكن عيونهما منفتحة لمعرفته, كذلك ظهر لمريم المجدلية، وهي لا تزال تسأل عنة: أين هو. وقيل عن معاصري السيد وقت ميلاده أن "النور أضاء في الظلمة، والظلمة لم تدركه".. حقًا, كثيرًا ما تسأل الرب (أين ترعى), ويكون الرب في داخلنا ونحن لا ندري!

ما أعجب قول المسيح لفيلبس "أنا معكم زمانًا هذه مدته, ولم تعرفني يا فيلبس"؟ وكذلك المولود أعمى قال له السيد "أتؤمن بابن الله؟ فأجابه " من هو يا سيد؟ كان الرب يكلمه, وقد شفاه, ومع ذلك لم يكن يعرفه, ويسأل أين يرعى؟ (يو9).

أين ترعى؟ أين تربض وقت الظهيرة؟
لوط لم يقل للرب أين ترعى؟ وإنما اختار لنفسه مكانًا معشبًا يعيش فيه, لذلك ضاع منه كل شيء, بعكس إبراهيم الذي ترك للرب أن يختار له، فقال له "أترك أهلك وعشيرتك, وأذهب للأرض التي أريك إياها (تك 12: 1). سأذهب إليه يا رب, مادمت سترعاني هناك. نعم هناك "أباركك وتكون بركة, وبك تتبارك جميع قبائل الأرض" (تك12: 2, 3).

حينما تسأل عن الله أين ترعى؟ يقول أحيانًا: هناك عند الجلجثة. ويرينا طرقًا ما كنا نظن إطلاقًا إنه سيرعانا فيها..

وكأنه يقول ليوحنا الحبيب: أتسألني أين أرعى.. هناك في المنفى في جزيرة بطمس, سأرعاك, وسأكشف لك بابًا مفتوحًا في السماء, وأريك العرش الإلهي والقوات السمائية, وما لابد أن يكون.

وكأني بالثلاثة فتية قد سألوه أين ترعى؟ فقال لهم هناك في أتون النار.. وفرحوا بالأتون, وعندما ألقوهم فيه رأوا معهم رابعًا شبيهاُ بابن الآلهة, يتمشى معهم في الأتون. وشعرة من رؤوسهم لم تحترق, ولا رائحة النار كانت في ثيابهم.. (دا 3).
وبنفس الوضع كان جب الأسود بالنسبة إلي دانيال النبي. رعاه الله هناك، وأرسل ملاكه فسد أفواه الأسود. (جا 6).

 في إحدى المرات أثناء المجاعة, لم يقل إبرام للرب " أين ترعى؟ أين تربض وقت الظهيرة؟" بل ذهب من تلقاء نفسه إلي مصر يلتمس المعونة. وهناك أخذوا امرأته سارة, وكاد يضيع لولا تدخل الرب لإنقاذه..

ونفس الوضع عندما سكن بين قادش وشور وتغرب في جرار (تك 20: 1) دون أن يسأل هل يرعى الرب هناك فكانت النتيجة أنه وقع في تجربة ثقيلة, وأخذوا امرأته سارة. لأن ذلك الموضع لم يكن فيه خوف البتة" (تك 20: 1).

 هناك عبارة جميلة في سفر النشيد، يقول فيها الرب: "تعال يا حبيبي لنخرج إلي الحقول, ونبيت في القرى".. هناك أريك حبي (نش2: 12).

نعم هناك وليس في أي مكان أخر.. إذن يا رب فليكن لي كقولك.. سأذهب إلي الحقول وإلي القرى وإلي أقاصي الأرض, مادمت هناك ستريني حبك. سأدخل إلي أتون النار, وسأنزل إلي جب الأسود, مادمت أعرف أين ترعى..

سأسير بمبدأ "حيث قادني أسير" سأترك كل شيء من أجلك, وأتبعك حيثما كنت.. مثلما تركت رفقة بلادها وأهلها وذهبت وراء إسحق (تك24: 58), وكما يقول المزمور للنفس البشرية: أسمعي يا ابنتي، وأصغي, وإنسي شعبك وبيت أبيك, فأن الرب قد أشتهى حسنك, وله تسجدين (مز 45: 10،11).

 أخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعى, لأنك في مراع خضر تربضني, وإلي ماء الراحة توردني. ترد نفسي وتهديني إلي طرق البر (مز 23).. لقد التحقت نفسي وراءك فقل أين ترعى, وأنا سأتبعك حتى إن سرتُ في وادي ظل الموت لن أخاف شرًا، لأنك ستكون معي, هناك تريني حبك..

أخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعى أين تربض وقت الظهيرة؟

أين تربض وقت الظهيرة؟
في وقت الظهيرة, حيث يريد كل إنسان أن يستظل, وأنا تحت ظللك اشتهيت أن أجلس, وأخشى من شيطان الظهيرة (مز 91: 6), وأتعب من هذا اللهيب, لأن الشمس قد لوحتني وقت الظهيرة.
أحيانًا يستغيث الإنسان بهذه العبارة, أين ترعى؟ يقولها في أوقات الفتور والجفاف, وفترات تخلي النعمة الإلهية..

يشعر الإنسان إن نفسه ليست كما كانت قبلًا، لم تعد لهل الحرارة الأولى, ولا الصلة ولا الدالة الأولى, ولا الحب القديم, فتقول نفسه للرب: "لماذا أكون كمقنعة عند قطعان أصحابك" (نش1: 7)

أين أيام شبابي الروحي, حينما كنت أقول "شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني".. أين الأيام التي كنت أصلي فيها بعمق وكلماته حلوة في حلقي (نش2: 3), كالعسل والشهد في فمي. أيام كنت أرفع يدي, فتشبع نفسي كما من لحم ودسم (مز63: 4).. أشعر كما لو كنت ضللت الطريق, فاخبرني يا من تحبه نفسي: أين ترعى؟ أين تربض..؟

أريد يا رب أن أرجع إليك, فأخبرني أين ترعى؟
أنا بعيد عنك, ولكني أحبك, بعدت عنك سلوكًا, ولم أبعد عنك قلبًا "أنت تعلم يا رب كل شيء, أنت تعلم إني أحبك".. من الجائز أنني تركت نشاطي, وتركت ممارستي, وعباداتي، وخدمتي, ولكني لم أترك محبتك.. ربما تكون صورتي قد تشوهت, ولكن لا تزال تشتاق إلي شبهك ومثالك, أنا أحبك على الرغم من خطيئتي, ليتك تردني إليك, وتخبرني أين ترعى..

ربما تقول هذه العبارة "نفوس في السبي، قد جلست على أنهار بابل، ولكنها تبكي كلما تذكرت صهيون" (مز 137: 1).

لم تعد تستطيع أن تسبح تسبحة الرب في أرض غريبة، قيثارتها على الصفصاف (مز 137: 2, 4). وهي تصرخ من عمق القلب, ومن عمق الرغبة, استغاثة غريق إلي قارب النجاة, تقول اخبرني يا من تحبه نفسي, أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة..

أريد أن أدخل إلي هيكلك, إلي مذابحك, لكي تنضح عليَ بزوفاك فأطهر، وتغسلني فابيض أكثر من الثلج..

 أين ترعى أيها الراعي الصالح؟ ضللت مثل الخروف الضال, فأطلب عبدك (مز 119: 176).
أسرع وأعني, لأنه على ظهري جلدني الخطاة وأطالوا إثمهم (مز 129: 3).. أحاطوا بي مثل النحل حول الشهد, والتهبوا كنار في شوك (مز 118: 12).. في الطريق التي أسلك أخفوا لي فخًا (مز140: 5).. 

 ولكنني مشتاق إليك, أريد أن أصل إليك, ولا أعرف..

ما أعجب الله الذي لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع إليه, الذي كل من يقبل إليه، لا يخرجه خارجًا, إنه يقول لهذه النفس الباحثة عنه, على الرغم من إن الشمس قد لوحتها: إن لم تعرفي أيتها الجميلة بين النساء, فأخرجي على أثار الغنم, وإرعي جداءك عند مساكن الرعاة..

عجبًا يا رب أن تسميها "جميلة" وهي خاطئة! أنا أسميها جميلة, ليس من أجل خطيئتها, وإنما من اجل توبتها.. من أجل سعيها وطلبها, من أجل عبارة أين ترعى؟

 أخرجي على أثار الغنم:
غنيمات كثيرة, سرن في طريقي من قبل, ووصلن إليَ, أثار هذه الغنيمات لا تزال ثابتة على الطريق, فتتبعيها (ومن سار على الدرب, وصل).
وما أثار الغنم, سوى سير القديسين.. وقت ترك لنا القديسين نموذجًا في كل مجال لكي نحتذي به. متشبهين بأعمالهم.

وقد يجد إنسانًا نفسه بلا مرشد في الطريق, والذين بلا مرشد يسقطون كأوراق الشجر.. هذا الإنسان لا ييأس، هناك أثار الغنم إن تعذر وجود الرعاة..
 لم يطلب إلينا الرب أن نقبع في مكاننا, وندرس سير القديسين, إنما أن نخرج ونسير متبعين أثارهم.

لا تجلسي في مكانك متأملة وتقولي ما أجمل الغنيمات القديسات, وما أحلى طرقها, كلها بر وكمال, وتعب وجهاد.. ! كلا, بل أخرجي على أثار الغنم, وأرعى جداءك عند مساكن الرعاة.. جداءك هي خطاياكِ, اذهبي إلي مساكن الرعاة, تجدي هناك حلًا وحلًا.

 أخرجي على أثار الغنم, لا تبتدعي طريقًا جديدًا, ولا تنقلي التخم القديمة, وإنما اتبعي ما رسمه الآباء من طرق..

"إن بشرناكم نحن وملاك من السماء, بغير ما بشرناكم به, فليكن أناثيما" (غل1: 8).
"إن كان احد يأتيكم ولا يجئ بهذا التعليم, فلا تقبلوه في البيت, ولا تقولوا له سلامًا, لأن من يسلم عليه, يشترك في أعماله الشريرة (2يو1: 11).

إذن ماذا نفعل؟ "كونوا متمثلين بيَّ, كما أنا أيضًا بالمسيح" (1كو11: 1). نعم أيتها الجميلة "أخرجي على أثار الغنم".

 وإن لم تسيري على أثار الغنم, لا تكوني جميلة بين النساء.
"إن لم تعرفي أيتها الجميلة.. فأخرجي على أثار الغنم". ترينا هذه العبارة, أنة حتى النفس الجميلة, هناك أشياء لا تعرفها, هناك جداء قد اختلطت بغنمها, تحتاج أن تذهب بها إلي مساكن الرعاة. لا تعتمدي على نفسك, فهؤلاء الرعاة قد أقامهم الرب, لأجلك.

تأمل من سفر تشيد الاناشيد ++ من هذه الطالعة من البرية؟ كأعمدة من دخان معطرة بالمرّ واللبان (نش 8: 5؛ 3: 6) +++ البابا شنودة الثالث



تامل من سفر تشيد الاناشيد ++ من هذه الطالعة من البرية؟  كأعمدة من دخان معطرة بالمرّ واللبان (نش 8: 5؛ 3: 6) +++ البابا شنودة الثالث

 كأعمدة من دخان:

هنا يتأمل الرب كنيسته في برها, وفي عبادتها، وفي آلامها من اجله. فيقول: من هذه الطالعة من البرية، كأعمدة من دخان؟!

لا شك ان عبارة "أعمدة من دخان" لا يمكن ان تعني ذلك الغزل الرخيص الذي يتهمون به سفر النشيد. فلا يمكن أن تقبل امرأة من حبيبها هذا الوصف! ثم هل يتفق هذا التعبير من قوله عن عروس أنها "جميله كالقمر, مشرقة كالشمس" (نش 6: 10).

نعم، المعنيان يتفقان في المفهوم الروحي.

إن عبارة "كأعمدة من دخان" تحمل معنى روحيًا جميلًا يليق بالنفس العابدة، في علاقتها مع الله. فكيف يكون هذا؟
 تصور انك أمام المجمرة (الشورية). واتيت بحفنة من البخور وضعتها فيها. فما الذي يحدث؟ يحترق البخور من لهيب النار، ويصعد كأعمدة من دخان زكية الرائحة، وهكذا الكنيسة.

نعم تصور معي هذا المنظر الجميل: مجمرة مملوءة من النار المقدسة، التي هي الحب الإلهي. والمحبة تشبهها سفر النشيد فيقول: " مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة" (نش 8: 7).

 هذه المجمرة وضعت فيها حبات من البخور، هي شخصيات القديسين.

حبة اسمها القديس انطونيوس الكبير، وحبة اسمها آبامقار الكبير. وحبة اسمها الأنبا بيشوى, وأربعة اسمها القديس أثناسيوس الرسولي. وخامسة اسمها الشهيد مارجرجس..

وحبات أخرى كثيرة من السواح والمتوحدين والشهداء والبطاركة والأساقفة، والأبرار في كل جيل..

هذه الحبات اشتعلت بالحب، وطلعت إلى فوق كأعمدة من دخان، كرائحة بخور، تتسم منها الله رائحة الرضا (تك 8: 21).

وتنسمها الملائكة، فأعجبت برائحتها الزكية، وغنت في فرح "من هذه الطالعة من البرية، كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان؟!".

 مُعطرة بالمرّ واللبان:

كان المرّ من العطور التي تدخل في تركيب الدهن المقدس الذي كان يُستخدم في المسحة المقدسة في العهد القديم. تلك التي مُسحت بها خيمة الاجتماع وتابوت العهد، وكل أواني الخدمة و كما مسَحَ بها هرون رئيس الكهنة وبنوه (خر 30: 23-30).

كما كان المر واللبان من تقدمات المجوس للمسيح.
اللبان كان يرمز إلى الكهنوت.
والمر كان يرمز الآلام، وإلى رائحة الحياة الطيبة.
وبكل هذا تعطرت الكنيسة، وتعطرت النفس البشرية التي تحب المسيح.
ومن العطور المقدسة الميعة والسليخة. لذلك فإن المرتل قال للكنيسة في المزمور " المرّ والميعة والسليخة من ثيابك " (مز 45: 8).
لذلك لم يكتفِ سفر النشيد بأن يجعل العروس معطرة بالمر واللبان ْ فقط، وإنما أضاف " وبكل أذرة التاجر "، بكل العطور جميعها..

 وكل أذرة التاجر:

وأنت أيها الابن المبارك - بعد عمر طويل- عندما تصعد روحك إلى فوق: هل تكون زكية الرائحة " معطرة باللبانْ وبكل أذرة التاجر"؟ أم تفوح منها رائحة الخطية البشعة , لا سمح الله..

لأن بعض الناس حينما يموتون، تمتلئ حجراتهم برائحة بخور. وآخرون تتعفن أجسادهم بسرعة. ويحاول أقرباؤهم أن يدفنوهم قبل أن تفوح الرائحة!

 والآن نسأل: ما هي أذرة التاجر التي تتعطر بها الروح؟

هي ثمار الروح التي قال عنها الرسول "وأما ثمر الروح: فهو محبة، فرح, سلام, طول أناة، لطف, صلاح, إيمان، وداعة، تعفف" (غل 5: 22، 23).. هي الطهارة والنقاوة والقداسة، وحرارة الروح، والشوق إلى الله. هي زيت العذارى الحكيمات، وشركة الروح القدس، وهي البذل والعطاء، والجهاد.. هي ثمر الإيمان، وثمر التوبة..

 وترى من هو التاجر؟

هو الذي قال عنه الرب " يشبه ملكوت السموات إنسانًا تاجرًا يطلب لآلئ حسنة. فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن، مضى وباع كل ما كان له واشتراها" (متى 13: 15، 16).

هو التاجر الذي يقول الرب في اليوم الأخير " يا سيد، خمس وزنات سلمتَني. هوذا خمس وزنات أُخر ربحتها فوقها" (متى 25: 20).

وأيضا التاجر هو كل خادم للرب يقدم للناس الروحيات، ويقول مع القديس بولس الرسول "صرت لكل شيء، لأخلص على كل حالٍ قومًا" (1 كو 9: 22).

هؤلاء التجار الحكماء ملأوا الكنيسة عطرًا ولبانًا ومرًّا، وميعة وسليخة، وقرفة وعودًا وقصب ذريرة" (خر 30: 23-25).. وكل أذرة التاجر.. كل فضيلة وبر من كل نوع..

 أعمدة من دخان:

وهكذا ارتفعت الكنيسة إلى الرب " أعمدة من دخان " وهو:
دخان الذبائح والمحرقات:
كانت الذبائح والمحرقات توضع على المذبح، وتوقد النار فترتفع أعمدة من دخان. وقد طلب إلينا القديس بولس الرسول أن نتشبه بتلك الذبائح عندما قال " أطلب إليكم أيها الأخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية" (رو 12: 1).

فيا ليتنا نعيش على الأرض كذبيحة، كمحرقة على الذبح تلتهمها النار المقدسة.
وتصعد كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان وكل أذرة التاجر.

وتقديم النفس كذبيحة أمر واضح في صلواتنا: يقول المرتل "فلتستقم صلاتي كالبخور قدامك. وليكن رفع يديّ ذبيحة مسائية" (مز 63: 4، 5). فلتستقم صلاتي كالبخور، أي كأعمدة من دخان، كذبيحة مسائية. وكما قال المرتل أيضا " باسمك ارفع يديّ، فتشبع نفسي كما من لحم ودسم".

أبعد هذا يقول إنسان إن سفر النشيد يعثرني!!

بل تعثرك يا أخي أفكارك الجسدانية، التي لم ترتفع بعد عن هذا المستوى الجسداني.
ولم تصعد إلى فوق، كأعمدة من دخان.

 الطالعة من البرية:

عبارة " الطالعة من البرية coming out of the wilderness قد تطلق على كنيسة العهد القديم، كما تطلق أيضا على كنيسة العهد الجديد، المزينة بالفضائل، التي يعمل فيها الروح القدس بكل مواهبه، بكل أذرة التاجر.

فأنه قيل " بالروح يعطى لواحد كلام حكمة، ولآخر كلام عِلم، ولآخر مواهب شفاء، ولآخر عمل قوات، ولآخر نبوة، ولآخر تمييز أرواح، ولآخر ترجمة ألسنة.. هذه كلها يعملها الروح الواحد، قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء (1 كو 12: 8-11).. هذه كلها من أذرة التاجر.

وعبارة الطالعة من البرية، ربما تقصد بها الصلوات.

الكنيسة ليلًا ونهارًا تصعد منها صلوات وألحان وتسابيح.. كلها تصعد إلى فوق.
فتستقبلها الملائكة بهذا النشيد "الطالعة من البرية، كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان وبكل أذرة التاجر.. صلوات معطرة بالحرارة، والإيمان والخشوع، والفهم, والتأمل، والشكر.. وكل أذرة التاجر..

فهل كنيستنا اليوم لا تزال -كما كانت في القديم- كنيسة صلاة؟

هل كل نفس فيها، ترتفع منها كل يوم صلوات وتسابيح، وتراتيل، ومزامير، وأغاني روحية (كو 3: 16؛ أف 5:19). أم ان الملائكة ينتظرونها بلا جدوى، وكأنها في عطلة وغفوة!! لا مرّ ولا لبان، ولا شيء من أذرة التاجر! هل كل بيت من بيوتنا تصعد منه أعمدة دخان المقدسة، كأعمدة الهيكل، معطرة بالمسحة المقدسة، بالمر واللبان..

ما أجمل أن يقول الملائكة بعضهم لبعض: هلم ننظر مصانع الروحيات في هذا البلد المقدس، تطلع منها أعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان، يكملون بعضهم بمزامير وتسابيح وأغاني روحية، مترنمين ومرتلين في قلوبهم للرب " شاكرين كل حين على كل شيء (أف 5: 19، 20).

 هناك أشياء مهما حاولت أن تكتمل لا تستطيع.

روائح عطرة جميلة لا يمكن أن تخفيها. لا يمكن أن تخفي مدينة كائنة على جبل (مت 5: 14). ولا يمكن أن تكتم روائح بستان مملوء بالورد والفل والريحان.. هكذا الكنيسة – العالم الآخر يتأمل جمالها العجيب، في قدسيتها وطهرها، في حرارتها وعبادتها, في محبتها لله والناس، في كل ما فيها من أذرة التاجر..

تصوروا أن الكنيسة أصبحت موضع دهشة الملائكة..

أصبحت موضع دهشة السماء، بل موضع دهشة العالم كله. ينظر إليها فينذهل: ما هذا الجمال؟ ما هذا السمو والعلو؟ ما هذا الصبر في الجهاد؟ ما هذه المثالية؟ لم نرى قبل مثل هذا.. من هذه الطالعة من البرية، كأعمدة دخان، معطرة بالمرّ واللبان. مثلما دخل المسيح أورشليم، فقالوا من هذا.. ؟! (متى 21: 10) "وارتجت المدينة كلها".

موقف روحي يتميز به عمل ما، فينظر إليه الكل في دهشة:

ويقولون: قد رأينا اليوم إنسانًا عجيبًا، شخصية من نوع فريد! من هذا الإنسان؟ في أمانته، في دقته؟ في رقته، في أدبه، في محبته، في فهمه..؟ تُرى من تكون هذه الشخصية؟ من هذه الطالعة من البرية، معطرة بالمرّ واللبان وكل أذرة التاجر.

 عبارة كل أذرة التاجر, تشير إلى كمال الكنيسة:

ليست متحلية بفضيلة واحده فقط، وإنما بالكل أذرة التاجر.. بكل بركات النعمة، بكل ثمر الروح..

كنيسة "جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان" (2 تي 4: 7). جمعت كل الخير، جمعت الإيمان والأعمال "تعبت من أجل الرب ولم تكلّ" (رؤ 2: 3).

 أما نحن فقد دخلنا على ما لم نتعب فيه. آخرون تعبوا ونحن دخلنا على تعبهم.

أننا ننظر إلى الكنيسة الآباء في إعجاب شديد، وهي معطرة بالمرّ واللبان وكل أذرة التاجر، مستندة على حبيبها، ونقول من هذه التي طلعت من البرية؟ وكيف وصلت إلى هذه الدرجة؟!

من كتاب تاملات في الميلاد ++ مُصالحة السماء مع الأرض ++ البابا شنودة الثالث


من كتاب تاملات في الميلاد ++ مُصالحة السماء مع الأرض ++ البابا شنودة الثالث  

 مُصالحة السماء مع الأرض

 وفي صلح السماء مع الأرض الذي جلبته بركة الميلاد لم تقتصر الصلة على ظهور الملائكة والأحلام المقدسة والظهورات المقدسة، بل أيضًا رجعت روح النبوة مرة أخري، ورجع عمل الروح القدس في الناس وامتلاؤهم منه.

نقرأ عن يوحنا المعمدان في بشارة الملاك عنه أنه: " من بطن أمه يمتلئ من الروح القدس" (لو1: 15). ونقرأ في بشارة الملاك للعذراء قوله لها: "الروح القدس يحل عليك، وقوة العليّ تظللك" (لو1: 35).

ونقرأ في زيارة العذراء مريم للقديسة أَلِيصَابَات أنه: "لما سمعت أليصابات سلام مريم، إرتكض الجنين في بطنها، وامتلأت أليصابات من الروح القدس" (لو1: 41). ونقرأ عن زكريا الكاهن بعد انقضاء فترة صمته " وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس وتنبأ قائلًا..." (1: 67). ونقرأ أيضًا عن سمعان الشيخ أنه كان رجلًا بارًا: "والروح القدس كان عليه وكان قد أوحي إليه بالروح القدس..." (لو2: 25: 26).

 عجيب جدًا هذا العمل الواسع للروح القدس في الناس في تلك الفترة المقدسة. وعجيب هذا الإمتلاء من الروح القدس وهذا الحلول، وهذا التنبؤ أيضًا... لقد تنبأ زكريا الكاهن، وتنبأت إمراته أَلِيصَابَات، وتنبأ سمعان الشيخ، وتنبأت حنّة بنت فنوئيل (لو2: 36). وبدا أن الله رجع يتكلم في أفواه الأنبياء وكل ذلك كان من بوادر انتهاء الخصومة بميلاد السيد المسيح، أو كانت هذه هي تباشير الصلح الذي تم على الصليب.

 وكان من تباشير الصلح أيضًا رجوع المعجزات. والمعجزات دليل عمل يد الله مع الناس...

كان انفتاح رحم أليصابات العاقر هو المعجزة الأولي. وكان صمت زكريا الكاهن ثم انفتاح فمه بعد تسعة أشهر معجزتين أخريين.

وكانت معجزة المعجزات هي ولادة السيد المسيح من عذراء. وكان ارتكاض الجنين بابتهاج في بطن أَلِيصَابَات تحيه للجنين الإله الذي في بطن العذراء هو معجزة أخري. ولا نستطيع أن نحصي المعجزات التي رافقت ميلاد المسيح وطفولته. أما معجزاته في أرض مصر، فلعل أبرزها هو ما يشير إليه إشعياء النبي قائلًا: "هوذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر. فترتجف أوثان مصر من وجهه، ويذوب قلب مصر داخلها" (إش19: 1). وفعلًا سقطت أوثان مصر بدخول الرب إليها...

 كل هذا يدل على أن يد الرب قد بدأت تعمل، وأن ميلاد السيد المسيح كان مقدمة لصلح السماء مع الأرض، الصلح الذي قلنا إن أولي تباشيره كان ظهور الملائكة. ويحسن أن نقف وقفة تأمل بسيطة عند ظهورات الملائكة هذه...

 أول ملاك ظهر وذكره الإنجيل المقدس، كان هو الملاك الذي ظهر لزكريا الكاهن. إنها لفته كريمة من الرب يعطى بها كرامة للكهنوت، فيكون ظهور الملائكة أولًا للكهنة، بعد فترة الاحتجاب الطويلة. ولفته كريمة أخري للكهنوت، أن يظهر الملاك في مكان مقدس: "واقفًا عن يمين مذبح البخور " وفي لحظة مقدسة عندما كان زكريا البار يكهن للرب ويرفع البخور أمامه (لو1: 8-10)...

جميل من الرب أنه عندما أرسل خدامه السمائيين أولًا إلى بيته المقدس وإلى خدام مذبحة الطاهر. ولا شك أن هذا كله يشعرنا بجمال المذبح الذي وقف الملاك عن يمينه في أول تباشير الصلح. كم بالأكثر جدًا مذبح العهد الجديد في قدسيته الفائقة للحد، حيث ملاك الذبيحة الصاعد إلى العلو يحمل إلى الله تضرعنا...

تأمل من سفر نشيد الأناشيد ++ أنا نائمة وقلبي مستيقظ (نش 5: 2) جزء 2 +++ البابا شنودة الثالث


تأمل من سفر نشيد الأناشيد ... أنا نائمة وقلبي مستيقظ جزء 2 (نش 5: 2) +++ البابا شنودة الثالث

 تقول العروس في النشيد "أنا نائمة، وقلبي مستيقظ. صوت حبيبي قارعًا: افتحي لي يا أختي، يا حبيبتي، يا حمامتي، يا كاملتي. لأن رأسي امتلأ من الطل، وقصصي من ندى الليل" "قد خلعت ثوبي، فكيف ألبسه؟! قد غسلت رجليَ، فكيف أوسخها؟! حبيبي مدّ يده من الكوة، فأنت عليه أحشائي.." (نش5: 2-4).

أنا نائمة وقلبي مستيقظ:

يقول الرب "اسهروا وصلوا، لئلا تدخلوا في تجربة" "اسهروا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ابن الإنسان" (لو12: 40) "لئلا يأتي بغتة فيجدكم نيامًا" (مر13: 36)..

إذن فكل نفس نائمة هي ساهية عن خلاص نفسها، غفلانة كسلانة لا تدري ما هي فيه. ونسيت تحذير الكتاب: لئلا يأتي بغتة فيجدكم نيامًا"..

 أما هذه النفس التي تقول أنا نائمة وقلبي مستيقظ، فإن حالها عجيب.. هل هي تخدع نفسها، وتدعى اليقظة بينما هي نائمة؟!.

كيف تظن أنها مستيقظة القلب بينما هي نائمة؟! كثير من الناس يقول الواحد منهم "أنا أحب الرب من كل قلب. الله هو كل شيء في حياتي". فإن سألته عن صلواته وتأملاته وقراءاته الروحية واعترافاته وتناوله، يقول لك..

حقًا، إنني مقصر جدًا في كل هذا، ولكني مع ذلك أحب الله.. روحياتي واقفة، نفسي نائمة، ومع ذلك فقلبي مستيقظ.

والأعجب من هذا، إنسان آخر، يقول لك إنني في عمق الخطية، ومع ذلك فأنا أحب الله. نفسي نائمة، وقلبي مستيقظ..

 وتتعجب أنت من هذا: كيف تكون محبة الله في قلب هذا الإنسان، وهو في عمق الخطية؟! ألم يقل الرب "من يحبني، يحفظ وصاياي" فكيف لا يحفظ وصاياه، ويقول "أنا أحبه".. ألم يقل يوحنا الحبيب "كل كم يخطئن لم يبصره ولا عرفه" (1يو3: 6)..

الظاهر أن هناك أناسًا يظنون أن عاطفة المحبة نحو الله تكون في القلب فقط، دون أن تظهر في الأعمال ولا في السيرة والسلوك، ودون أن يعبروا عن محبتهم تعبيرًا عمليًا يظهرها ويؤكدها..

لا تكفي يقظة القلب، إن كانت الحياة نائمة.. المفروض أن القلب المستيقظ يدفع الإنسان باستمرار إلى العمل الروحي.. إن الإيمان دون أعمال ميت كما قال الرسول (يع2: 26). ما فائدة محبة القلب، وما معنى محبة القلب، إن كنت نائمًا وكسلانًا ولا تعمل ما تستوجبه تلك المحبة؟ ما معنى أن يكون الغصن حيًا، إن كان لا يزهر ولا يثمر.. ؟!

 والغرابة أنه على الرغم من هذا الكسل والنوم، ما تزال النفس تقول "حبيبي".. "صوت حبيبي قارعًا" "حبيبي مد يده من الكوة فأنت عليه أحشائي"، "قمت لأفتح لحبيبي.. فتحت لحبيبي لكن حبيبي تحول وعبر"..

أهو حبيب حقًا، إذن هو "تعب المحبة"؟!

الله أحب العالم حتى بذل ابنه الوحيد.. الرب أحبنا فمات عنا، أنت تحبين، فماذا فعلت في التعبير عن حبك؟!

هذا الحبيب الذي أحبك يقرع على الباب، ولا تفتحين.. !! يظل في انتظارك حتى تمتلئ رأسه من الطل، وقصصه من ندى الليل، وأنت نائمة، تحتجين بأنك قد خلعت ثوبك، وغسلت رجليك، وتتركينه، مقدمة له شتى الأعذار.. ثم تجرئين أن تُسَمَّي هذا حبًا؟!

إن الحب النظري لا ينفع شيئًا، لابد أن يكون حبًا عمليًا لقد قال يوحنا الرسول "لا نحب بالكلام، ولا باللسان، بل بالعمل والحق" (1يو 3: 18).

هذه النفس تفكر في ذاتها أكثر مما تفكر في الله.. تفكر في ثوبها وفي رجليها وفي راحتها، ولا تفكر في حبيبها الواقف منتظرًا الذي امتلأ رأسه من الطل.. الذاتية تمنعها من البذل، وحب الراحة يعطلها.

هذه النفس تريد أن تجمع بين الله والعالم بين محبة الله ومحبة ذاتها. لا تريد أن تتعب. لا تريد أن تدخل من الباب الضيق. تريد حبًا بدون صليب..

 ماذا لو أن الله أحبنا، دون أن يصعد على الصليب؟!

ماذا لو أحبنا دون أن يبذل ذاته عنا؟!..

إذن لماذا لا نفعل مثله في المحبة الباذلة؟! ولكن هذه النفس المسكينة في سفر النشيد، تريد أن تحب الله وهي نائمة. و: انها تقول لله "أحبك يا رب، وأحب النوم أيضًا. أتراني أجمعكما معًا؟"

هذه العروس تقول في النشيد "قلبي مستيقظ". أهي بالفعل يقظة حقيقية؟  وإن كانت كذلك، فما هي فاعليتها؟

 هناك يقظة عقلية، ويقظة أخرى عملية.

قد يكون القلب مستيقظًا: يحس أن هذا خطأ، ومع ذلك يقع فيه. يستطيع أن يميز صوت الله من صوت الغرباء، ومع ذلك لا يتبع صوت الله.. إنها صورة شرحها بولس الرسول في رسالته إلى رومية "الإرادة حاضرة عندي، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأني لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي أريده فإياه أفعل" (رو7: 18، 19).

إذن قد يكون القلب مستيقظًا، والإرادة ضعيفة. الضمير متيقظ، ولكن لا عزيمة ولا إرادة. ونتيجة الضعف يسقط الإنسان في الشر الذي لايريده، كبطرس حينما أنكر سيده.

صوت حبيبي قارعًا، أفتحي لي..

إن قول الرب لها "افتحي لي" يعني إنها مغلقة أمامه. قد أغلقت نفسها على ذاتها تحوصلت داخل هذه الذات.. داخل عبارات ثوبي، ورجلي، وراحتي، ونومي..

 كثيرًا ما تقف الذات عقبة في طريق الله..

تسأل إنسانًا أن يصلي، فيقول لك: وقتي، شغلي، دروسي.. تسأله أن يصوم. فيقول لك: رغباتي، شهواتي، غرائزي، جسدي، أفكاري.. دائمًا قبل كل شيء، والله هو آخر الكل..

وقد يصلي الإنسان، ولكن ذاته تكون كل شيء في صلاته، ينسى الله في صلاته، ولا يتذكر سوى طلباته. هي ذاته موضع اهتمامه، وليس محبة الله.

هذه الأعذار تدل على أن النفس "تركت محبتها الأول، المحبة التي كانت مشتعلة قبلًا. مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئها. وأعذار كثيرة لا يمكن أن تعوقها.

إنها في القلب فقط، لأن القلب مستيقظ، ولكنه ليس في الإرادة لأنها نائمة.

 "افتحي لي يا أختي، يا حبيبتي، يا حمامتي، يا كاملتي. فإن رأسي قد امتلأ من الطل، وقصصي من ندى الليل".

كلام عاطفي ومؤثر، قد يلين الحجر. ولكن هناك نفوسًا قاسية لا تلين مهما كلمها الرب بحب ورفق..

كثيرًا ما تقف قساوة القلب حائلًا بين الإنسان والله. لذلك ينصحنا الرسول قائلًا "إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم" (عب3). وفي قصة عذراء النشيد، نجد أنها على الرغم من قساوة قلبها، ومن رفضها وعم استجابتها، لا تزال تبرر أخطاءها بالأعذار.

 أدخلي في الخدمة، وواجهي العثرات والمعطلات، وثقي أن يد الله ستكون معك، وستغسل كل ما يتسخ فيك.. موسى النبي الوديع الذي كان حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس، دخل في الخدمة (غلا4: 2)، وغضب، وكسر لوحي العهد المكتوبين بأصبع الله. وبولس الرسول أضطر أن يغير صوته في الخدمة، وأن يقول أفيأتيكم بعصا، وقال "أيها الغلاطيون الأغبياء" (غلا3: 10) وقال أيضًا "قد صرت غبيًا وأنا أفتخر، أنتم ألزمتونى" (2كو12: 11).

وفي كل ذلك غسل المسيح أرجل رسله وتلاميذه..

 "أنا نائمة وقلبي مستيقظ"

هل تدل هذه العبارة على حب بغير عمل، أم على حالة فتور، أم تدل على النفس البشرية، أم اعتذارها عن الخدمة؟