تفسير سفر الحكمة 2 ++ سخرية الأشرار بالأبرار ++ القمص تادرس يعقوب



تفسير سفر الحكمة 2 ++ سخرية الأشرار بالأبرار ++ القمص تادرس يعقوب

 ختم الحكيم الأصحاح الأول بالحديث عن اختيار الأشرار للموت صديقًا لهم، ودخولهم معه في ميثاقٍ وتحالفٍ، وذلك بجحودهم الإيمان وسلوكهم الشرير. الحياة الشريرة في حقيقتها موت، لأنها تحرم الإنسان من الله مصدر حياته. الآن ماذا يحمل هؤلاء الأشرار من اتجاهات، أو ما هو حديثهم الخفي؟

إذ يصب الأشرار كل رجائهم في ملذات هذه الحياة والمقتنيات الزمنية يشعرون دومًا بعدم الطمأنينة، لأنها يومًا ما تزول. لهذا تسيطر على عقولهم كما على قلوبهم نظرة تشاؤمية مظلمة. هذا يدفعهم لا إلى مراجعة أنفسهم لإدراك حقيقة الحياة الخالدة، بل إلى استخدام كل وسيلة مشروعة وغير مشروعة لبلوغ مكاسب سريعة، وتحقيق أكبر قدر من الملذات، ولو على حساب الأتقياء البسطاء. فتصير شريعتهم الخفية التي يعشقونها هي شريعة الغاب، ويحملون روح البغضة والكراهية ضد كل إنسانٍ بارٍ، لأنه يبكتهم بسلوكه واتجاهاته، سواء من جهة حبه لاخوته، أو وداعته أو ترقبه الحياة الأبدية الخالدة.

لم يقتبس الحكيم عبارات من أقوال بعض الجاحدين للإيمان ،المعاصرين له أو السابقين، وإنما يقدم اتجاهاتهم التي تكمن في قلوبهم، والتي يترجمونها غالبًا في أحاديثهم كما في سلوكهم.

1. نظرتهم السوداوية للحياة فإنهم فكروا (الأشرار) تفكيرًا خاطئًا، فقال بعضهم لبعض: "قصيرةٌ ومملة حياتنا، وليس من دواءٍ لنهاية الإنسان، ولم يُعلَم قط أنَّ أحدًا رجَع من القبر.

 واضح أن الكاتب سليمان الحكيم، فإنه حتى عصره لم يسمعوا عن شخصٍ ميتٍ قام، أما في أيام إيليا وأيضًا أليشع، فقد أقام الأول ابن الأرملة بعد صراخه إلى الرب (1 مل 20:17-22)، كما قام الميت الذي لمس عظام أليشع النبي (2 مل 13: 21).

ربما يقول أحد: ألم تكن هكذا نظرة أيوب الصديق حيث سبَّ اليوم الذي وُلد فيه (أي 3)؟

شتان ما بين حديث أيوب عن قصر الحياة وحديث الأشرار، فإنه وإن كان أيوب قد اشتدت به المرارة جدًا بسبب ثقل التجارب، واتهامات أصدقائه له وعداوتهم له، فإنه كان يشتهي الموت، لكنه كثيرًا ما ترجى الدينونة الإلهية العادلة، والقيامة من الأموات. أما الأشرار ففي نظرتهم السوداوية للحياة أنكروا القيامة.

قصر الحياة أمر لا يقدر إنسان ما أن ينكره، لكن البار يتطلع إلى حياته كقنطرة للعبور إلى الأبدية بفرحٍ وسرورٍ، أما الشرير فتحطمه الظلمة التي في قلبه، فيسيطر اليأس عليه، وعوض الأعداد للحياة الأبدية بالتمتع ببرّ المسيح، يسلك بروح الأنانية.

لقد تجسد الكلمة الإلهي، وسلك طريق حياتنا الوقتية، وقبِل الموت في حداثة سنه، لكي بقيامته نترجي القيامة، وبحسب قصر حياتنا على الأرض عطية إلهية مفرحة.

يرى القديس أغسطينوس أن السيد المسيح ظهر للرسل بعد قيامته لا لهدف إلا ليؤكد قيامة الجسد. لم يرد أن يعلمنا شيئًا سوى أنه يلزمنا أن نؤمن بقيامة الأموات.

حقًا إن إيماننا بقيامة ربنا من بين الأموات وصعوده إلى السماوات تسند إيماننا برجاءٍ عظيمٍ. لأن هذه العقيدة تُظهر لنا بقوة كيف أنه بإرادته ذاك الذي له القوة أن يرفع حياته إلى فوق قد نزل بها من أجلنا. يا لعظمة الثقة التي يوحيها رجاء المؤمنين عندما يدركون عظمة الأمور التي احتملها من أجل البشر الذين لم يكونوا بعد مؤمنين عندما كان متوقعًا أن يأتي من السماء كديان الأحياء والأموات كان المهملون في رعب شديد، ولكن إذ كرسوا حياتهم بجهادٍ عظيمٍ امتلأوا شوقًا نحوه، سالكين في حياة مقدسة عوض خوفهم من مجيئه بسبب شر حياتهم.

إنه رجاء أكيد.. صار بالفعل حاضرًا واقتنيناه عمليًّا، حياتنا المستقبلة قد تحققت الآن في رأسنا ووسيطنا القائم من الأموات، الإنسان يسوع المسيح ++ القديس اغسطينوس

إن كنتم تؤمنون أن المسيح قد قام من الموت، فلابد لكم أن تؤمنوا أنكم قد قمتم بالمثل معه. وإن كنتم تؤمنون أنه جالس عن يمين الآب في السماوات فلابد أن تؤمنوا أنكم لم تعودوا فيما بعد في المشهد الأرضي، بل في السماوي. وإن كنتم تؤمنون أنكم قد مُتم مع المسيح، فيجب أن تؤمنوا أنكم سوف تحيون معه. وإن كنتم تؤمنون أن المسيح ميت للخطية وحيّ لله، فأنتم أيضًا يجب أن تكونوا أمواتًا للخطية وأحياء لله.

هذا لأن الإنسان الذي (يضع ذهنه في ما هو فوق) يُظهر إيمانه بمن أقام يسوع من الموت. وفيما يتعلق بهذا الإنسان، "فسيُحسب له الإيمان بّرًا". فإن كنا قد قمنا مع المسيح الذي هو البّر، ونمشي في جدّة الحياة، ونحيا بحسب البرّ، فالمسيح قد قام لنا، حتى نتبرر.. إذ قد اتخذنا حياة جديدة على مثال قيامته." +++ العلامة أوريجينوس

 الفكر غير البسيط يُفقد الإنسان رجاءه في مجيء الرب الأخير (الباروسيا) مما يدفعه نحو السلوك الشرير ++ القديس إكليمنضس الروماني

ظهر ليضع حدًا لخطايا اليهود ونخلص نحن عن طريق الوارث الرب يسوع الذي أُعد ليأتي إلى العالم، فيخلص بمجيئه نفوسنا السائرة في شعاب الموت والمستسلمة للطريق الشرير ++ رسالة برناباس

2. حياة في مهب الرياح إننا وُلدنا اتفاقًا، وسنكون من بعد كأننا لم نكن قط، لأن النَسمة في أنوفنا دُخان، والنطق شرارة من ضربات قلوبنا.

 يعتنق الأشرار بسلوكهم إلحادًا عمليًا، حيث يتطلعون إلى حياة الإنسان أنها وليدة صدفة بحتة، ليس من موضعٍ لخطة الله في أذهانهم، وينظرون إلى الموت الجسماني كنهاية للحياة، ليس من حياة أخرى ولا من قيامة.

نظرة الأشرار للحياة أنها تمتع بالملذات والمرح الزمني، إذ يحطم عدم الإيمان كل رجاء في البشر، فيشعرون وجودهم كأنه عدم؛ أرواحهم ليست من الله، بل هي دخان سرعان ما يتبدد بلا عودة، وأجسادهم تتحول إلى رمادٍ يتبدد كما بالرياح.

من أهم النقاط في فكر أوريجينوس الأخروي هو فهمه الرجاء المسيحي في القيامة. ففي مقدمة كتابه De Principiis ذكر بين التعاليم المحددة في كرازة الكنيسة هو الإيمان بأن للنفس مادتها وحياتها، التي تستمر بعد الموت، لتختبر مكافأة أو عقوبة على تصرفاتها، وتتوقع أنه سيأتي وقت للقيامة من الأموات. كما تحدث بعد ذلك في نفس العمل عن قيامة الجسد ويرى أن هذا الجسد سيقوم جسدًا روحيًا يختلف تمامًا في هيئته عما هو عليه حاليًا .

في الفصل النهائي للكتاب برهن بطريقة إيجابية عن خلود النفس حاسبًا أنه لأمر شرير أن ما في الإنسان على مثال الله مثل الذهن البشرى يمكن أن يفنى تمامًا.

 فإذا انطفأت عاد الجسمُ كالرماد، وتبدد الروح كالهواء الفارغ

يمثل هذه الأفكار التي يحولها الأشرار إلى فلسفات، غايتها تبرير الإنسان لممارسة الشرور بلا ضابط. كان كثير من الفلاسفة يعتقدون بفناء الجسد والنفس تمامًا.

إذا ما عزل الإنسان نفسه عن الله يرى نفسه تافهًا لا قيمة له، أشبه بالعدم، أما في الله فيرى نفسه موضع حب خالق السماء والأرض الذي أقامه رئيسًا يسوس العالم بالبرّ والقداسة، يرى نفسه الابن العزيز جدًا عند أبيه السماوي.

(المسيح) كلمة الحق، كلمة عدم الفساد، الذي يجدد الشخص البشري بإقامته إلى الحق. إنه يحثنا على الخلاص الذي يبطل الفساد وينزع الموت ++ القديس إكليمنضس السكندري

 تحدث العلامة أوريجينوس بوضوح أن أي شخص يحتقر قيامة الأموات كما تؤمن الكنيسة لا يكون له رجاء في المسيح، ما لم يؤمن أن النفس تحيا وتنتعش ولا تتقبل هذا الجسد في القيامة بل جسدًا من نوعٍ سامٍ.
 غير أن آباء الكنيسة يؤكدون أن الجسد القائم هو ذات الجسد الذي جاهد مع النفس في هذا العالم لكنه يحمل طبيعة مجيدة تليق بالحياة الأبدية.

 يليق بنا ألا نشك أن جسدنا المائت سيقوم ثانية في نهاية العالم... هذا هو الإيمان المسيحي، هذا هو إيمان الكنيسة الجامعة، هذا هو الإيمان الرسولي ++ القديس اغسطينوس

كما أن مملكة الظلمة والخطيئة تبقى مختفية في النفس إلى يوم القيامة، حيث تُغمر أجساد الخطاة بالظلمة المختفية الآن في النفس، هكذا مملكة النور والصورة السماوية - يسوع المسيح - يضيء الآن سرًا داخل النفس، ويملك في نفوس القديسين. إنه مخفي عن عيون الناس، لكن عيني النفس وحدها تنظران المسيح حقًا حتى يأتي يوم القيامة، حيث يغمر الجسد أيضًا بنور الرب ويتمجد به، ذلك النور المختفي الآن في نفس الإنسان.

كما أن النار التي كانت تتقد على المذبح في أورشليم دُفنت في حفرة، أثناء فترة السبي، وعندما حلّ السلام ورجع المسبيون إلى أورشليم، تحددت هذه النار عينها واشتعلت كما كانت سابقًا فبل السبي (2مل19:1)، هكذا الآن تعمل النار السماوية في هذا الجسد الذي ألفناه - هذا الذي في انحلاله (بالموت) يتحول إلى نتانة - فتجدد هذا الجسد، وتقيمه بعد أن فسد. فإن النار الداخلية التي تسكن الآن في القلب ستُستعلن حينئذ من الخارج وتحقق قيامة الجسد +++ القديس مقاريوس الكبير

 ويُنسى اسمُنا مع الزمن، ولا يذكر أحد أعمالنا، وتزول حياتنا كأثرِ سحابة، وتتبدد مثل ضبابٍ، تسوقُه أشعة الشمس، ويسقط بِحرارتها.

 يرى الأشرار غير المؤمنين أن حياتهم أشبه بضباب يسوقه شعاع الشمس، ثم يتكثف بحرارة الشمس، ويتحول إلى ماء يسقط على الأرض، فتتشربه ولا يصير له وجود. فمع زوال الحياة التي يُشبهها الأشرار بالسحابة تعبر لتظهر الشمس، يعتقدون بأنه لا يبقى للإنسان حتى ذكرى وسط الأجيال القادمة. يرى الشرير أنه لا خلاف بين نصيب الأشرار أو الأبرار بعد الموت.

يؤكد الكتاب المقدس: "ذِكرُ الصديق للبركة، واسم الأشرار ينخر" (أم 10: 7). كما يقدم الرب وعدًا للأبرار: "إني أعطيهم في بيتي وفي أسواري نصيبًا، واسمًا أفضل من البنين والبنات؛ أعطيهم اسمًا أبديًا لا ينقطع" (إش 56: 5). مثل هذا الوعد لا مكان له في فكر الشرير أو في قلبه.

3. غايتهم اللذة الزمنية فإن أيامَنا مُرور الظل عينه، ونهايتنا بلا رجعةٍ، لأنه مختومٌ عليها، فمَا من أحدٍ يعود.

يرى الأشرار أن حياتهم تمر مرور الظل، وهنا لا يقصدون مجرد قصر الحياة الزمنية، وإنما زوالها تمامًا بلا شيء، تكونت كالظل من لا شيء وتنتهي إلى لا شيء، مما يدفعهم إلى الانغماس في الملذات. أما يعقوب الرسول فإذ يقول: "لأنه ما هي حياتكم؟ إنها بخار يظهر قليلًا ثم يضمحل" (يع 4:4)، فباضمحلالها في هذا العالم نتمتع بحياة جديدة أبدية، لذا يضيف "فمن يعرف أن يعمل حسنًا ولا يعمل، فذلك خطية له" (يع 4: 17). شعور الأشرار بقصر الحياة يفسدهم، وشعور الأبرار بذلك يدفعهم لجهادٍ أعظم.

في يأسٍ شديدٍ يعتقد الأشرار في قصر الحياة، حيث لا هروب من الموت، ولا عودة من القبر. أما الصديقون، فإذ يؤمنون بعناية الله الفائقة وخطته، يدركون أن "لكل شيء زمان، ولكل أمر تحت السماوات وقت" (جا 1:3)، فالحياة ليست وليدة مصادفة، والأحداث لا تتم بلا تدبيرٍ إلهيٍ. الحكيم يدرك أن خلقته هي عطية إلهية، ولحياته رسالة مجيدة تحقق خطة الله من نحوه.

 فتعالوا نتمتع بالطيِّبات الحاضرة، وننتفع من الخليقة بحَمِيَّة الشباب.

يركز الأشرار على الطيبات الحاضرة، أو الملذات الوقتية عوض الأمجاد الأبدية. وكأن حياتهم القصيرة هي فرصة للانتفاع بالخليقة بكل وسيلة في حمية الشباب، أي كمن هم أصحاب قوة وقدرة، يتمتعون بالخيرات قبل حلول الشيخوخة والعجز.

 لنسكر من الخمر الفاخرة والعطور، ولا تفتنا زهرةُ الربيع.

مع إدراكهم أن الأمور الزمنية مؤقتة وزائلة، لكن بسبب شعورهم بأنهم في طريقهم إلى العدم، وليس من خلود للإنسان، فلا مجال للجهاد من أجل الحياة المقدسة في الرب، وإنما الترف واللذة هي متعتهم قبل حلول الفساد سواء للمادة أو لهم هم أنفسهم. فرحهم ينصب في اللذة. أما المؤمن فيتلمس حب الله الخالق في العالم الجميل الذي أوجده له، لكن يجد متعته في تقديم الشكر للخالق على عطاياه، وليس في الاستعباد للمادة. إنه يعتز بممارسته الحرية التي وهبت له، فيبقى دائمًا السيد للمادة وليس عبدًا لها.

 يقول القديس إكليمنضس السكندري إن الطعام ليس هدفًا نشتهيه، بل وسيلة حياة، فتقودنا كلمة الله لا شهوة الطعام، للتمتع بالأبدية.

لا يكون الطعام هو شغلنا الشاغل، ولا هو متعتنا وهدفنا في الحياة، بل هو وسيلة لحياتنا التي يدبرها الرب "الكلمة" ليقودنا إلى الأبدية...

 لم يدركوا أن الله أعطى مخلوقه الإنسان الطعام والشراب لكي يعيش ويستمر في الحياة، وليس من أجل اللذة...

لقد خُلقنا لا لنأكل ونشرب، بل لنكرس أنفسنا لمعرفة الله.. فإن البطن الشرير لا يشبع أبدًا (أم 5:13)، إذ تملأه الشهية التي لا تشبع ولا ترتوي.

يلزم أن يكون لدينا نوع من التمييز فيما يختص بالطعام، فيكون الطعام بسيطًا، عاديًا جدًا، مناسبًا لأولاد بسطاء.. يمهد لحياة تقوم على أمرين أساسيين هما الصحة والقوة. هذا يتفق مع كون الطعام بسيطًا بلا تعقيد، فيكون سهل الهضم، يجعل الجسد خفيفًا رشيقًا، يحقق النمو والصحة.

فن الطهي التعس يفسد التذوق، كما يحدث في فن صناعة الحلوى والفطائر.

لا يكتسب الجسم البشري أية فائدة من البذخ في أصناف الطعام، بل على العكس من ذلك فإن الذين يستخدمون الحد الأدنى من الطعام هم أكثر قوة وأفضل صحة وأكثر شرفًا وكرامة، فنرى الخدم أحسن صحة من سادتهم، والفلاحين أكثر صحة في البدن من أصحاب الأملاك .

 الفلاسفة أحكم من الأغنياء، لأنهم لا يدفنون العقل تحت أكوام الطعام، ولا يخدعون أنفسهم باللذات والمتع، ولكن وليمة المحبة "أغابي" `agapy هي في الطعام السماوي، وفي وليمة العقل والتفكير السليم...

النهِم يكون كمن يدفن عقله في بطنه +++ القديس إكليمنضس السكندري

 أما عن السكر بالخمر ووضع أكاليل من الزهور على الرؤوس فقد كانت ضمن الطقوس الوثنية ترتبط بممارسة الرجاسات والعبادة للأصنام.

ولنتكلَّل ببراعم الورد قبل ذبوله.

 كانت المسارح والملاعب تُستخدم عادة للاحتفالات الخاصة بالآلهة الوثنية أو بالحاكم أو الإمبراطور كإله، وكان لها طقوسها الخاصة، مثل إنارة مشاعل ووضع أكاليل من الزهور على رؤوسهم. وقد اضطر بعض المسيحيين في القرون الأولى ، بسبب البسطاء أو الضعفاء في الإيمان، رفض استخدام الزهور، ليس لأنها دنسة، ولكن لأنها ارتبطت بعبادة الشيطان والأوثان. مع هذا يقول الشهيد يوستين (110- 165):

كل شيء يُولد كعطية الله التي لا تُنتهك حرمتها، لا يُمكن انتهاكها بعمل بشري (حتى وإن استخدمت في طقوس وثنية). على أي الأحوال، نحن نمتنع عن استخدامها حتى لا يعتقد أحد أننا نخضع للشياطين الذي من أجلهم يُشرب الخمر، أو أننا نخجل من ديانتنا.

 بالتأكيد زهور الربيع مبهجة لنا، فإننا نختار وردة الربيع والسوسنة وغيرها من الزهور ذات الألوان المبهجة للغاية والرائحة الذكية، ونستخدمها سواء كلٍ منها بمفردها أو ننثر أوراقها أو ننسجها معًا كأكاليل نزين بها رقابنا.

ويقول مونيكوس فيلكس Minucius Felix (القرن الثاني أو الثالث) إن الزهور نافعة لحاسة الشم حيث تستقبل الأنف رائحة زكية.

يقول القديس إكليمنضس السكندري: الذين تعلموا بواسطة اللوغوس يمتنعون عن ارتداء أكاليل (الزهور). إذ يحسبون أنه ليس من الضروري أن يقيدوا أذهانهم التي في رؤوسهم، ليس لأن الإكليل رمز لحياة السكر الجامحة، وإنما لأنها ترتبط بالوثنية.

 ولا يكن فينا من لا يشترك في قصفِنا. لنترك في كل مكان علامات ابتهاجنا، فإن هذا حظُّنا، وهذا نصيبُنا.

 إذ لا يشغلهم شيء سوى حياة القصف أو العربدة الصاخبة revelry والخلاعة wanton. فإنهم يدعون أقرباءهم وأصدقاءهم إلى الشركة في هذه الحفلات الماجنة، متطلعين أنها الحياة بعينها والبهجة، وأن هذا هو نصيب الإنسان المفرح. بدونها تُحسب لحياة موتًا، لا طعم لها.

4. شريعتهم شريعة الغاب لَظلُمِ البارَّ الفقير، ولا نشفق على الأرملة ولا نَهَبْ شَيبة الشيخ الكثير الأيام.

الأشرار في انحلالهم يريدون أن يبكموا صوت الحكمة والعدالة، يقاومون الحكماء ولا يبالون بخبرة الشيوخ المتعقلين.

فقدان الأشرار الرجاء في الخلود لا يدفعهم إلى اللذة فحسب، وإنما يجدون متعتهم في اغتصاب الآخرين حتى الفقراء والأرامل والشيوخ. لقد فقدوا الشعور بالحب والحنو، فصار قانونهم الظلم والسلب غير مبالين باحتياجات الفقير أو مرارة نفس الأرملة أو ضعف الشيخ. رأوا أن من حقهم ممارسة القوة، وأن في هذا التصرف عدالة.

باعتزالهم الله مصدر الحب والحنو والنموذج العملي للقيم السليمة والمبادئ فقدوا كل إحساس وعاطفة، واختلت موازينهم الداخلية، صاروا أبشع من الوحوش المفترسة تحركها الغريزة والشهوة، تقسو بعنفٍ دون أن تدري.

 بل لتكن قوتنا شريعة العدل، فإنه من الثابت أن الضعف لا يُجدي نفعًا.

شريعة الأشرار ومبدأهم ليس ناموس الله، بل شريعة القوة، بكونها فوق الحق. شريعتهم هي شريعة الغاب. يرون في الحب وطول الأناة والاحتمال ضعفا وخنوعًا لا يليق بهم.

يا أيها المتعالون والمتكبرون والمتعجرفون، تذكروا الموت، الذي سيحطم تعاليكم ويحل أعضاءكم ويفك المفاصل ويحل الفساد بالجسم وكل أشكاله. بالموت ينحط المتعالون، والعنفاء القساة يُدفنون في ظلمته...

يا أيها الجشعون المغتصبون والسالبون لزملائكم تذكروا الموت، ولا تضاعفوا خطاياكم. ففي ذلك الموضع لا يتوب الخطاة، ومن سلب ممتلكات رفيقه لا يملك حتى ماله، بل يذهب إلى الموضع الذي لا تُستخدم فيه الثروة، ويصير بلا شيء، تعبر عنه كرامته، وتبقى خطاياه لتقف ضده يوم الدينونة ++ القديس أفراهاط

5. بغضهم للأبرار ولنكمُن للبار فإنه يُضايقنا، يُقاوم أعمالنا، ويلومنا على مخالفاتنا للشريعة، ويتَّهمنا بأننا نسيء إلى تعليمنا.

 لم يقف الأشرار عند الانهماك في الشهوات واستخدام العنف والظلم حتى مع الفقراء والمساكين، بل يحاولون الإيقاع بالأبرار، ونصب شباكٍ وفخاخٍ لهم، لأنهم يرفضون الشركة معهم في شرورهم، ولأنهم يوبخونهم على تصرفاتهم الخاطئة، إن لم يكن بالكلام فبسلوك الأبرار.  بهذا يصير منظر البار ثقيلًا للغاية عليهم، لأنه يوبخهم.

 يرى البعض أن هذه العبارات تحمل نبوات واضحة عن ربنا يسوع المسيح البار الذي بتصرفاته كما بتعاليمه وبَّخ الكتبة والفريسيين، فلم يحتملوه، إنما كمنوا لقتله والتخلص منه بالصليب.

والعجيب أن الأشرار لا يحتملون البار حتى بعد موته، فتبقى ذكراه موبخًا لهم. هذا حدث مع السيد المسيح حتى بعد موته وقيامته، إذ لم تستطع القيادات اليهودية أن تسمع اسم يسوع، وكان الاتهام الموجه ضد المسيحيين هو اتهام الاسم. وكانت صرخات القيادات ضدهم أنهم يجلبون هذا الاسم عليهم.

 النور الإلهي المشرق في حياة البار لا تحتمله الظلمة الكامنة في قلوب الأشرار. فالعالم بظلمته لا يقبل النور، وكما قال السيد المسيح في صلاته الوداعية عن تلاميذه: "العالم أبغضهم، لأنهم ليسوا من العالم" (يو17: 14).

يرى القديس أمبروسيوس أن يوسف وجد إخوته في دوثان (تك 37: 17) والتي تعني "الهجران"، بهذا يمثلون النفوس التي تهجر الله، ولا تريد أن تأتى إليه لتجد فيه راحة (مت 11: 28). هؤلاء إذ رأوا يوسف قادمًا من بعيد ثاروا ضده وأرادوا قتله (تك 37: 28). لقد ثاروا وهو بعيد عنهم، هكذا عندما جاء السيد المسيح إلى خاصته ليقترب إليهم رفضوه ودبروا قتله، قائلين ما ورد في سفر الحكمة: "ولنكمن للبار، فإنه يضايقنا" (حك 2: 12) .

لنهرب من سلام الأشرار، فإنهم يتآمرون ضد الإنسان البار. يجتمعون معًا، ليضغطوا على من هو بار ++ القديس أمبروسيوس

إذ كانت أفكار اليهود هي أن يصنعوا بالرب ظلمًا... نسوا أنهم كانوا يجلبون الغضب ضد أنفسهم لهذا بكى الرب عليهم (على لسان النبي) قائلًا: "لماذا ارتجت الأمم، وتفكرت الشعوب في الباطل" (مز 1:2).

حقًا باطل هو تفكير اليهود، إذ يفكرون في الموت ضده الحياة، ويشيرون بأمور غير معقولة ضد كلمة الآب!

ومن يتطلع الآن إلى تشتيتهم وخراب مدينتهم يقول: "الويل لهم، فقد فكروا شرًا ضد أنفسهم".

حسن هو هذا يا اخوتي، لأنهم إذ أخطأوا في حق الكتاب المقدس لم يعرفوا أن "من يحفر هوة يقع فيها، ومن ينقض جدارًا تلدغه حية" (جا 8:10) ++ البابا أثناسيوس الرسولي

قيدوا يسوع وأحضروه إلى دار رئيس الكهنة، أتريد أن تعرف كيف سبق أن كُتب هذا أيضًا؟ يقول إشعياء: "ويل لنفوسهم لأنهم يصنعون لنفسهم شرًا، قائلين: لنقيد البار، لأنه مغلق لنا" (راجع إش 3: 9، حك 2: 12) نعم ويل لنفوسهم.

لترى كيف هذا، فإن إشعياء نُشر إلى أجزاء، وبعد ذلك انصلح الشعب. إرميا طُرح في جب من طين، لكن جرح اليهود شفي، إذ أن آثامهم كانت قليلة لأنها موجهه ضد إنسان. لكن عندما أخطأ اليهود إلى الله المتأنس قيل: "ويل لنفوسهم... لنقيد البار!"

ألم يكن قادرًا على إطلاق سراح نفسه؟! قد يقول قائل: الذي حل لعازر من رباطات الموت في رابع يوم، وأطلق سراح بولس من قيود السجن الحديدية، أما كان قادرًا على إطلاق سراح نفسه؟

لقد وقفت الملائكة مستعدة تقول: "لنقطع قيودهم" (مز 2: 3)، لكنهم أحجموا، لأن سيدهم شاء أن يقبل هذا.

اقتيد إلى المحكمة أمام الشيوخ. وهذه شهادة عن ذلك "الرب يدخل في المحاكمة مع شيوخ شعبه ورؤسائهم" (إش 3: 14) +++ القديس كيرلس الأورشليمي

 يزعُمُ أن عندهُ علم الله، ويُسمي نفسه ابن الرب.

إذ بكَّت يسوع البار اليهود في مواضعٍ كثيرةٍ (مت25؛ يو8)، وكشف لهم عن مرضهم، لم يحتملوا هذا العالم بل طلبوا أن يقتلوه، "لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضًا إن الله أبوه، معادلًا نفسه بالله" (يو 5: 18).

صار لَومًا على أفكارنا.

يرى القديس يوحنا ذهبي الفم أن الله لا يعزل الأبرار عن الأشرار، بل يسمح باختلاطهم معًا لصالح الطرفين. فالأشرار يتطلعون إلى الأبرار، فيوبخهم برّ الأبرار، ومن الجانب الآخر يُحسب هذا مكسبًا للأبرار حيث يكونون سببًا لتوبة بعض الأشرار.

وحتى منظره ثقُل علينا. لأن سيرته لا تُشبه سيرة الآخرين، وسُبُله مختلفة.

صار في أعينهم شاذًا، فالبٌر بالنسبة لهم ضعفًا وتخاذلًا، والعنف والسلب قوة وشهامة. صار الخير في أعينهم شرًا، والشر خيرًا.

يوجد نفع للأشرار باختلاطهم بالصالحين، فإنه يشعرون بارتباك، ويخجلون، ويستحون في حضورهم. فإنهم حتى وإن لم يمتنعوا عن الشر، لكنهم لا يجسرون على فعل ما يصنعونه في سرية. وهذا أمر ليس هينًا، ألاَّ يرتكبوا معصية علانية. تصير حياة الآخرين مُتهمًا لشر أولئك.
اسمعوا على الأقل ما يُقال عن الإنسان البار. "صار خطرًا علينا حتى منظره" (حك 2: 14) إنها بداية ليس هينة للإصلاح خلال التعذيب بحضور (الإنسان البار).

 يكره السارق النور.

مجرد التطلع إلى الإنسان البار أمر بغيض بالنسبة للخطاة. "حتى منظره مُحزن لنا" (حك 2: 15). إذ لا يحتملون بهاءه، وذلك مثل العيون المريضة التي لا تحتمل أشعة الشمس.

ولكن بالنسبة لكثيرين محزن لهم لا أن يروه فحسب، بل وحتى أن يسمعوا عنه++ القديس يوحنا الذهبي الفم

 أمسَينا في عينيه شيئًا مُزيَّفًا، ويتجنبُ طُرُقنا تجنب النجاسات. يُغبِّطُ آخرَةَ الأبرار، ويتباهى بأن الله أبوه.

لا يليق بالبار أن يستخف بالخطاة، ولا أن يدينهم، وإن كان لا يقبل شرورهم، ولا يسلك في طرقهم. لا يليق به أن يهينهم ولو بنظراته، بل أن يترفق بهم ويحبهم في الرب طالبًا خلاصهم. لكن الأشرار وهم عالمون فساد طرقهم ورفض البار السلوك معهم في ذات الطريق، يدركون أنه يعلِّمهم أن طريقهم باطل ومزيف، وأنه يتجنب طرقهم، لأنه يطوِّب نهاية الأبرار، ويعتز بروح البنوة لله، هذه الروح التي قدمتها له نعمة الله الغنية في مياه المعمودية.

 لكن ما هو ردّ فعل الأشرار المصرِّين على شرهم؟ يقولون:
فلننظر هل أقواله صادقة، ولنختبر كيف تكون عاقبته؟
عوض الاقتداء بالبار، يسخرون منهم، كما سخروا بالقدوس البار ابن الله الوحيد.

6. مقاومة للأبرار حتى الموت فإن كان البارُّ ابن الله، فهو يعينه وينقذه من أيدي مقاوميه.

 يعتز الأشرار بقوتهم الغاشمة ويظنون أنه ليس من قوة تقدر أن تقف أمامهم، حتى الله نفسه. وإذ يسيئون إلى البار يسخرون به قائلين: "إن كان الصديق ابن الله فلينصره وينقذه من أيدي مقاوميه". هكذا يتحدون الله نفسه إن كان يستطيع أن ينقذ البار من أيديهم.

هنا نبوة واضحة عن السيد المسيح، حيث سخروا منه، حتى قال اللصان: "خلَّص آخرين، أما نفسه فلم يقدر أن يخلصها". وقيل عنه: "إن كان ابن الله، فلينزل عن الصليب فنؤمن به". لم يدركوا أنه بالصليب انتصر السيد المسيح على الشيطان، وبموته داس الموت، خلص البشرية كلها حتى تنتصر وتتكلل به.

 فلنمتحِنْهُ بالشتْمِ والتعذيب، لكي نعرف حلمه ونختبر صبره.

 هذا التحدي كان قائمًا بين الشيطان  شخصيًا أو خلال حزبه الذي دخل معه في عهدٍ والله في أشخاص مؤمنيه من رجال العهدين القديم والجديد، وقد بلغ القمة عند مجيء ابنه الوحيد الجنس، فظن عدو الخير أنه قادر على الخلاص منه تمامًا بالصليب، حيث جهل العدو تواضعه وخطته لخلاص العالم. ويبقى هذا التحدي قائمًا بين العالم الذي وُضع في الشرير وبين كنيسة الله، يتزايد ليبلغ القمة بمجيء ضد المسيح في آخر الأيام، حيث يدرك عدو الخير أن نهايته قد اقتربت جدًا.

 ولنحكم عليه بميتَةِ عارٍ، فإنه سيُفتَقدُ بحسب أقواله".

 يرى كلًا من القديس أغسطينوس والعلامة أوريجينوس أن الأشرار يحكمون على البار - ربنا يسوع - بموت العار، أي بالصليب، ولم يدركوا أنه بالصليب كان في قمة المجد خلال حبه وتواضعه.

 ها نحن نرى هذه النبوة (حك 2: 12-21) في شكل اشتياق وصلاة، تحققت في يسوع المسيح +++ القديس أغسطينوس

لقد تمجد عندما جاء إلى الصليب وعندما احتمل الموت. أتريدون أن تعرفوا أنه قد تمجد؟ قال بنفسه: "أيها الآب، قد أتت الساعة؛ مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضًا" (يو 17: 1). احتمال الصليب كان مجدًا له، لكن مجده لم يكن في منظرٍ جميلٍ، وإنما في تواضعٍ. فقد قيل عنه: "تواضع حتى الموت، موت الصليب" (راجع في 2: 8). وقد تنبأ النبي عن ذلك، قائلًا: "ولنحكم عليه بميتة عارٍ" (حك 2: 20). ويقول عنه إشعياء: "من الضغطة ومن الدينونة أُخذ" (إش 53: 8) . العلامة أوريجينوس

 وكما أراد العدو الخلاص من السيد المسيح بالصليب، هكذا لا يكف عن أن يجاهد في قتل المؤمنين وتحطيمهم منذ ولادتهم. يعلق العلامة أوريجينوس على العبارة: "ثم أمر فرعون جميع شعبه قائلًا: كل ابن يولد تطرحونه في النهر، لكن كل بنت تستحيونها" (خر 22:2)، قائلًا:

أترون بماذا يأمر رئيس هذا العالم خدامه؟ إنه يأمر بسرقة أولادنا، وإلقائهم في النهر، ونصب الشباك على الدوام منذ ولادتهم. يأمر بالهجوم عليهم منذ يبدأون في لمس ثديي الكنيسة ويطلب نزعهم عنها ومطاردتهم حتى تبتلعهم أمواج العالم...

 تأمل الخطر الذي يهددك منذ ولادتك، بل بالأحرى منذ ولادتك الجديدة، أي منذ نوالك المعمودية مباشرة... فقد أُصعد يسوع إلى البرية من الروح ليُجرب من إبليس (مت 1:4).

هذا هو أمر فرعون لشعبه بخصوص أولاد العبرانيين، أي الهجوم عليهم واقتناصهم في لحظة ولادتهم وإغراقهم... لكن المسيح انتصر حتى يفتح لك طريق النصرة، انتصر وهو صائم حتى تدرك أنت أيضًا كيف تخرج هذا الجنس بالصوم والصلاة (مر 29:9) .

7. إنكارهم الخلود هكذا فكروا، ولكنهم ضلُّوا، لأن شرَّهم أعماهُم.

 يمنعهم كبرياؤهم عن مراجعة أنفسهم، فثبتوا في الجهل والضلال والعمى الروحي.

توغلهم في الشر أعماهم عن رؤية حكمة الله في طول أناته ليهبهم فرصة للتوبة، وكيف يزكي الأبرار باحتمالهم الآلام لينالوا أكاليل مجدٍ في السماء. لم يدركوا القوة العاملة في حياة أولاد الله والتي تهبهم سلامًا وسط الضيقات، وشعور بمعية الله، فيفرحوا ويتهللوا وسط الآلام.

هؤلاء ينتعشون في سعادة هذا العالم، ويهلكون في قوة الله. ليس فيما هم ينتعشون يهلكون بذات الأمر؛ لأنهم ينتعشون إلى حين، ويهلكون أبديًا. ينتعشون في خيرات غير حقيقية، ويهلكون في عذابات حقيقية+++ القديس أغسطينوس

 فلم يعرفوا أسرار الله، ولم يرْجوا جزاءً للبرّ، ولم يقدِّروا تكريمَ النفوس التي بلا لومٍ.

لا يعرف الأشرار أسرار الله، أي حكمته ومقاصده من نحو الإنسان، إذ لا يختبرونها في حياتهم. كما لا يبالون بما ورد في الشريعة عن مجازاة الأبرار وهلاك الأشرار. لم يعرفوا أو تجاهلوا ما ورد في سفر التكوين عن الإنسان أنه صورة الله، وخُلق على مثاله (تك 27:1). إنهم إذ لا يذوقون عربون السماء هنا، لا يكون لهم نصيب مع الأبرار في المجد الأبدي، بل ولا حتى يؤمنون به.

أولئك الذين يرضون بالإثم لا يكون لهم نصيب بين الخالدين +++القديس أنطونيوس الكبير

 فإن الله خلق الإنسان لعدم الموت، وجعله صورة ذات أبديته.

لم يكتفِ الله بأن يخلقنا من العدم، ولكنه وهبنا أيضًا بنعمة الكلمة إمكانية أن نعيش حسب الله، ولكن البشر حولوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وبمشورة الشيطان تحولوا إلى أعمال الفساد الطبيعي، وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فسادٍ بالموت. لأنهم كانوا - كما ذكرت سابقًا - فاسدين، لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعي لو أنهم بقوا صالحين. ولأن الكلمة سكن فيهم، لم يمسهم فسادهم الطبيعي، كما يقول سفر الحكمة: "الله خلق الإنسان لعدم الموت، وجعله على صورة أزليته، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم".

وبعدما حدث هذا بدأ البشر يموتون. هذا من جهة الوقت إذ بدأ الفساد يسود عليهم +++ البابا أثناسيوس الرسولي

 لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم، فيختبرُه الذين هم من حِزبه.

"الموت" هنا هو الموت الروحي الذي يسقط تحته الأشرار.

ليس للإنسان عدو حقيقي إلاَّ إبليس الذي لا ييأس من العمل الدائم ليضم أكبر عدد ممكن من البشرية إليه، لا لهدفٍ سوى مشاركته للهلاك الذي يحل به. يستخدم إبليس كل وسيلة، تارة خفية وأحيانًا علانية، كتشكيك الإنسان في الله، وجذبه بالملذات.

 ماذا يعني بالقول: "بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم"؟ أنتم ترون أن هذا الوحش الشرير رأى أن الإنسان الأول قد خُلق خالدًا، فبسمته الشريرة قاده إلى عصيان الوصية، وبها جلب لنفسه الموت. إذن الحسد سبب خداعًا، والخداع عصيانًا، والعصيان موتًا +++ القديس يوحنا الذهبي الفم

 الحسد دائمًا ما يتبع طريق الفضيلة. وكما يقول هورس Horace بأنه حتى قمة الجبل تُضرب بالبرق. ليس بالأمر المدهش أن أعلن ذلك للرجال والنساء، عندما نرى حسد الفريسيين قد نجحوا في صلب ربنا نفسه. كل القديسين لهم من يكنون لهم رغبات شريرة، حتى الفردوس (الجنة) لم يكن خاليًا من الحية التي من خلال حقدها جاء الموت إلى العالم (رجع 2: 24) +++القديس جيروم

في الواقع يوجد صراع بين الفضيلة وحسد (إبليس). واحدة لضبط كل عصب ليقهر الصلاح، والثانية تحتمل كل شيء لكي يعيش الإنسان غير خاضعٍ. واحدة تعمل لتُسهل طريق الرذيلة، والثانية تتمسك بالصلاح حتى وإن عانى الإنسان متاعب أكثر من الآخرين ++ القديس غريغوريوس النزينزي

"بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم" (حك 2: 24). قدم الشيطان الموت لنا، لكن ليس من إلزامٍ على الإنسان أن يقبله، لأنه ليس للشيطان أن يجلب عليك شيئًا. موافقتك يا أيها الإنسان قادتك إلى الموت .

الآن إذ جاء الموت إلى الناس من إبليس، ليس لأنهم ذريته، وإنما لأنهم تمثلوا به، لذلك أضاف في الحال: "والذين صاروا من حزبه تمثلوا به" (راجع 2: 24) ++القديس أغسطينوس

إن فحصت الأمر جيدًا، تجد أنه لا يمكن أن يصيبني أي ضرر من أي إنسان مهما كان مؤذيًا، ما لم أحارب نفسي... فإن لحقني الضرر، فالخطأ ليس بسبب هجوم الآخرين، إنما لعدم احتمالي. وذلك كالطعام الدسم جدًا، مفيد للإنسان المتمتع بصحة جيدة، إلا أنه مضر للمريض، فهو لا يضر الإنسان الذي يتناوله ما لم يكن هو مريضًا أصلًا. ومهما يكن الأمر، فعليكم أن تعرفوا أن خطية الحسد يصعب الشفاء منها أكثر من بقية الخطايا، فهي الوباء الذي رمز له النبي: بالحيات "لأني هأنذا مرسل عليكم حياتٍ أفاعيَ لا تُرقَى، فتلدغكم يقول الرب" (إر17:8).

 بحق قارن النبي لدغات الحسد بسم الأفاعي المميت... فهي مصدر سموم، لكنها تَهلك وتموت بعد لدغها للشخص. فالحاسد لا يضر المحسود، بل يُهلك نفسه بنفسه قبل أن يؤذي المحسود، يُهلك نفسه قبل أن يصب سم الموت على الغير، لأنه "بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم فيذوقه الذين هم من حزبه" (حك 2: 24-25). كما أن أول من هلك (إبليس) بواسطة الحسد لا يجد علاجًا للتكفير ولا الشفاء، كذلك الذين يسمحون لأنفسهم أن يكونوا حاسدين، تُستبعد عنهم مساعدة أي راقٍ مقدس، لأنهم لم يُعذبوا بخطايا الآخرين، إنما تعذبوا بتفوق ونجاح من يحسدونهم. وهم يخجلون من إظهار الحقيقة، فيبحثون عن عللٍ خارجيةٍ تافهة يبررون بها الخطية، وإذ يزيفون الحقيقة على الدوام، لذلك يبقى رجاؤهم في الشفاء باطلًا، بينما يسري في شرايينهم السم المميت الذي لا يفرزونه، بل ينبعث فيهم بسبب نجاح الآخرين.

الحسد يصعب شفاؤه، لأنه بالبحث عن أسبابه، يصير إلى حال أردأ. يبحث في الأسباب الخارجية لا الحقيقة الداخلية، ويزداد شدة بتقديم الخدمات والهدايا للحاسد، لأنه كما يقول سليمان نفسه: "أَنه يقف قدام الحاسد" (أم 4:27). على قدر ما ينجح الآخر (المحسود) في الخضوع والتواضع أو في فضيلة الصبر أو الكرم، تزداد وخزات حسد الآخر، إذ لا يود إلا هلاك المحسود وموته +++ الأب بيامون

مجموعة مختارة من اقوال الاباء القديسين رقم 14


مجموعة مختارة من اقوال الاباء القديسين رقم 14 

 نحن نعلم من هذا التعليم عن ذاك الموت كتحرر للنفس من (قيود) الجسد، كنوعٍ من الانفصال (بين النفس والجسد) في الإنسان، فإننا نتحرر من هذا القيد الذي بين النفس والجسد برحيلنا (من هذا العالم). يقول داود أيضًا: "حللت قيودي، فلك اذبح ذبيحة حمد" ++ القديس أمبروسيوس

 عداوة الجهلاء ضد مؤمني الله موجهة إلى الله نفسه، لهذا تُعتبر إلحادًا عمليًا. إنهم يأكلون كنيسة الله بإغاظة القديسين وتعذيبهم وقتلهم دون سبب سوى أنهم رجال الله. "الذين يأكلون شعبي كأكل الخبز... هناك جزعوا خوفًا حيث لا خوف" (مز14 عدد 4 : 5) .خافوا لئلا يفقدوا المملكة الأرضية حيث لا حاجة إلى الخوف، وها هم يفقدون المملكة السماوية التي كان يليق بهم أن يخافوا فقدانها +++ القديس اغسطينوس

من لا يقبل كأس الخلاص ببهجةٍ وطيب نفس؟ من لا يشتهي بفرح وسرور أن يرد لربه شيئًا مما له؟ من لا يقبل بشجاعةٍ وبدون تردد الموت العزيز في عيني الرب، لكي يُسر عينيه، هذا الذي يتطلع علينا من فوق إلى أسفل، نحن الذين نصارع من أجل اسمه؛ يستند إرادتنا، ويعين في الجهاد لنوال الأكاليل مقابل الصبر والصلاح والحب، فيكلل فينا ما يهبه هو لنا، ويكرَّم ما حققه فينا؟ +++ الشهيد كبريانوس


 أعدوا أنفسكم أن تذهبوا إلى خالقكم، وتمزقوا قلوبكم لا ثيابكم" (يوئيل 2: 13)، وتسألوا أنفسكم: "ماذا نرد للرب من أجل كل حسناته لنا؟!" +++ القديس الانبا انطونيوس

 أرض الأحياء هي الدهر العتيد، حيث لا يكون للموت فيه سلطان علينا. يُقال عن الذين ينعمون بها: "هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة... لن يجوعوا بعد، ولن يعطشوا بعد، ولا تقع عليهم الشمس، ولا شيء من الحر، لأن الحمل الذي في وسط العرش يرعاهم، ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية، ويمسح الله كل دمعه من عيونهم" (رؤ 7: 13، 16-17). ++ الأب أنسيمُس الأورشليمي

 كنت في الأصل لا شيء وهو خلقني. كنت مفقودًا وهو بحث عني ووجدني. عندما كنت أسيرًا خلصني. اشتراني ورعاني. كنت عبدًا، وجعلني له أخًا؛ فماذا أرد للرب؟ ليس لديكم شيئًا تقدمونه له. فإنكم تطلبون منه كل شيء، فماذا تعطون؟ ++ القديس اغسطينوس

أين سأرضي الرب؟ "في كورة الأحياء". هذه الأرض هي أرض الأموات، أما الأخرى فهي أرض الأحياء... لقد عرف (داود) هذا العالم ليس كأرض الأحياء بل أرض الأموات. هل تريد أن تعرف أرض الأحياء؟ يخبرنا الرب في الإنجيل: "أنا إله إبراهيم، وإله إسحق وإله يعقوب" (مت 22: 32)، وكانوا أمواتًا ++ القديس جيروم

جاء الكلمة لكي تأتي الأرض المهجورة بثمرٍ لنا. جاء الكلمة، وتبعه الصوت. فإن الكلمة أولًا يعمل في الداخل قبل أن يتبعه الصوت. لذلك يقول داود: "آمنت عندئذ تكلمت" (مز 116: 10) ++ القديس أمبروسيوس

"حتى متى تصرف وجهك عني؟" إذ الله لا ينسى، لذلك فهو لا يحجب وجهه، إنما يتحدث الكتاب المقدس بلغتنا البشرية، فيقول إن الله يحجب وجهه بعيدًا عنا، وذلك حينما لا يُعلن معرفته عن ذاته للنفس التي لم تتطهر عيني فكرها بما فيه من كفاية+++ القديس اغسطينوس

الفم هو مصدر كل شر، بالحري ليس الفَم بل الذين يُسيئون استخدامه، فمنه تصدر الشتائم، والإهانات، والتجاديف، وما يثير الشهوات، والقتل، والزنا، والسرقات، هذه جميعها مصدرها إساءة استخدام الفم. ربما تسأل: كيف يسبب قتلًا؟ لأنه من السب يُثار الغضب، ومن الغضب الضرب، والضرب يدفع إلى جريمة قتل. مرة أخرى: كيف يسبب زنا؟ ربما يقول قائل: "هذه المرأة تحبك، وتداعبك بكلام لطيف". هنا تشتعل الشهوة في داخلك +++ القديس يوحنا الذهبي الفم

لكي نقترب من النور الحقيقي، أعني المسيح، نسبحه في المزامير، قائلين: "أنر عينَّي لئلا أنام نوم الموت". فإنه موت حقيقي هو موت النفس لا الجسد حين نسقط عن استقامة التعاليم الصادقة ونختار الباطل عوض الحق. لذلك يلزم أن تكون أحقاؤنا ممنطقة وسرجنا موقدة كما قيل لنا هنا +++ القديس كيرلس الكبير

 يوجه المسيحي كل عمل - صغيرًا كان أم عظيمًا - حسب مشيئة الله، متممًا إياه بكل حرص ودقة، ويحفظ أفكاره مثبتة في (الله) الواحد الذي وهبه العمل لكي يتممه، بهذه الكيفية يتم القول: "تقدمت فرأيت الرب أمامي في كل حين، لأنه عن يميني كي لا أتزعزع" ++ القديس باسيليوس الكبير

كن مرذولًا في عيني نفسك، فترى مجد الله في داخلك، فإنه حيث يوجد الاتضاع، هناك يسكن الله +++ مار اسحق السرياني

تكون الأمم كلها صفوفًا، مرتلين ومسبحين لله بفرحٍ وسرورٍ، ساكنين في المدينة السابق تفسيرها التي أساساتها مبنية على الجبال المقدسة، وهي غير مختفية. وكما قال ربنا له المجد لأنها مبنية على جبلٍ. أما أبوابها ومداخلها فهي عندنا. وأما في وسطها فساكن فيها كافة المؤمنين مصطفين بنظامٍ إلهيٍ ومملوءين من كل فرحٍ روحي. وهي التي بناها المسيح الإله. +++ الأب أنسيمُس الأورشليمي

يرى البابا ثاؤفيلس أنه عند انتقال (روح) إنسانٍ من هذا العالم يقف فريقان، فريق من قوات الظلمة يترقبون ضمها إليهم، لتشاركهم مصيرهم، وفريق من الملائكة يترقبون استقبالها بروح الفرح لتنعم بالفردوس السماوي.

تفسير سفر الخروج 3 ++ العُلِّيقة المُتَّقدة نارًا ++ القمص تادرس يعقوب



تفسير  سفر الخروج 3 ++ العُلِّيقة المُتَّقدة نارًا ++ القمص تادرس يعقوب

 1. العُلِّيقة المُتَّقدة نارًا:

بينما كان موسى يرعى غنم حميه يثرون ساق الغنم إلى وراء البرية وجاء إلى جبل الله حوريب، إذا به يرى عُلِّيقة تتقد نارًا ولا تحترق فقال: "أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم" . هنا دخل موسى النبي إلى مرحلة جديدة هي مرحلة اللقاء مع الله الذي هو سرّ القوة، والراعي الخفي الذي يعمل لخلاص العالم وبنيان الكنيسة.

والآن إلى أي شيء تشير هذه العُلِّيقة المُتَّقدة؟

 أ. إن كلمة "العُلِّيقة" بالعبرية كما جاءت في العددين(2، 3) تعني "العُلِّيقة المملوءة شوكًا The thorny bush" لذا رأى اليهود في هذه العُلِّيقة رمزًا لإسرائيل وقد أحاطت به الأشواك والأتعاب التي تلحق به. وقد أخذ بعض الآباء الأولين ذات الفكر، فرأى العلامة ترتليان في العُلِّيقة إشارة إلى الكنيسة التي تشتعل فيها نار الاضطهاد ولا تُبيدها، ونادى بذات الرأي القديس هيلاري أسقف بواتييه.

كما يقول القديس هيبوليتس الروماني: يتحدث الله مع قديسيه في الكنيسة كما في العُلِّيقة. وكأن موسى النبي رأى في العُلِّيقة كنيسة السيِّد المسيح المتألمة تحوط بها الأشواك، لكنها ملتهبة بنار الروح الإلهي فلا يصيبها الموت... هذه هي الخدمة التي دُعي إليها!

ب. يرى القديس أغسطينوس أنها تشير إلى مجد الله الذي حلَّ في الشعب اليهودي لكنه لم يبيد قساوة قلبهم المملوءة أشواكًا.

ج. يرى القديس إكليمنضس الإسكندري في العُلِّيقة إعلانًا عن الميلاد البتولي، فقد وُلد السيِّد المسيح من البتول، وبميلاده لم تُحل بتولية العذراء. هذا أيضًا ما عناه القديس غريغوريوس أسقف نيصص إذ قال: نور اللاهوت الذي أشرق منها نحو الحياة البشرية خلال ميلادها (ليسوع المسيح) لم يحرق العُلِّيقة المُتَّقدة، وذلك كما أن زهرة البتولية فيها لم تذبل بإنجابها الطفل. وفد نادى ثيؤدورت أيضًا بذات الرأي.

 د. يرى القديس كيرلس الإسكندري أن العُلِّيقة حملت سرّ "التجسد الإلهي"، فقد اتحد اللاهوت بالناسوت دون أن يُبتلع الناسوت. فإنه ما كان يمكن لموسى النبي أن يبدأ هذا العمل الخلاصي ما لم يتلمس ظلال التجسد الإلهي، فيتعرف على "الكلمة الإلهي" المتجسد كصديق للبشرية، صار واحدًا منا، عاش بيننا يحمل جسدنا وإنسانيتنا حتى يدخل بنا إلى أمجاده الإلهية.

في هذا يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: لم يشرق النور خلال كوكب مضيء بل خلال عُلِّيقة أرضية، لكنه كان يفوق في بهائه الأنوار السماوية، وفي نفس الوقت لكي لا يظن أحد أنه ليس صادرًا عن مادة ملموسة، أي لئلاَّ ينكر حقيقة تجسده.

ه. أخيرًا رأي القديس يوحنا الذهبي الفم في العُلِّيقة صورة حيَّة لقيامة السيِّد المسيح، الذي حمل جسدًا حقيقيًا، ومات فعلًا، لكنه لم يُمسك في الموت على الدوام.

وفي هذه المناسبة نذكر ما كتبه القديس جيروم إلى أبيفانيوس كاهن Beatrice بأسبانيا يواسيه لأنه كفيف لا يبصر، قائلًا: يليق بك ألاَّ تحزن لأنك حُرمت من الأعين الجسدية التي يشترك فيها النمل والحشرات الطائرة والزواحف مع الإنسان، بل بالأحرى تفرح أن لك العين المذكورة في سفر نشيد الأناشيد... هذه التي بها تنظر الله، والتي أشار إليها موسى حين قال: "أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم"

ويلاحظ أن الكتاب يقول: "وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عُلِّيقة" . وهنا كلمة ملاك تعني "مرسل"، وتشير إلى الأقنوم الثاني، الابن الذي أُرسل من قبل الآب ليعلن هذا العمل ويرسل موسى النبي... فلو أن الذي ظهر ملاك وليس الأقنوم الثاني لما قال: "ناداه الله من وسط العُلِّيقة... ثم قال: أنا إله أبيك إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب. فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله".

يرى بعض الآباء أن الآب لا يُرى، لكن كلمته تُعلن هنا في العُلِّيقة كنار ملتهبة، وهو بعينه الذي يأتي في آخر الأزمنة متجسدًا "لكي يخبر" عن الآب!

2. خلع الحذاء:

يقول الرب لموسى: "لا تقترب إلى هنا. اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليها أرض مقدسة".

 في حديثنا عن قدسية الهيكل قلنا أننا إلى يومنا هذا ندخل الهيكل حفاة الأقدام كوصية الرب لموسى النبي. وخلع الحذاء يشير إلى الشعور بعدم تأهلنا حتى للوقوف في هذا الموضع المقدس الذي فيه تقدم الذبيحة المخوفة التي تشتهي الملائكة أن تطلع إليها. خلع الحذاء أيضًا - عند الآباء - يحمل معانٍ أخرى كثيرة وعميقة، نذكر منها:

أ. كانت الأحذية في القديم تصنع من جلد الحيوان الميت، وكأن الله بوصيته هذه يطلب منا أن نخلع عنا محبة الأمور الزمنية الميتة لنلتصق بالسمويات الخالدة حتى نلتقي به. هذا ما نادى به العلامة أوريجانوس، وأخذ عنه كثير من الآباء.

فيقول القديس أغسطينوس: أي أرض مقدسة مثل كنيسة الله؟! إذن لنقف فيها ونحن خالعين أحذيتنا، أي رافضين الأعمال الميتة.

ويقول القديس أمبروسيوس:كان موسى رمزًا للشعب لم يحتذي بحذاء الرب (مت 3: 11)، بل بنعل رجليه! لذا أمره الرب بخلعه حتى يحرر خطوات قلبه وروحه من قيود ورباطات الجسد، ويسير في طريق الروح.

ويقول القدِّيس غريغوريوس النزينزي: ليت من يقترب إلى الأرض المقدسة التي هي قدس الله يخلع نعليه كما فعل موسى حتى لا يدخل بشيء ميت إلى هناك، ولا يكون بينه وبين الله شيء... أما من يهرب من مصر(محبة العالم) والأشياء التي بها فليحتذي لأجل سلامته، حتى لا تلدغه العقارب والحيات الكثيرة الموجودة بها، فلا تؤذه تلك التي تطلب عقبه (تك 3: 15) وإنما كما أُوصى يطأها بقدميه (لو 10: 19).

ب. الجلد الذي تصنع منه الأحذية -كما يقول العلامة أوريجانوس- يستخدم في الطبول. هنا إشارة إلى عدم استخدام الطبول أو حب الظهور في العبادة، إنما خلال الجهاد الروحي المملوء اتضاعًا يمكن للنفس أن تدخل إلى المقدسات الإلهية وتلتقي بإلهها.

ج. يرى العلامة أوريجانوس أيضًا أن خالع النعلين مرتبط بما ورد في العهد القديم، أنه إن رفض إنسان أن يتزوج أرملة أخيه كوصية الله ليقيم لأخيه الميت نسلًا، تأتي الأرملة إليه في حضرة الشيوخ وتخلع حذاءه من رجليه، ويسمى "بيت مخلوع النعلين" (تث 25: 5-10)، هكذا إذ خلع موسى نعليه أعلن أنه ليس بعريس الكنيسة. وفي كل مرة يخلع الأسقف أو الكاهن أو الشماس حذاءه عند دخوله الهيكل إنما يدرك حقيقة نفسه أنه ليس عريس الكنيسة الحقيقي بل صديق العريس وخادمه.

 أخذ القديس أمبروسيوس ذات الرأي عن العلامة الإسكندري أوريجين فقال: لم يكن موسى العريس لذلك قيل له: "اخلع حذاءك من رجليك" حتى يترك المكان لربه. ولا يشوع بن نون كان العريس لذا قيل له؟ "اخلع نعلك من رجلك" (يش 5: 16)، لئلاَّ بسبب تشابهه مع الاسم (يسوع) يظن في نفسه أنه يسوع المسيح عريس الكنيسة. ليس أحد هو العريس إلاَّ السيِّد المسيح الذي وحده قال عنه يوحنا: "من له العروس فهو العريس" (يو 3: 29). لذا خلع هؤلاء أحذيتهم من أرجلهم، أما حذاء السيِّد المسيح فلا يمكن أن يُحل إذ قال القدِّيس يوحنا: "لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه" (يو 1: 27).

د. ربط القديس غريغوريوس أسقف نيصص بين خلع الحذاء الجلدي وثوبيّ الجلد اللذين لبسهما آدم وحواء (تك 3: 21) بعد سقوطهما في العصيان، إذ يقول: يعلمنا هذا النور(الذي للعُلِّيقة) أنه يليق بنا أن نقف أمام النور الحقيقي. لكن الأقدام التي بها أحذية لا تقدر أن ترتفع إلى العلو الذي من خلاله ترى الحق. لهذا يلزمنا أن نخلع عن قدمي النفس الغطاء الجلدي الأرضي الميت، الذي وُضع حول طبيعتنا في البداية حين تعرينا بسبب عصياننا للإرادة الإلهية. بهذا تكون لنا معرفة الحق التي تعلن عن ذاتها لنا، فنتحقق كمال المعرفة للأمور الموجودة (الحق)، بتطهير أفكارنا عن الأمور غير الموجودة (غير الحق أو الشر).

 وقد احتل تعليم القديس غريغوريوس عن "ثوبي الجلد" مركزًا هامًا في كتاباته، فيقول مثلًا: الختان يعني خلع الجلد الميت الذي لبسناه حين طُردنا من الحياة الفائقة الطبيعة بعد عصياننا . لذا فالعمودية في نظره هي خلع هذا الثوب الجلدي المحيط بطبيعتنا، أي خلع أعمال الإنسان القديم، هذا الذي يعلن عن موتنا وشهواتنا التي دخلت إلينا بعدما كنا على صورة الله.

 3. دعوة موسى:

من خلال العُلِّيقة الملتهبة نارًا دُعيَ موسى وهو واقف حافي القدمين ليتسلم خدمة شعب الله، وهنا نلاحظ:

أ. تطلع موسى النبي إلى العُلِّيقة وإذا كلها أشواك، لكن النار الإلهية ملتهبة خلالها دون أن تحترق... لعله رأى في ذلك عمل الله الناري الذي يستخدمنا بكل ما فينا من أشواك، يلهب قلوبنا ويعمل بنا بالرغم من كل ضعفاتنا. وكما يقول القديس أمبروسيوس: لماذا نيأس، إن الله يتحدث في البشر، هذا الذي تكلم في العُلِّيقة المملوءة أشواكًا؟! إنه لم يحتقر العُلِّيقة! إنه يضيئ في أشواكي!.

حقًا إن المتحدث نار آكلة (إش 10: 7)، والدعوة صدرت عن النار الإلهية، لكنها لا تؤذي موسى بل تسنده وتلهبه.... كما فعل الروح القدوس الناري في التلاميذ، الذي أحرق ضعفاتهم وأعطاهم قوة للحياة الجديدة الكارزة (مت 3: 11، أع 2).

 ب. إذ دعى الله موسى النبي لم يحدثه عن مؤهلاته للخدمة وإمكانياته البشرية بل حدثه عن نفسه، الإمكانيات الإلهية المقدمة له، قائلًا له: "أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب" .  وكانت هذه الكلمات تخرج بسلطان وقوة نارية حتى "غطَّى موسى وجهه لأنه خاف".  تحدث أيضًا عن قيامه هو بالخلاص، فقد رأى وسمع وعلِم مذلة شعبه، لذا فهو ينزل لإنقاذهم...

أما سرّ قوة موسى النبي فهو "إني أكون معك" . وهو ذات الوعد الذي يعطيه لجميع أنبيائه ورسله وكل العاملين في كرمه. فيقول ليشوع بن نون: "كما كنت مع موسى أكون معك. لا أهملك ولا أتركك" (يش 1: 5)، ويؤكد لإرميا النبي "لأني أنا معك يقول الرب لأنقذك" (إر 1: 16)، ويقول لتلاميذه: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مت 28: 20).

 4. اعتذار موسى:

أراد موسى أن يعتذر عن الخدمة قائلًا: "من أنا حتى أذهب إلى فرعون، وحتى أُخرج بنى إسرائيل من مصر؟!".

طبيعة موسى الضعيفة بالرغم من كونه من رجال الإيمان جعلته يتردد في قبول الدعوة، وربما كان ذلك من آثار فشله الأول حين خرج إلى الخدمة متكلًا على ذراعه البشري. فما كان له أن يقول: "من أنا؟!" بعد أن عرف أن الله نفسه هو الذي يرسله وهو الذي ينزل ليخلص.

أصر موسى على إعفائه أكثر من مرة، تارة يضع أسئلة واعتراضات، كأن يقول: "فإذا قالوا ما اسمه، فماذا أقول لهم"  والرب يُجيبه، وأخرى يقول: "ولكن ها هم لا يُصدقونني" (4: 1). فيعطيه الرب إمكانية عمل آيات ومعجزات... الخ، وثالثة يعترض بسبب ضعفه الشخصي قائلًا: "أنا ثقيل الفم واللسان" (4: 10). والله يؤكد له أنه هو خالق الفم واللسان "اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به" (4: 12). إذ لا يجد أي حجة يقول: "استمع أيها السيِّد، إرسل بيد من ترسل" (4: 13)، حتى حميَ غضب الله (4: 14) فأعطاه هرون شريكًا معه في الخدمة.

هكذا إذ يدعونا الله للخدمة لا يتركنا نستعفى بل يقدم لنا إجابات عملية لكل تساؤلاتنا، ويسند كل ضعف فينا، ويكمل كل نقص في إمكانياتنا، فهو الراعي الخفي لقطيعه المقدس.

5. اسم الله:

عرف موسى أن الذي يحدثه هو الله، فسأله عن اسمه "فقال الله لموسى أهيه الذي أهيه، وقال هكذا قل لبني إسرائيل أهيه أرسلني إليكم... إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق إله يعقوب أرسلني إليكم" .

حملت إجابة الله لموسى شقين:

أولًا: "أن الله غير مُدرَك وفوق كل تسمية" أهيه أي أنا هو".

ثانيًا: أنه الله المنتسب للبشرية، مُنتسب لخاصته الأحباء "إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب".
أولًا: أهيه الذي أهيه AHIAH:

يرى فيلون اليهودي الإسكندري أن هذا الاسم "أهيه" يكشف عن جانبين في الله: أولًا أنه هو الكائن وحده الذي بجواره يكون الكل كأنه غير موجود. ثانيًا أنه ليس اسم يقدر أن يعبَّر عنه. في هذا يقول: إخبرهم أولًا إني أنا هو الكائن حتى يعرفوا الفارق بين من هو كائن وما هو ليس بموجود. كما قدم لهم الدرس الآخر أنه لا يمكن لاسم ما أن يُستخدم ليليق بي أنا الذي إليه وحده ينسب الوجود.

 ويرى القديس أغسطينوس أن هذه العبارة تعني أنه إذا قورنت كل الأمور الزمنية بالله تصير "باطلًا" أو "لا شيء"، وأنها تعلن عن الله بكونه الوجود الأول والسامي غير المتغير.

هذه العبارة تُظهر الله أنه حاضر على الدوام، ليس فيه ماضٍ انتهى ولا مستقبل منتظر، لكنه فوق الزمن "حاضر دائم"... في هذا الحاضر الدائم، أو الأبدية الحاضرة "نجد لنا ملجأ، فنهرب إليه من كل تغيرات الزمن ونبقى فيه إلى الأبد".

 إن كان الله هو الوجود الدائم، [إذن من يأخذ الاتجاه المضاد لله إنما يسير نحو العدم.

في حديث الأب ميثوديوس عن البتولية وعظمة البر المسيحي يقول: لا يقدر أحد أن يرى بعينيه عظمة أو شكل أو جمال البرّ ذاته أو الفهم أو السلام، إنما تظهر هذه جميعها كاملة وواضحة في ذاك الذي قال أن اسمه "أنا هو".

 ثانيًا: إله آبائكم:

قول الله لموسى: "إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب" . وتكرارها ثلاث مرات في هذا اللقاء بين الله وأول قائد للشعب (خر6، 15، 16)سحب قلب آباء الكنيسة، فقد رأي القديس إكليمنضس الإسكندري علامة الصداقة الإلهية الإنسانية فمع أن الله هو إله العالم كله، إله السمائيين والأرضيين، لكنه ينسب نفسه للأخصاء أصدقائه. إنه لا يود أن يكون سيِّدًا بل صديقًا فنراه يكلم موسى وجهًا لوجه كما يُكلم الصديق صاحبه (خر 33: 11)، ويطلب منه "قف عندي هناك" (34: 2).

 ويقول القدِّيس أفراهات: أسماء الله متعددة ومكرمة... أما الاسم الذي تمسك به والذي هو عظيم ومكرم فليس ما يخص بره، إنما ما يخص علاقته بالبشر كخليقته "الخاصة به".
ويقول القديس أغسطينوس: برحمته ربط نعمته بالبشر قائلًا: "أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب"، حتى يُفهم من هذا أن هؤلاء الذين هو إلههم إنما يعيشون معه إلى الأبد. إنه ينطق بهذا حتى يفهم أولاده أنه يلزمهم بقوة الحب أن يعرفوا كيف يطلبون وجهه إلى الأبد، ويدركوا قدر ما يستطيعون هذا الذي هو "أهيه الذي هو أهيه".

والآن إذ نربط الاسمين معًا "أهيه"، "إله أبائكم"  نقول إن الله غير المدرَك ولا متغير، الذي فوق كل حدود الزمن، يقدم ذاته للبشرية ليتعرفوا عليه كإلههم الخاص، المشبع لكل احتياجاتهم. لذا لم يتحدث قط أي نبي عن نفسه كأنه شيء يقتنونه، أما السيِّد المسيح فهو "كلمة الله" الذي جاء يقدم ذاته في أكثر من موضع، قائلًا: "أنا هو"... قدم نفسه الصديق والعريس، والأخ البكر والمخلص، والخبز النازل من السماء والينبوع الحيِّ، والقيامة والباب، والطريق والحق والحياة، وأخيرًا قال "أنا هو الألف والياء" أي مشبع كل حياتنا.

وأخيرًا، نلاحظ أن السيِّد المسيح استخدم الاسم الثاني ليؤكد للصدوقيين القيامة، فإن الله إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب، إله أحياء وليس إله أموات: (مت  22: 31-32). فإن كان الله هو الحيّ إنما ينسب لنا، واهبًا إيَّانا الحياة لنبقى معه إلى الأبد.

6. سرّ الأيام الثلاثة:

أمر الله موسى أن يطلب مع الشيوخ من فرعون قائلين: "الرب إله العبرانيين التقانا، فالآن نمضي سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا".

لقد طلب الرب منهم أن يخرجوا سفر ثلاثة أيام في البرية ويذبحوا للرب، وكان فرعون يطلب من موسى وهرون أن تقدم الذبائح في أرض مصر، لكن موسى أجابه "لا يصلح أن نفعل هكذا... نذهب سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا كما يقول لنا" (8: 26، 27). وأخيرًا سمح لهم بالخروج، لكنه كان يقول لهم "لا تذهبوا بعيدًا" (8: 28)، أما موسى فأصر على السفر ثلاثة أيام... لماذا؟

الطريق الذي يخرج فيه الشعب ليقدم لله ذبيحة إنما هو السيِّد المسيح نفسه الذي قام في اليوم الثالث، وخلال قيامته تقبل كل عبادة وتقدمة منا للآب.

للعلامة أوريجانوس أحاديث طويلة عن سرّ الأيام الثلاثة، نقتطف منها العبارات التالية: يلزمنا أن نخرج من مصر ونترك العالم إن كنا نريد أن نخدمه! لا نتركه جسمانيًا بل نتركه من جهة أفكارنا؛ ليس بالخروج من الطرق العادية الملموسة وإنما بالتحرك الإيماني. اسمعوا ما يقوله القدِّيس يوحنا في هذا الشأن: "يا أولادي لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم، لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون" (1 يو 2: 15-16)...

ماذا يقول موسى؟ "نذهب سفر ثلاثة أيام في البرية نذبح للرب إلهنا" (5: 3). ما هو هذا الطريق الذي يقطعه في ثلاثة أيام للخروج من مصر والذهاب إلى الموضع الذي ينبغي أن نذبح فيه للرب؟ إنه الرب نفسه القائل: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6). ينبغي أن نسير في هذا الطريق ثلاثة أيام، لأنك "إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت" (رو 10: 9). هذه هي الأيام الثلاثة التي تقطعها في الطريق لتصل إلى الموضع الذي يُذبح فيه للرب وتُقدم "ذبيحة التسبيح" (مز 49: 14).

هذا هو المعنى السري، أما المعنى السلوكي (الأخلاقي) وهو أهم، فإننا نترك مصر مسيرة ثلاثة أيام حين نكون أنقياء في الجسد والروح، كقول الرسول: "احفظ الوصية بلا دنس ولا لوم إلى ظهور ربنا يسوع المسيح" (1 تي 6: 14). إننا نترك مصر مسيرة ثلاثة أيام حين نفصل عقلنا وطبيعتنا وإحساساتنا عن أمور هذه الحياة لنلتصق بوصايا الله. نترك مصر ثلاثة أيام حين تتنقى أفعالنا وكلماتنا وأفكارنا، إذ توجد ثلاث فرص للخطية (خلال العمل والكلام والفكر).

يُريد إبليس (فرعرن) ألاَّ نبتعد كثيرًا، فلا نسير ثلاثة أيام (8: 28)... لأن عمل عدو الخير هو حرماننا من التمتع بقوة قيامة السيِّد المسيح في داخلنا. هذا من جانب، ومن جانب آخر ألاَّ نسير في الرب ثلاثة أيام، أي لا نتنقى في أفعالنا وكلماتنا وأفكارنا، إنما يريد أن يكون له موضع فينا إن لم يكن بالعمل فبالكلام، وإن لم يكن باللسان فبالفكر. وعلى حد تعبير العلامة أوريجانوس: يريد أن يضمن أنهم يخطئوا إن لم يكن بالفعل فليكن بالقول وإلاِّ فعلى الأقل بفكرهم. إنه لا يريدهم أن يبتعدوا عنه ثلاثة أيام كاملة. يريد أن يرى له فينا ولو يوم واحد على الأقل، إذ له في بعض الأشخاص يومان وفي الآخرين له الأيام الثلاثة كلها. لكن طوبى لمن ينفصل عنه الأيام الثلاثة بأكملها، ولا يكون له فيه يوم واحد.

بخروجنا ثلاثة أيام ندخل إلى معرفة "القيامة" فتستنير بصيرتنا الداخلية بنور المعرفة الحقيقية. فإن كان فرعون يمثل إبليس "رئيس ظلمة هذا العالم" (أف 6: 12)، فإنه لا يُريدك أن تخرج من دائرة الظلمة إلى نور المعرفة. إنما يُريدك أن تبقى في ظلمة القبر ولا تنعم بنور القيامة. لذا نجده في حديثه مع موسى يعترف بعدم معرفته أي بظلمته قائلًا: "لا أعرف الرب" (5: 2).

خبرة الأيام الثلاثة أي القيامة مع السيِّد المسيح اختبرها قبلًا إبراهيم أب الآباء، هذا الذي خرج من بيته ثلاثة أيام وعندئذ رأى العلامة فقدّم ابنه ذبيحة حب لله (تك 22: 4)، ما هي هذه العلامة التي خلالها يقدم إبراهيم ابنه الوحيد إسحق إلاَّ علامة قيامة المصلوب، لذا يقول معلمنًا بولس الرسول عنه إنه: "آمن بالله القادر على الإقامة من الأموات" (عب 11: 19). رأي قيامة السيِّد المسيح فقدم ابنه إسحق مؤمنًا أن الله قادر أن يقيمه من الأموات.

 7. يدّ الله القوية:

من حين إلى آخر يؤكد الله لموسى قدرته على الخلاص قائلًا: "فأمدّ يديّ وأضرب مصر بكل عجائبي التي أصنع فيها وبعد ذلك يطلقكم".

وفي خروجهم لا يخرجهم فارغين، بل يعطيهم نعمة في أعين الشعب فيُعيروهم أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابًا ... أولًا إشارة إلى قوة الخلاص في حياة المؤمن، ليس فقط نفسه تتقدس، لكنه في خروجه نحو كنعان السماوية يحمل معه غنائم كثيرة، طاقاته الداخلية وعواطفه وأحاسيسه ودوافعه، يصير كل ما في داخله مما كان مكرسًا للشر وعلّة موت له مقدسًا ومباركًا. ومن جهة أخرى إن كان الشعب قد سلبت أُجرتهم وأذلوهم في السخرة وبناء بيوت لهم، فإن الله يعطيهم نعمة في أعينهم لكي يقدموا لهم بإرادتهم هذه الأمور: ذهبًا وفضة وثيابًا.

أما غاية هذا العمل الإلهي الخلاصي فهو "أصعدكم... إلى أرض تفيض لبنًا وعسلًا" ، يجد الأطفال البسطاء قوتهم، والناضجون الأقوياء غذاءهم. فاللبن والعسل إنما هما إشارة إلى حياة الشبع واللذة الروحية، لهذا كان المعمَّدون في الكنيسة الأولى يشربون أثناء طقس المعمودية لبنًا ويأكلون عسلًا، إذ بالمعمودية صار لهم حق الدخول إلى كنعان السماوية الموعود بها.

تفسير سفر يهوديت 1 ... الأسفار القانونية الثانية من الكتاب المقدس +++ الأنبا مكاريوس الأسقف العام



تفسير سفر يهوديت 1 ...  الأسفار القانونية الثانية من الكتاب المقدس  +++ الأنبا مكاريوس الأسقف العام

انتصار نبوخذ نصر على أرفكشاد ورفض الممالك التحالف معه

1 كانَ ما كانَ في السَّنَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِن مُلْكِ نَبوكَدْنَصَّر الَّذي مَلَلثَ على الأَشّورِيَينَ في نينَوى المَدينةِ العَظيمة، وفي أَيَّامِ أَرْفَكْشادَ الَّذي مَلَكَ على الميدِيِّينَ في أَحْمَتا2 فبَنى حَولَها أَسْوارًا مِن حِجارةٍ مَنحوتةٍ عَرضُها ثَلاثةُ أَذرُع وطوُلها سِتَّة، وجَعَلَ آرتفاعَ السُّور سَبْعينَ ذِراعًا وعَرضَه خَمْسين،3 وشَيَّدَ على أَبْوابِها أَبْراِجًا بِمِائَةِ ذِراع، وأَرْسى أُسُسًا في عَرْضِ سِتِّينَ ذِراعًا،4 وجَعَلَ أَبْوابَها أَبْوابًا يَبلُغُ آرتفاعُها سَبْعينَ ذِراعًا وعَرْضُها أَرْبَعين، لِخُروجِ مُعظَمِ قُوَّاتِه وآستِعْراضِ مُشاتِه.

المقصود هنا بنبوخذ نصر، هو أسرحدون بن سنحاريب، فقد تعهد بالانتقام من كل اليهود، بعد أن ذاق أبوه سنحاريب مرارة الهزيمة أمامهم، في الواقعة التي قتل منها مائة وخمس وثمانين ألفًا من جنوده، والانتقام من أرفكشاد المذكور، باعتباره صديق لليهود وعونهم.

إن المبالغة في تجهيز الأسوار والقلاع والأبراج، هي من عادة ملوك الأشوريين والبابليين وقدماء الملوك في العهد القديم، ويبدو حجم الحجارة هنا كبير جدًا، وقد حذر الله بنى إسرائيل من استخدام الحجارة المنحوتة في أعمال البناء لاسيما المذابح، إذ يعد ذلك اشتراك مع الوثنيين الذين اعتادوا صنع التماثيل ورسم آلهتهم على حجارة مبانيهم (راجع حز 20: 25، 26، تث 27: 5، 6 يش 8: 31).

و يسمى التحصين Fortification وفي اللغة العبرية (ميبار) ثم تطور المعنى ليصبح Inaccessible بمعنى(متعذر بلوغه) وفي اليونانية يأتي بمعنى (أكرا) أي قلعة Citadel، هذا وقد عثر في الحفائر الحديثة على بعض حوائط لحصون بلغ عرضها سبعة أمتار ونصف المتر، ومازال باقيًا من ارتفاعها اثني عشر مترًا، مقواة بدعامات سميكة 1 وإذا كان الذراع المستخدم 2 في تلك البلاد في ذلك الوقت يساوى 6، 17 من البوصة، أي حوالي 45 سم، فإن ارتفاع سور المدينة يصل إلى الثلاثين مترًا.

 أَبْراِجًا: قد يظن أيضًا أن الأرقام - فيما يتعلق بالأبراج - مبالغ فيها، حيث يصل ارتفاع البرج الواحد إلى مائة ذراع، أي يعادل خمسة وأربعون مترًا، ولكن هذه الأبعاد سوف تبدو مقبولة، إذا علمنا أنه قد عثر في الحفائر الحديثة التي تمت على أماكن كباني هيرودس الكبير على قاعدة لأحد أبراجه يبلغ طول الضلع فيها إلى ثمانية عشر مترًا، ومازال باقيًا من ارتفاع البرج، مسافة عشرين مترًا، بينما بلغ قطر برج آخر من الخارج خمسة وخمسين مترًا، ومن الداخل خمسة وأربعين مترًا، كما كان داخل البرج مقسمًا إلى حجرات واسعة حيث دفن هيرودس هناك.

أما بالنسبة لأبراج أرفكشاد، فقد كانت مساحة قاعدة البرج تصل إلى سبعة أمتار، وقد أقيمت حول الأبواب الرئيسية للمدينة، وكانت تلك الأبواب من السعة والضخامة بحيث تصلح كأقواس النصر ومرور استعراضات الجيش والغنائم، هذا ويمكننا، نعتبر هذه الأبعاد، رقمًا قياسيًا جديدًا في التحصينات المذكورة في الكتاب المقدس، بدلًا من أن ننظر إليها بعين الشك.

كان من شأن كل ذلك بما فيه من حصون وعظمة، أن يجعل أرفكشاد سعيدًا في ملكه فخورًا بعتاده، قبل أن يُذل وينزع منه أسباب فخره ويذبح على يدي نبوخذ نصر، ولكن من هو أرفكشاد هذا؟

أَرْفَكْشادَ: الاسم على هذه الصورة غير مألوف، ولكنه صيغة للاسم فرارتس Phraortes ملك مادي في القرن السابع قبل الميلاد، وقد أضيفت إلى الاسم بعض الصفات (راجع مقدمة السفر: الرد على الاعتراضات) وقد نسب إليه السفر، بناء مدينة أحمتا وتحصينها، وهي مدينة "حمدان" الحالية في إيران، وعلى الرغم من المؤرخ هيرودتس 1 ينسب بناءها إلى ديوسيسDeioces  الذي جعل منها عاصمة لمادي سنة 700 ق.م. في المنطقة الواقعة شرق أشور، إلا أنه وكما ذكرنا في المقدمة فإن أرفكشاد (فرارتس) هو ابن ديوسيس هذا، وقد أكمل بناء المدينة وتحصينها بعد موت أبيه، وهكذا فقد نسب بناء المدينة إلى كليهما.  

 5 في تِلكَ الأَيَّامِ شَنَّ نَبوكَدْنَصَّرُ المَلِكُ حَرْبًا على أَرْفَكْشادَ المَلِكِ في السَّهْلِ الكَبير وهو السَّهْلُ الَّذي في أَرضِ رَعاوى.6 فآنضَمَّ إِلَيه جَميعُ سُكَّانِ النَّاحِيَةِ الجَبَلِيَّة وجَميعُ السَّاكِنينَ على الفُراتِ ودِجلةَ ويادَسون وفي سُهولِ أَرْيوكَ مَلِكِ عَليم. فآجتَمَعَت أُمَمٌ كَثيرةٌ لِمُحاربةِ بَني كَلْعود. 7 فأَوفَدَ نَبوكَدْنصَّر، مَلِكُ أَشّور، إِلى جَميعِ سُكَّانِ بلادِ فارِس وجَميعِ سُكَّانِ النَّاحِيَةِ الغَربِيَّة وَسُكَّانِ قيِليقية ودِمَشْقَ ولُبْنان ولُبْنانَ الشَّرقِيِّ وجَميعِ سُكَّانِ السَّاحِل8 والَّذينَ مِن أُمَمِ الكَرمَلِ وجِلْعاد والجَليلِ الأَعْلى وسَهْلِ يِزرَعيلَ الواسعِ.9 وجَميعَ الَّذينَ مِنَ السَّامِرَةِ ومُدُنِها وعِبْرِ الأُردُنِّ إِلى أُورَشَليمِ وبَيت عَنوت وكِلُّود وقادِش ونَهْرِ مِصْرَ وتَحْفَنْحيس ورَمْسيس وأَرضِ جاسانَ كُلِّها، 10 إلى ما وَراءَ صوعَن ونُوف وجَميعِ سُكَّانِ مِصْرَ إِلى حُدودِ الحَبَشة.

ليس معروفًا على وجه الدقة السبب الذي دفع نبوخذ نصر إلى التحرش بأرفكشاد، سوى أن تلك كانت عادة ملوك القدماء لاسيما في تلك الحقبة وفي تلك المنطقة التي سادها القلق والقلاقل، وقد أعد أرفكشاد العدة لتلك الحرب المنتظرة فجمع الجيوش من منطقتيّ مادي وبلاد ما بين النهرين والسكان بجوار نهر يادسون أريوك ملك عليم وتكتب أيضًا أريوخ، وهي كلمة مأخوذة عن اللفظة السومرية (أرى كو) ومعناها (عبد إله القمر) وهو اسم ملك ورد في (تك 14: 1 - 9) حيث كانت مملكته تقع في الإقليم الشرقي لفارس، أي المنطقة التي دارت فيها رحى المعركة، وكاتب السفر يصف الميدان ناسبًا إياه إلى أريوخ هذا نظرًا لشهرته.

و قد ظهر الاسم في فترة الألف الثاني قبل الميلاد، في صور أخرى مثل (Arriwuk ) و(Ar - ri - uk - ki) كما وجد الإسم في مخطوطة ترجع إلى عام 1750 ق.م. على أنه الابن الخامس لـ(زمرى / ليم) Zimri - lim

أما عليم فهي عيلام أي المايسى، وهي الأسماء التي أطلقت على هذه البقعة (راجع 1 مكا 6: 1).

و أما بنى كلعود المذكورين هنا فهم الكلدانيين، الذين ذكروا في الكتاب المقدس وفي التاريخ باعتبارهم البابليين وسكان المنطقة المعروفة بـ(بابل).

 شَنَّ نَبوكَدْنَصَّرُ المَلِكُ حَرْبًا:

راسل نبوخذ نصرالكثير من البلاد للتحالف معه ضد أرفكشاد، معزيًا إياهم بالغنائم التي سيغنمونها بنصرتهم معه على أرفكشاد، فأرسل إلى البلاد الواقعة إلى الغرب وإلى الجنوب وحتى حدود الحبشة، ومن هذه البلاد التي طلب منها المساعدة:

قيِليقية: وهي مقاطعة تقع جنوب شرق آسيا الصغرى وكانت تسمى وقتها (من قويه) وقد ورد في آثار آشور بانيبال، الاسطوانة الأولى عامود 2 ما يلي: (سودا رزمى:  ملك قيلقية أتى إليَّ ومعه ابنته لتكون لي زوجة وسجد لي وقبل قدميّ، وقدم لي هدايا كثيرة مع أنه لم يخضع لآبائي).

ودِمَشْقَ: وهي أكبر مدن سوريا وتقع شرق البحر المتوسط وشمال أورشليم، وهي مدينة قديمة جدًا ذكرت أيام أبينا إبراهيم (تك 14: 15) وتعرضت للغزو من الأشوريين سنة 824 ق.م. ثم سنة 734 ثم تحولت إلى الكلدانيين ثم إلى الفرس.

ولُبْنان: اسم سامي معناه (أبيض) و(لبان) وهو بلد سياحي جميل تنتشر فيه قمم الجبال العالية، وقد راسل نبوخذ نصر جميع الذين حوله أيضًا.

الكَرمَلِ: اسم عبري معناه (مثمر) وهو عبارة عن سلسلة من الجبال يبلغ طولها خمسة عشر ميلًا، كانت أهله بالسكان في ذلك الزمان.

 وجِلْعاد: اسم عبري معناه (صلب وخشن)

 والجَليلِ: اسم عبري معناه (دائرة) سكنته أغلبية من الوثنيين، لاسيما الكنعانيين، وفي العصر الأشوري امتد الاسم ليشمل كل منطقة يزرعيل.

 السَّامِرَةِ: الاسم مأخوذ عن شامر وسامر ومعناه (حارس)، وكانت السامرة مدينة محصنة جدًا، ذات أبراج عالية وإلى وقت السبي كانت عاصمة للمملكة الشمالية.

وعِبْرِ الأُردُنِّ إِلى أُورَشَليمِ: وتسمى أيضًا أرض يسى (النسخة اللاتينية - الفولجاتا) وهي المساحة التي شملت كل الأرض التي استولى داود عليها وترد في بعض النسخ للتعبير عن شمال مصر.

وبَيت عَنوت:  وهي بيت عنيا أي بيت العناء، وتقع على بعد 4 كيلومترات جنوب شرق أورشليم وهي القرية التي كان ينزل فيها المسيح ليستريح في بيت لعازر وتسمى حاليًا (ألعازرية) نسبة إلى لعازر.

كلود Chellus: 1 وكِلُّود وقادِش: موقع في جنوب فلسطين وردت في الترجوم تحت اسم (هلوصة) وكانت على الطريق الجنوبي من أورشليم بين غزة وأدوم وربما تكون هي شور المذكورة في تك 7: 6، خروج 15: 22.

قادش: اسم سامي معناه (مقدس) وهي البقعة التي تمركز عندها بنو إسرائيل في خروجهم من مصر، وخاصموا فيها موسى لأجل الماء، وتقع بالقرب من أدوم وعلى مسافة 80 كم جنوب بئر سبع.

 وتَحْفَنْحيس: مدينة تقع على الحدود الشرقية لمصر من جهة مدينة القنطرة، وكانت مدينة قوية ذكرها أرميا في (2: 16) وتسمى حاليًا (تل دفنة).

 ورَمْسيس وأَرضِ جاسانَ: ورعمسيس وأرض جاسان المنطقة التي سكن فيها بنو إسرائيل بالقرب من فاقوس في الشرقية حاليًا وكانت عاصمة ملك رمسيس الثاني في الدلتا.

صوعَن ونُوف: صوعن هي المدينة التي أطلق رمسيس عليها اسمه فيما بعد في المنطقة السابق ذكرها، أما نوف وتكتب أيضًا (موف) هي مدينة مصرية قديمة على الضفة الغربية لنهر النيل، بناها (ينيس) أول ملوك مصر وهي الآن (ميت رهينة). هكذا راسل نبوخذ نصر جميع تلك البلاد، وهي بلاد كان لها اسمًا وتمتلك جيوشًا وعتادًا علّها تسانده ضد أرفكشاد حتى يظفر به.



11وآستَهانَ جَميعُ سُكَّانِ الأَرضِ كُلِّها بِأَوامِرِ نَبوكَدْنَصَّرَ مَلِكِ أَشُّور ولم يَنضَمُّوا إِلَيه لِلقِتال، لِأنّهم لم يَكونوا يَخافونَه، بل قاوَموه مُقاوَمةَ رَجُلٍ واحِد، ورَدُّوا الرُّسُلَ فارِغي الأَيدي خَزايا الوُجوه .12 فغضبَ نَبوكَدْنَصَّرُ غَضَبًا شديدًا على تِلكَ الأَرضِ كُلِّها وحَلَفَ بِعَرْشِه ومُلكِه ليَنْتَقِمَنَّ من جَميعِ بِلادِ قيليقية والشَّامِ وسورية وُيهلِكَنَّ أَيضًا بِسَيفِه جَميعَ السَّاكِنينَ في أَرضِ موآب وبَني عَمُّون وكُلِّ اليَهودِيَّة وجَميعَ الَّذينَ في مِصْرَ إلى حدودِ البَحْرَين.

و لكن حكام وشعوب تلك البلاد، لم يستجيبوا لا لتوسله ولا لتهديده، وردوا رسله خائبين، إما لأن علاقتهم به لم تكن على ما يرام، وإنما لأنهم شعروا أنهم بذلك سوف ينطوون تحت لوائه، لتتسع إمبراطوريته من راجيس شرقًا إلى البحر المتوسط غربًا ومن بلاده وحتى حدود الحبشة جنوبًا، وهكذا رفضوا جميعهم والأرجح أن ذلك كان باتفاق سابق فيما بينهم.

و قد عبروا عن رفضهم لمقترحاته بإهانتهم لرسله، وهي الطريقة المألوفة في التعبير عن الاستياء من الرسالة، والنتيجة بالتالي كانت واحدة، وهي انتقام المرسل من المناهضين له (راجع 2 صم 10: 4، 5).

فإزاء هذا الرفض أقسم بعرشه وملكه أن ينتقم منهم، وكأنه ملك عرشه واستحق ملكه!

لم تسعه الأرض، ولكنه ذهب فيما بعد وكرامته معه، وحفنات قليلة من التراب غطت جسده، لقد سعى في إذلال الآخرين ليصبح إلهًا للأرض، ولكن إله السماء والأرض أذله وكسر شوكة كبريائه، لقد حاول أن يصبح إلهًا ولكن الله غار على مجده.


13 وصَفَّ جَيشَه لِمُحاربةِ أَرفَكْشادَ المَلِكِ في السَّنةِ السَّابِعةَ عَشرَةَ، فغَلَبَه في القِتال ودَحَرَ جَيشَ أَرْفَكْشادَ كُلُّه وجَميعَ فُرْسانِه وجَميعَ مَركَباتِه، 14 وأَخضَعَ مُدُنَه وزحَفَ على أَحْمَتا فآستَولى على أَبْراجِها ونَهَبَ ساحاتِها وحَوَّلَ زينَتَها إلى عار، 15 وقَبَضَ على أَرْفَكْشادَ في جِبالِ رَعاوى وطَعَنَه بِرِماحِه وأَبادَه لِلأبَد 16 ثُمَّ عادَ مع جَيشِه الخَليطِ الغَفيرِ جِدًّا مِنَ المُحارِبينَ الَّذينَ آنضَمُّوا إلَيه، وأَقامَ هُناكَ مِائةً وعِشْربنَ يَومًا لا يُبالي بِشَيء وَيتَنَعَّمُ بِالمَآكِلِ هو وجَيشُه

استمرت التهديدات بين نبوخذ نصر وأرفكشاد مدة خمس سنوات (قارن 1: 1 مع 1: 13) وهي المدة التي تمت فيها الاتصالات بين نبوخذ نصر والبلاد السابق ذكرها لتعضيده والتحالف معه.. ولكنه قرر أخيرًا مواجهة أوفكشاد بجيشه وحده.

و قد التحم الجيشان في منطقة رعاوى وهي راجيس (راجع عدد 5، 6) والتي تقع شرق ميديا وجنوب بحر قزوين Caspian sea بالقرب من طهران الحالية، وقد انضم إلى أرفكشاد جيوش من الهضبة الإيرانية الساكنين في سهل وادي النهر، وأخرى من منطقة نهرى دجلة والفرات، ونهر يادوسون Hydaspes وهو الاسم اليوناني لبحى جيلوم Gelum (في غرب باكستان الحالية، وربما هو نهر كوسبس Choaspes أي الكرخ، وهو أشهر نهر في عيلام (شرق بابل).

باقة مختارة من اقوال الاباء القديسين عن يوحنا المعمدان والسيد المسيح رقم 13


باقة مختارة من اقوال الاباء القديسين عن يوحنا المعمدان والسيد المسيح رقم 13

قال يوحنا المعمدان عن المسيح: "في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه"، لأنه كان لائقًا بالمسيح أن يختلط بالشعب كواحدٍ من كثيرين، إذ يعلمنا في كل موضع طبيعته الخالية من الكبرياء.++ القديس يوحنا الذهبي الفم

ليس أحد هو العريس سوى المسيح الذي يقول عنه القديس يوحنا: "من له العروس فهو العريس" (يو 29:3). لذلك هؤلاء (موسى ويشوع بن نون وغيرهما) خلعوا أحذيتهم، أما حذاؤه فلا يقدر أحد أن يحل سيوره، وكما قال القديس يوحنا: "أنا لست مستحقًا أن أحل سيور حذائه"  +++ القديس أمبروسيوس

يستعير البابا غريغريوس الكبير عن العلامة أوريجينوس فهمه للحذاء أنه يشير إلى الجسد القابل للموت، لأنه مصنوع من جلد الحيوانات بعد ذبحها. وكأن الكلمة بتجسده ارتدى الجسد القابل للموت مخفيًا لاهوته. ولم يكن ممكنًا ليوحنا أن يحل سيوره، أي أن يتعرف بعد على أسراره خلال روح النبوة.

"هوذا حمل الله". إنه ليس بفرعٍ ممتدٍ من آدم، إنما استمد منه الجسد ولم يأخذ خطية آدم. إنه لم يأخذ الخطية عليه من العجين الذي لنا، إنما هو الذي ينزع خطايانا ++ القديس اغسطينوس

قول المعمدان: "مجيئي ليس له هدف إلا أن يعلن عن المحسن العام لكل العالم المسكون، وأن يقدم معمودية الماء،أما هذا فيطّهر كل البشرية ويهب طاقة الروح. يأتي بعدي ذاك الذي يظهرأكثر مني بهاءً، "لأنه كان قبلي" +++ القديس يوحنا الذهبي الفم

المعموديّة هي الكُور العظيم الممتلئ نارًا، فيها يُسبك الناس ليصيروا غير أموات ++ القديس يعقوب السروجي

إنها المعموديّة التي فيها يموت الإنسان القديم، ويولد الإنسان الجديد كما يُعلن الرسول مؤكّدًا أنه خلصنا بغسل التجديد ++ القديس كبريانوس

  كان يوحنا يعمدّ بالماء لا بالروح القدس، فبكونها عاجزة عن غفران الخطايا، تغسل أجساد من يعتمدون بالماء، أمّا نفوسهم فلا تقدر أن تغسلها. إذن لماذا كان يوحنا يعمّد...؟ إنه في ميلاده كان سابقًا لمن يولد، وبالتعميد كان سابقًا للرب الذي يعمّد، وبكرازته صار سابقًا للمسيح! ++ القديس غريغوريوس الكبير

جاء في الأمثال: "لا تمل يمينًا أو يسارًا" (أم ٤: ٢٧). فمن يميل إلى أحد الجانبين يفقد الاستقامة، ولا يعود يتأهل للرعاية الإلهية عندما يتعدى استقامة الطريق. فإن الرب عادل ويحب العدل، ووجهه يتطلع إلى الاستقامة (مز ١٠: ٧) وما ينظره ينيره ++ العلامة اوريجينوس

جاء إلى المعموديّة بدون خطيّة تمامًا، وهكذا لم يكن بدون الروح القدس، لقد كُتب عن خادمه وسابقه يوحنا نفسه أنه من بطن أمه يمتلئ من الروح القدس (لو 1: 15)، فإن كان وقد وُلد من أبيه (من زرع بشر) تقبَّل الروح القدس وهو يتشكَّل في الرحم، فماذا يمكننا أن نفهم ونعتقد بالنسبة للمسيح نفسه الذي حبل به، لا بطريقة جسدانيّة بل بالروح القدس؟!+++ القديس اغسطينوس

الماء يطهِّر الجسد، والروح يطهِّر القلب من الخطايا، نحن نقوم بالعمل الأول ونصلِّي لكي يتم العمل الثاني حيث ينفخ الروح في الماء فيقدِّسه، الماء وحده ليس دليلًا على التطهير وإن كان الاثنان لا ينفصلان: الماء والروح، لذلك اِختلفت معموديّة التوبة (ليوحنا) عن معموديّة النعمة التي تشمل العنصرين، أما الأولى فتشمل عنصرًا واحدًا. إن كان كل من الجسد والروح يشتركان في الخطيّة فالتطهير لازم لكيهما +++ القديس أمبروسيوس

الروح القدس هو نار كما جاء في أعمال الرسل، إذ حلّ على المؤمنين على شكل ألسنة ناريّة. وهكذا تحقَّقت كلمة المسيح: "جئت لأٌلقي نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرَمَت؟!" (لو 12: 49). يوجد تفسير آخر وهو أننا نعتمد حاليًا بالروح، وبعد ذلك (في يوم الرب) بالنار كقول الرسول: "ستمتَحِن النار عمل كل واحد ما هو" (1 كو 3: 13) ++ القديس جيروم

المسيح يوُلد، والروح هو المهيئ له! ... إنه يعتمد، والروح يشهد له! ... إنه يُجرب، والروح يقوده (4: 1، 18)! ...إنه يصنع معجزات، والروح يرافقها! ...إنه يصعد إلى السماء، والروح يحل محلُّه! ++ القديس غريغوريوس النزينزي

اغتسل المسيح لأجلنا، أو بالحرى غسلنا نحن في جسده، لذا يليق بنا أن نُسرع لغسل خطايانا... دُفن وحده ولكنه أقام الجميع، نزل وحده ليرفعنا جميعًا، حمل خطايا العالم وحده ليطهِّر الكل في شخصه، وكما يقول الرسول: "نقُّوا أيديكم إذن وتطهَّروا" (يع 4: 8)، فالمسيح غير محتاج إلى التطهير، تطهَّر لأجلنا. ++ القديس أمبروسيوس

يستطيع الله أن يجعل من الحجارة أولادًا لإبراهيم؛ يُشير هنا إلى الأمم، إذ هم‎‎‎ حجارة بسبب قسوة قلوبهم. لنقرأ: "وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم ) حز 26 : 36 )". فالحجر صورة القسوة، واللحم رمز اللطف. لقد أراد أن يظهر قوّة الله القادر أن يخلق من الحجارة الجامدة شعبًا مؤمنًا ++ القديس جيروم

اعتمد الرب ذاته... لم يعمد ليطهر، وإنما ليطهر الماء، فإذ نزل إليها المسيح الذي لم يعرف خطية صار لها سلطان على التطهير، بهذا كل من يدفن في جرن المسيح يترك فيه خطاياه. +++ القديس أمبروسيوس

يأتي المسيح؛ والروح يهيئ طريقه. يأتي في الجسد والروح لا ينفصل عنه قط، يعمل عجائب ويمنح أشفية من الروح القدس. الشياطين تخرج بالروح القدس. حضور الروح يفسد الشيطان. غفران الخطايا يعطى بعطية الروح. لقد اغتسلتم وتقدستم... باسم الرب يسوع المسيح وبروح إلهنا" (1 كو 6: 11) ++ القديس باسيليوس الكبير

المسيح كما سبق وقلت هو حقًا ابن الله الوحيد، وإذ صار شبهنا أعلنت بنوته لا من أجل نفسه، لأنه كان ولا يزال وسيبقى الابن، لكن هذه البنوة أُعلنت من أجلنا نحن البشر الذين صرنا أبناء الله، لأن المسيح بكرنا وسندنا. هو آدم الثاني، إذ ورد: "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا" (2 كو 5: 17). لقد طرحنا عتق آدم الأول، واستبدلنا بها جدّة آدم الثاني الذي به ومعه لله الآب المجد والسلطان مع الروح القدس من الآن وإلى أبد الآبدين +++ القديس كيرلس الكبير