
من كتاب تأملات في سفر نشيد الأناشيد ++ البابا شنودة الثالث
إني أقوم وأطوف في المدينة (نش 3: 2)
تقول عذراء النشيد "في الليل علي فراشي، طلبت من تحبه نفسي. طلبته فما وجدته. إني أقوم وأطوف في المدينة، في الأسواق وفي الشوارع، أطلب من تحبه نفسي" (نش3: 1، 2). هذا يدل علي أن الإنسان – مهما بعد عن الله – ففي قلبه إشتياق إلي هذا الإله، حتى لو دخل في الليل، ورقد علي فراشه.. !
إشتياق إلي الله:
لا يزال في القلب حنين إلي الله.. فينا نفخة إلهية تشتاق إلي مصدرها (تك2: 7). فينا روح علي صورة الله، كشبهه (تك1: 26، 27). وهذه تجعل الإنسان بطبيعته يشتاق إلي الله.
فالإشتياق إلي الله، جزء من طبيعة الإنسان ومن فطرته.
فإن قلنا إن محبة الأم لطفلها جزء من طبيعتها يجري في دمها، وكذلك محبة الأب لابنه.. نقول كذلك إنه أمر طبيعي بالأكثر، أن الأنسان يحب الله ويشتاق إليه. وليس هذا عند الشعوب المتحضرة المتمدينة فحسب، بل حتى عند الشعوب البدائية أيضًا..
ومن الناحية الأخري، محبة العالم شيء دخيل علي الإنسان، ليس في طبعه الأصلي. أما محبة الله فهي طبيعته الأصلية.
لذلك مهما بعد الإنسان عن الله لابد أن يعود فيشتاق إليه.
مثل عقرب البوصلة، لابد أن يتجه إلي الشمال، مهما بعد عنه.
لهذا لا يصح أن ييأس الإنسان، مهما طال بعده عن الله.
لا تيأس، فطبيعتك بفطرتها ميالة. لذلك حتى في الليل – وأنت علي فراشك – يعود إشتياقك إليه. مثل الابن الضال: ذهب إلي كورة بعيدة، ثم عاد واشتاق إلي أبيه، ورجع إليه. ومثل أوغسطينوس: بعد متاهة طويلة في الفلسفة وفي ملاذ العالم، عاد أخيرًا ليقول للرب: تأخرت كثيرًا في حبك، أيها الجمال الذي لا يوصف..
وأنت مهما تهت وبعدت، في أعماقك بذرة محبة الله.
فلا تظنوا أن الرعاة والوعاظ والمرشدين والآباء الرسل، هم وحدهم الذين دخلت محبة الله إلي قلوبهم! كلا، فمحبته فيكم من الأصل. كل ما في الأمر، أنك تزيل ما ترسب فوقها وأخفاها.
" في الليل علي فراشي، طلبت من تحبه نفسي".
هناك لحظات تمر علي الإنسان، يجد نفسه مشتاقة إلي الله.
لا يعرف متي تأتي تلك اللحظات؟ ولا كيف؟ ولا أين؟ ولا يستطيع أن يحدد مواعيد لهذا الإشتياق. والكتاب يقول "ملكوت الله لا يأتي بمراقبة" (لو17: 20). كما قال الرب أيضًا " الريح تهب حيث تشاء، وتسمع صوتها، ولكنك لا تعلم من أين تأتي، ولا إلي أين تذهب" (يو3: 8)
إنها زيارة من زيارات النعمة، لا تأتي بمراقبة.
أنت لا تعرف متي يتحرك شعورك نحو الرب. ولكنك في وقت ما، تسمع صوتًا يناديك في داخلك، ويحركك نحو الله، مهما كنت خاطئًا، ومهما بعدت، ومهما ضللت.. زيارة النعمة هذه تثير مشاعر الحب الإلهي وتعيدها.
عدم الإحساس بوجود الله:
من العجيب أن هذه العروس تقول "طلبته فما وجدته" بينما الله في داخلها، وهو الذي حرك قلبها لكي تطلبه!
بدونه ما كان ممكنًا لها – وهي علي الفراش – أن تطلبه! هو الذي مد يده من الكوة، فأنّت عليه أحشاؤها (نش5: 4). ولكن لماذا – علي الرغم من وجوده فيها – تقول "فما وجدته"؟!
أحيانًا يكون الرب فينا، ونحن لا نشعر به!!
مثلما حدث لتلميذي عمواس، إذ كان الرب يسير معهما ويتحدث إليهما، وهما لا يعرفانه (لو24: 15، 16). ومثلما قيل في تجسد السيد الرب:
إن "النور أضاء في الظلمة، والظلمة لم تدركه" (يو1: 5). وأيضًا مثلما قال القديس أوغسطينوس للرب:
"كنت معي، ولكنني من فرط شقاوتي لم أكن معك!".
إبراهيم أبو الآباء ظهر له الرب مع ملاكين (تك18: 2، 17) .
ولكنه لم يدرك وجود الرب، وإلا ما كان أحضر للثلاثة لحمًا ولبنًا (تك 18: 7، 8). وهكذا قال الكتاب "لا تنسوا إضافة الغرباء، لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون!" (عب13: 2).
أحيانًا يكون الله معك، وأنت غير شاعر بوجوده. وقد تظن أنه قد تخلي عنك. بينما أنت الذي ينقصك الإدراك الروحي لوجود الله معك. وقد تقول له "إلي متي يا رب تنساني؟ إلي الإنقضاء! (مز13: 1).
ولا يكون الرب قد نسيك. لأنه إن نسيت الأم رضيعها لا ينساك (أش49: 15). إنما أنت الذي لم تعد تحس وجود الله فيك!
بالإيمان تستطيع أن تدرك وجوده معك. كما قال داود "تأملت فرأيت الرب أمامي في كل حين. لأنه عن يميني فلا أتزعزع" (مز16: 8). وكما قال إيليا النبي "حي هو رب الجنود الذي أنا واقف أمامه" (1مل18: 15).
البحث عن الله:
أحيانًا يخفي الله ذاته عنك، لكي تبحث عنه.. لا يسمح لك أن تراه، لكي تشتاق إلي رؤيته. يظهر حينًا، ويختفي حينًا آخر مثل النجم الذي ظهر للمجوس (مت2: 9).. لكي يتحرك القلب فيبحث ويسأل.
الله لايريد أن تكون المحبة من طرف واحد: هو يحبك، وأنت راقد علي فراشك. يريدك أن تحبه كما يحبك، فتبحث عنه..
لهذا تجد أن العروس لما طلبته فلم تجده، قالت للتو: "إني أقوم وأطوف في المدينة، في الشوارع وفي الأسواق. أطلب من تحبه نفسي". ولاحظوا إنها لم تقل أقوم، بل إني أقوم، كنوع من التأكيد والإصرار علي البحث. وهكذا زال تكاسل النفس، إذ شعرت بالتخلي، ولو كان شكليًا..
يا ليت كل واحد منكم يخرج من إجتماعنا هذا (أو من قراءة هذا المقال) وهو يقوم ويطوف يبحث عمن تحبه نفسه، أعني الله الذي يحبه. كما قالت عذارء النشيد.
في الأسواق
اذهب واشتر لك زيتًا، لكي لا ينطفئ مصباحك (مت25: 9). وكما قيل في سفر الرؤيا "اشير عليك أن تشتري ذهبًا مصفي بالنار، وثيابًا بيضًا لكي تلبس، فلا يظهر خزي عريتك" (رؤ3: 18). وكما قال الرب "ومن ليس له سيف، فليبع ثوبه ويشتر سيفًا" (لو22: 36).. اذهب إذن إلي الأسواق، وادفع ثمن ما تشتريه. وابحث عن الرب هناك.
طف وأبحث أين تجد الله.. هل في الكنائس في الأديرة، في بيوت الخلوة وفي أماكن الخدمة.. أم حيث تراه..
المهم أن تنشط وتبحث، ولا تستمر راقدًا علي فراشك.
أنظر إلي طريق يوصلك إلي الله، وسر فيه: طريق التوبة، طريق الصلاة والتأمل، طريق الخدمة، طريق القراءة والإجتماعات..
الطرق المؤدية إلي الله كثيرة. إختر ما يناسبك منها.
كلمة "أقوم" تعطينا معني طيبًا. فعلي الرغم من أن الخلاص يقوم بقه الله وحده، إلا أنه لابد لك من أن تشترك معه، من جهة الاستجابة لعمله فيك: أن تشترك معه، أن تطلبه وتبحث معه.. "اقوم واذهب إلي أبي" (لو15: 18) هكذا قال الابن الضال.. أقوم وأرد أربعة أضعاف لكل من ظلمته، كما قال زكا العشار (لو19: 8).
حقًا، إننا في بعض أوقات نقول "قم أيها الرب الإله، وليتبدد جميع أعدائك" (عد10: 35). والرب نفسه يقول "من أجل شقاء المساكين وتنهد البائسين، الآن أقوم يقول الرب، اصنع الخلاص علانية" (مز12: 5).
ولكن علي الرغم من كل ذلك، لابد أن تقوم مع المسيح، وأن تعمل مع الرب: ترفع الحجر، لكي يقيم الرب لعازر (يو11: 41).
أنت تقدم الخمس خبزات، والرب يباركها ويشبع بها الألوف (يو6: 9- 12). أنت ترمي الشبكة، والرب يأتي بالسمك. أنت تغرس وتسقي، والله هو الذي ينمي (1كو3: 6). المهم أن تقوم وتعمل مع الرب.
إنني حينما أعمل عملًا، إنما أبرهن علي محبتي للرب ورغبتي في الخير. فالله لا يرغمني إرغامًا علي عمل الخير، ولكني أقوم من نفسي.
علي فراشي قد أحلم بالرب. ولكني لا أجده إلا إذا قمت.
تأكدوا أن الملائكة يفرحون في السماء، وهم يرون هذه النفس تقوم وتطوف في المدينة وفي الشوارع بحثًا عن الرب (لو15: 7).
هناك أشخاص يبدلون عبارة "وعلمنا طرق الخلاص" في القداس الإلهي بعبارة "طريق الخلاص" علي الرغم أن الكلمة في القبطية (التي تعني طرق)، مفسرين ذلك بأن الخلاص طريقًا واحدًا هو الفداء.
هذا حق أنه من جهة الله هناك طريق واحد، هو الصليب وقد تم. ولكن من جهتنا لا ننال بركات الفداء إلا بطرق الإيمان والمعمودية والتوبة وحفظ الوصايا.
كما أن حياتنا الروحية اللازمة للخلاص لها طرق تؤدي إلي الله: منها الخدمة والوحدة، الزواج والبتولية، الحزم والطيبة.. والمهم أن يتخذ كل واحد نوع الطريق الذي يناسبه.. وكما قال ماراسحق: "لمعرفة الله باختلاف الطبائع البشرية، لم يجعل طريقًا واحدًا مؤديًا إلي الخلاص، لئلا يفشل من لا يستطيع السير فيه. وإنما جعل أمام الإنسان طرقًا عديدة. حتى أن الذي لا يناسبه طريق لصعوبته، يسير في الآخر لسهولته".
ومادامت هناك طرق عديدة فلا تيأس. إن لم تجد في نفسك قابلية للصلاة، الجأ إلي القراءة والتأمل. وإن لم تجد قابلية للقراءة، رتل. وإن لم تستطع شيئًا من ذلك كله، اخرج وافتقد واخدم.
وكلن لا تيأس أبدًا. أبحث في الطرقات والشوارع والأسواق..
ولهذا لا يجوز لأب الاعتراف أن يجعل أبناءه صورة منه!
ولا يجوز أن يجعلهم كلهم صورة واحدة من بعضهم البعض!
فربما ما يناسب واحدًا منهم، لا يناسب غيره.. لإختلاف نفسياتهم.. كذلك أنت: إن أعجبك طريق في الحياة، لا تشجع كل إنسان علي السلوك فيه! ربما ما يناسبك، لا يناسبه.
عروس النشيد طافت في الطرقات، ولم تجد الرب. فلم تعتذر بذلك وتكف عن البحث. وإنما قابلت الحرس الطائف وسألتهم (نش3: 3). هؤلاء الحرس، هم حراس المبادئ والقيم. أقامهم الرب علي شريعته وعلي رعيته، يرشدون الناس إلي الطريق.. وما أن جاوزتهم قليلًا، حتى وجدت من تحبه نفسها.. لم تقل شيئًا مما قالته للحرس، ولا ما قد قالوه لها، إنها ركزت علي هدفها، وهو الوصول إلي حبيبها..
يوجد أشخاص يكفي أن تقول لهم المشكلة فتنحل..
حتى بدون إرشادات وحلول تسمعها منهم. تكفي بركتهم وصلواتهم.
الملاحظة الأخيرة، هي أن هذه العروس تعبت كثيرًا حتى وجدت من تحبه نفسها، ولم تجده من أول طلب، ولا من أول بحث. وكانت وراء ذلك حكمة إلهية. لكي تتمسك بمن تعبت لأجله.
قال القديس باسيليوس الكبير: إن الأشياء التي تحصل عليها بسهولة، قد تفقدها أيضًا بسهولة. لهذا أحيانًا لا يستجيب الله بسرعة.
ولأن هذه العروس تعبت حتى وجدت من تحبه نفسها، لذلك عندما وجدته قالت "أمسكته ولم أرخه" (نش3: 4).

من تاملات انجيل متي 4 ++ القمص تادرس يعقوب
انتصار الملك
التجربة الأولى أي تجربة الخبز
"فتقدّم إليه المجرِّب وقال له: إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزًا. فأجاب وقال: مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله"
لعلّ الشيطان قد صار في حيرة إذ رأى ذاك الذي قال عنه الآب السماوي: "هذا هو ابني الحبيب" أثناء العماد، يجوع! فتشكّك في أمره، لهذا في كل تجربة كان يودّ أن يتأكّد من بنوّته لله، قائلًا: "إن كنت ابن الله" وكما يقول القديس جيروم: [يقصد إبليس بكل هذه التجارب أن يعرف إن كان هو بحق ابن الله، ولكن المخلّص كان مدققًا في إجابته، تاركًا إيّاه في شك.
ولعلّه أراد أن يستخدم ذات السلاح الذي يهاجم به البشريّة، سلاح التشكيك في أُبوّة الله لنا ورعايته وعنايته بنا... أمّا سلاح السيّد المضاد فهو كلمة الله. إذ كان في كل تجربة يستند على الكلمة الإلهيّة المكتوبة بقوله: "مكتوب..."، وهو بهذا يحملنا إليه ككلمة الله المتجسّد لنختفي فيه، ونتمسّك بالكلمة المكتوبة التي بها ندين الشيطان نفسه، كقول الرسول: "ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة؟" (1 كو 6: 3).
كانت التجربة الأولى هي تجربة الخبز، أو تجربة البطن، لكن النفس الشبعانة تدوس العسل، فلا يستطيع العدوّ أن يجد له في داخلنا موضعًا مادامت نفوسنا ممتلئة بالسيّد نفسه، في حالة شبع بل وفيض. إذ بهذا ندخل إلى شبه الحياة الملائكيّة فلا يكون للبطن السيادة علينا!
الإنسان الأول إذ أطاع بطنه لا الله، طُرد من الفردوس إلى وادي الدموع. ++ القديس جيروم
كما أن القيامة تقدّم لنا حياة تتساوي مع الملائكة، ومع الملائكة لا يوجد طعام، فإن هذا يكفي للاعتقاد بأن الإنسان الذي سيحيا على الطقس الملائكي يتبرّر من هذا العمل (العبوديّة للطعام والشراب) ++ القديس غريغوريوس النيسي
تأكّد تمامًا أن العدوّ يهاجم القلب عن طريق امتلاء البطن. ++ الأب يوحنا من كرونستادت
لقد طلب إبليس منه أن يحوّل الحجارة خبزًا، لكن كما يقول القديس جيروم:اعتزم المخلّص أن يقهر إبليس لا بالجبروت (تحويل الحجارة خبزًا)، وإنما بالتواضع.
لقد رفض أيضًا تحويل الحجارة خبزًا ليُعلن أن من لا يتغذّى بكلمة الله لا يحيا .
كن سيدًا على معدتك قبل أن تسود هي عليك، الذي يرعى شرّهه ويأمل في التغلب على روح الفجور يشبه من يحاول أن يخمد النار بزيت +++ القديس يوحنا كليماكوس
عيسو خلال النهَم فقد بكوريته وصار قاتلًا لأخيه! ++ القديس يوحنا الذهبي الفم
التجربة الثانية، على جناح الهيكل
"ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدّسة، وأوقفه على جناح الهيكل. وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك، فعلى أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك. قال له يسوع: مكتوب أيضًا لا تُجرِّب الرب إلهك"
يقدّم لنا الشيطان تجاربه بكلمات معسولة مملوءة سمًا، فإن كلماته "أنعم من الزيت وهي سيوف مسلولة". يستخدم كلمة الله بعد أن يحرّفها، فما جاء في المزمور: "لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك" (مز 91: 11-12) كعلامة عن رعاية الله لنا المستمرّة، استخدمها الشيطان لكي يدفع السيّد المسيح ليجرِّب أباه، أو لكي يفسد رسالته بعيدًا عن حمل الصليب، مهتمّا باستعراض إمكانيّاته، بطلب الملائكة لتحفظه عِوض الدخول في حياة الألم.
يقول القديس جيروم: يفسّر الشيطان المكتوب تفسيرًا خاطئًا... كان يليق به أن يكمّل ذات المزمور الموجَّه ضدّه إذ يقول: "تطأ الأفعى وملك الحيّات وتسحق الأسد والتنين". فهو يتحدّث عن معونة الملائكة كمن يتحدّث إلى شخص ضعيف محتاج للعون ولكنه مخادع إذ لم يذكر أنه سيُداس بالأقدام .
الأمر المرير هو أن الشيطان يدخل لمحاربة أولاد الله في المدينة المقدّسة على جناح الهيكل، وفي أعلى الأماكن المقدّسة؛ هكذا لا يتوقّف عن محاربتنا أينما وجدنا!
كانت كلمات إبليس "اطرح نفسك إلى أسفل"... وكما يقول القديس جيروم: هذه هي كلمات إبليس دائمًا إذ يتمنى السقوط للجميع .
اهتزّ القديس يوحنا الذهبي الفم أمام طول أناة السيّد المسيح حتى في تعامله مع إبليس أثناء التجربة، إذ يقول: لم يسخط ولا ثار، إنّما برقّة زائدة تناقش معه للمرة الثانية من الكتاب المقدّس... معلّما إيّانا أننا نغلب الشيطان لا بعمل المعجزات، وإنما بالاحتمال وطول الأناة، فلا نفعل شيئًا بقصد المباهاة والمجد الباطل .
التجربة الثالثة، الطريق السهل
"ثم أخذه إبليس إلى جبل عالٍ جدًا، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها. وقال له: أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي. حينئذ قال له يسوع اذهب يا شيطان، لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد"
دُعي إبليس بالكذاب وأبو الكذاب، فإنه لا يكف عن أن يخدع بكذبه. هذه هي طبيعته التي لا يقدر أن يتخلّى عنها. لقد ظنّ أنه قادر أن يخدع السيّد بقوله "أعطيك هذه جميعها" فلا حاجة إلى الصليب، إنّما يكفي أن تخر وتسجد لي.
هذه أمر الضربات التي يصوّبها العدوّ للكثيرين، وهو فتح الطريق السهل السريع لتحقيق أهداف تبدو ناجحة وفعّالة. لكن السيّد لم ينخدع، لأنه يعرف حقيقة سلطان أبيه، وأن ما لأبيه إنّما هو له، فهو ليس في عوز. هكذا إذ يُدرك المؤمن غنى أبيه السماوي، وتنفتح بصيرته ليرى أنه وارث مع المسيح، لن يمكن للعدو أن يغويه بطريق أو آخر، مهما بدا سهلًا أو سريعًا أو محقّقًا لغنى أو كرامة زمنيّة.
يقول القديس جيروم: أراه مجد العالم على قمّة جبل، هذا الذي يزول، أمّا المخلّص فنزل إلى الأماكن السفليّة ليهزم إبليس بالتواضع.
كما يقول: يا لك من متعجرف متكبّر! فإن إبليس لا يملك العالم كلّه ليعطي ممالكه وإنما كما تعلم أن الله هو الذي يهب الملكوت لكثيرين !
ويرى القدّيس أنبا أنطونيوس في كلمات السيد: "اذهب يا شيطان" مِنحة يقدّمها السيّد لمؤمنيه، يستطيعون كمن لهم سلطان أن ينطقوا بالمسيح الذي فيهم ذات الكلمات، إذ يقول: ليخزى الشيطان بواسطتنا، لأن ما يقوله الرب إنّما هو لأجلنا، لكي إذ تسمع الشيّاطين منّا كلمات كهذه تهرب خلال الرب الذي انتهرها بهذه الكلمات .
هذه التجارب الثلاث التي واجهها السيّد وغلب، إنّما هي ذات التجارب التي واجهت آدم وسقط فيها وهو في الفردوس، ألا وهي: النهم، والمجد الباطل، والطمع، فقد أغواه العدوّ بالأكل ليملأ بطنه ممّا لم يسمح به له، وأن يصير هو وزوجته كالله، وبالتالي أن يملك شجرة معرفة الخير والشر .
ما سقط فيه آدم الأول غلب فيه آدم الثاني، حتى كما صار لنا الهلاك الأبدي خلال آدم الترابي، يصير لنا المجد الأبدي خلال آدم الأخير.
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه التجارب الثلاث تحوي في طيّاتها كل بقيّة التجارب: [يبدو لي أنه بالإشارة إلى التجارب الرئيسيّة يتحدّث عن جميع التجارب كما لو كانت محواة فيها. لأن قادة الشرّير غير المحصيّة هي هذه: عبوديّة البطن، والعمل من أجل المجد الباطل، والخضوع لجنون الغنى .
ختم الإنجيلي حديثه عن التجارب بقوله: "ثم تركه إبليس، وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه" . يقول لوقا الإنجيلي أن إبليس "فارقه إلى حين" (لو 4: 13). فالحرب لا تهدأ قط، لكن مع كل نُصرة تفرح الملائكة، فتتقدّم إلينا لتحمل هذه النصرة كإكليل مجد ترفعه إلى السماء لحسابنا الأبدي. إنها تخدمنا هنا ـ لا خدمة الجسد ـ وإنما خدمة الروح، فتعتزّ بنا بكونهم حراسًا لنا.
وكما يقول القديس جيروم: التجربة تسبق لكي تتبعها نصرة، وتأتي الملائكة فتخدم لتثبت كرامة المنتصر .
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:بعد انتصاراتك النابعة عن انتصاراته تستقبلك الملائكة أيضًا وتمدحك وتخدمك كحرّاس لك في كل شيء .
ويتحدّث الأب سيرينوس عن عدم توقّف حرب الشيّاطين ضدّنا، قائلًا: تسقط الأرواح (الشرّيرة) في الحزن، إذ تهلك بواسطتنا بنفس الهلاك الذي يرغبونه لنا، ولكن هزيمتهم لا تعني أنهم يتركوننا بلا رجعة.

مجموعة اقوال مختارة للاباء القديسين 2
إن كنت لا أطيعك لا أكون عبدك. إن كنت أتكلم مما هو عندي (لا مما لك) فأكون كذَّابًا. فالحديث إذن هو مما لك، والحديث أيضًا مما هو من شخصي. أمران، واحد لي، وواحد لك. الحق هو لك، واللغة هي من عندي +++ القديس اغسطينوس
ليتنا لا نغرق في ضيقاتنا بل نقدم التشكرات في كل شيءٍ، فنقتني نفعًا عظيمًا، إذ نرضي الله الذي يسمح بالضيقات ++ القديس يوحنا الذهبي الفم
إنه هو رافعكم، هو استنارتكم، بنوره أنتم في أمان، بنوره تسيرون، ببرَّه تتمجدون. إنه يرفعكم إلى فوق، إنه يحرس ضعفكم، يهبكم قوته، لا قوتكم. ++ القديس اغسطينوس
المراعي الخضراء هي الفردوس الذي سقطنا منه، فقادنا إليه السيد المسيح، وأقامنا فيه بمياه الراحة، أي المعمودية. ++ القديس كيرلس الإسكندري
من لا يلتجئ إلى بني البشر يلتجئ إلى الله، وكل من يلتجئ إلى الله ينقذه من أعدائه المنظورين وغير المنظورين. ++ الأب أنسيمُس الأورشليمي
الذي لم يستقم قلبه بعد، إنما يوجد فيه انحراف، لن يشكر (يحمد) الله ولا يقبل الرب اعترافه. ++ العلامة أوريجينوس
بعد ضجر روحي، اضطرب فيَّ قلبي في داخلي، لأنك حجبت وجهك عني، وصرت مثل أرض يابسة نحوك. لا تحجب وجهك عني! حجبته عني حين كنت متكبرًا، رده لي فإني الآن في مذلة. إن حجبته عني، أصير مثل من يهبط في الجب... لا تسمح للجب أن يغلق فمه عليَّ ++ القديس اغسطينوس
للمذلة أنواع كثيرة، منها مذلة صالحة وهي التي يذل بها الإنسان ذاته متواضعًا. ومنها التي يُذل بها الإنسان بسبب كبريائه، وكما قال ربنا: إن ارتفع يتذلل ويتواضع. ومنها المذلة بسبب مصائب الدهر، فيُذل الإنسان ويُهان. وأيضًا يُذل ويتواضع من فعل الخطية. ++ الأب أنسيمُس الأورشليمي
الكذب ممنوع بعبارات قوية مملؤة تهديدًا، كقول النبي: "تهلك كل الناطقين بالكذب" (مز ٥: ٧) و"الفم الكاذب يقتل النفس" (حك ١: ١1) ++ الاب يوسف
عظيم هو سلطانك، فأنت خلقت السماء والأرض، وكل الأشياء التي فيها، وأعظم منها هو حنوك، الذي يظهر حقك لكل المحيطين بك ++ القديس اغسطينوس
شاء المسيح ومنحنا نعمة البنوة نحن الذين تحت نير العالم وبطبيعتنا عبيد، أما المسيح فهو الابن الحقيقي، هو بطبيعته ابن الله الآب حتى بعد تجسده. فقد ظل كما قلت لكم كما كان قبلًا بالرغم من أخذه جسدًا لم يكن له قبلًا ++ القديس كيرلس الكبير
كل طرق الرب هي رحمة وحق (مز 15: 10). فالحق في تحقيق الوعود ما كان يمكن أن يظهر ما لم يسبقه أن تتم الرحمة بغفران الخطايا +++ القديس اغسطينوس
قوتي محدودة عندما اجتاز تجربة ما، فلا تتركني إلي النهاية. "ولكن الله أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ، لتستطيعوا أن تحتملوا" 1كو13:10. إنه لا يتركنا إلي "النهاية". يقول للذين تركوه: "أنتم تركتموني وأنا أيضًا تركتكم" 2أي5:12. أما بالنسبة لنا فنطلب ألا نكون مرفوضين، بل نكون في يده لا يتركنا أبدًا "إلي الغاية". إن حدث إن تركنا، فلنستغيث من جديد بالمسيح يسوع. ++ العلامة أوريجينوس
اللَّه هو نور الأذهان الطاهرة، وليس نور الأعين الجسدية. هناك (في السماء) سيكون الذهن قادرًا على معاينة هذا النور، الذي حتى الآن لا تقدر أن تعاينه. ++ القديس أغسطينوس
الشخص الذي بحق يحب اللَّه يحفظ وصاياه، يؤكد بحفظه لها أنه يعرف محبة اللَّه. طاعتنا هي ثمرة حبه. ++ القديس ديديموس الضرير
الذين يهلكون لا يعرفون اللَّه، وسينكر اللَّه أنه يعرفهم، كما قال: "ابعدوا عني لأني لا أعرفكم" (مت 7: 23). ++ هيلاري أسقف آرل
إن كان لديك قضية معروضة أمام قاضٍ ويلزمك أن تقيم محاميًا، وقد قبل المحامي قضيتك، فإنه يشفع في قضيتك قدر استطاعته. فإن سمعت قبل المرافعة أنه هو الذي يحكم كم يكون فرحك أنه يكون القاضي ذاك الذي كان منذ محاميك. ++ القديس اغسطينوس
عندما يعرف الإنسان خطيته يتألم... وإذ تدخل المحبة إلى النفس تبرئ كل جراحات الخوف. فخوف اللَّه يسبب جراحات كما من مشرط الطبيب الذي ينزع الجرح، ولو أدى ذلك إلى اتساعه ++ القديس اغسطينوس
الله هو الكائن الوحيد، الذي إن أحببته، تجده معك في كل مكان، في كل مناسبة. فلا تشعر بالغربة عنه وبالانفصال عنه في أي وقت.
أما أي شخص آخر تحبه، وأي كائن آخر، فمن الجائز أن تنفصل عنه، بالسفر وبالموت وبالأحداث. يفصلكما المكان والزمان ++ البابا شنودة الثالث

تامل من مزمور 23 ( مزمور الراعي ) ++ القمص تادرس يعقوب
"عصاك وعكازك هما يُعزيّانني".
العصا هي للقيادة والدفاع أم العكاز فهي للسند.
يرى القديس أكليمندس الإسكندري أنها عصا التعليم، عصا القوة التي أرسلها الرب من صهيون (مز 110: 2): هكذا هي عصا قوة التعليم: مقدَّسة ومُلَطّفة ومُخلّصة.
كيف تِخلّص الحكمة نفس الشاب من الموت؟ ما هي نصيحتها له كي لا يموت...؟ تقول: "إنْ ضرَبْتُه بعصا لا يموت" (أم 23: 13)... ويخبرنا العظيم داود أن تلك العصا تُعزّى ولا تَجْرح! ++ القديس غريغوريوس أسقف نيصص
يتطَلَّع القديس أمبروسيوس إلى الرعي الصالح الذي يقودنا بعصاه، ويسندنا بعكازه، هذين اللذين هما ختم صليبه الذي قبِلناه في سِرّ الميرون مُنْعِمًا علينا بمسحة البارقليط (المعزّي) التي تُرهِب الشياطين.
في الشرق الأوسط عادة ما يكون للراعي الآتي:
أ. ثوب بسيط يستخدمه أثناء الرعاية بخلاف ثوبه الذي يحضر به الحفلات أو عندما يشترك في المجاملات... هذا الثوب يُشير إلى إخلاء السيد المسيح ذاته إذ أخلَى ذاته عن مجده ليحمل طبيعتنا البشرية ويحتلّ مركز العبد حتى يضمنا نحن العبيد فيه ويّدخل بنا إلى شركة مجده.
ب. عصا تُسْتَخدم في حماية القطيع من الحيات والحيوانات المفترسة. وهي تُشير إلى صليب رب المجد الذي به حَطَّم سلطان عدو الخير، وقتل الخطية، وأفسد سلطان الموت.
ج. عكاز يستخدمه للاستناد عليه، وأيضًا ليمسك به خروفًا جامحًا يحاول الهروب بعيدًا عن القطيع... يُشير إلى تأديب المخلص مؤمنيه بعصا الأبوة الحانية الحازمة.
د. آنية زيت، ليُطبّب بها جراحات خرافه، تُشير إلى المسحة المقدسة.
ه. مزمار يعزف عليه ليعلن بهجته بعمله الرعوي، إشارة إلى الفرح في المسيح يسوع، حيث تُسبّحه النفس مع الجسد كما على قيثارة الحب.
و. سكين يستخدمها عند الضرورة، تُشير إلى عمل الروح القدس الذي يفصل الخير عن الشر.
"عصاك وعكازك هما يُعزيّانني": إذ يملك الرب على شعبه بالصليب كما بقضيب مُلْكِه - يثق المرتل كل الثقة في قيادة الراعي الإلهية، حتى إنْ قاده في سُبُل الجبال الخطرة!

تامل من امثال سليمان 14 ++ القمص تادرس يعقوب
المرأة الحكيمة والمرأة الحمقاء
المرأة الحكيمة تبني بيتها، والحمقاء تهدمه بيدها (ع 1).
إن كان العالم الحديث يهتم جدًا بحقوق المرأة، فإن هذا الاهتمام هو وليد الفكر الإنجيلي الحي، غير أن ما يشغل الكثيرون هو الحقوق المادية والشكلية. أما الكتاب المقدس بعهديه فيتطلع إلى المرأة سواء بكونها زوجة أو أمًا أو أختًا، أنها العمود الفقري للأسرة، لها فاعليتها القوية على بقية أعضاء الأسرة، وعلى خلق جوٍ من الحب والدفء العائلي والوحدة.
في سلطان المرأة أن تبني بيتها وفي سلطانها أن تهدمه؛ ليس بجمال الجسد ولا بالإمكانيات المادية تُقيم المرأة بيتها، وإنما بالحكمة، كما بالجهالة والحماقة تهدمه. إن حملتْ مسيحها - حكمة الله - في داخلها إنما تجتذب رجلها وأولادها إليه، وينمو بيتها كنيسة مقدسة متهللة، أما إن سلكت خارج المسيح، وعاشت لأجل ملذات العالم، فتحدر بيتها إلى الهاوية.
خلال الحياة المقدسة الحكيمة في الرب تبني الكنيسة كما النفس البشرية مسكنها السماوي بالنعمة الإلهية، أما النفس الشريرة فتهدم المجد المُعد للمؤمنين بيدها، أي بحياتها الشريرة وسلوكها غير اللائق وتمردها.
مكتوب: "المرأة الحكيمة تبني بيتًا، وأما الحمقاء فتهدم بيديها" (أم 14: 1). هذا يعني أن المرأة الحكيمة تشجع قريبتها في مخافة الرب، والمحبة التي في قلبها نحو أختها وأخواتها. ولكن من جانب الآخر المرأة الجاهلة تحطم بكلماتها المملوءة مرارة وكراهية وشرًا واستخفافًا، كما هو مكتوب: "في فم الجاهل قضيب لكبريائه اما شفاه الحكماء فتحفظهم" (راجع أم 14: 3) ++ القديس ويصا
هنا (لقاء السيد المسيح مع المرأة السامرية يو4) أعلنت امرأة عن المسيح للسامريين، وفي نهاية الأناجيل أيضًا امرأة رأته قبل كل الآخرين تخبر الرسل عن قيامة المخلص (يو ٢٠: ١٨) ++ العلامة أوريجينوس
"النساء الحكيمات يبنين بيوتهن". الكنيسة تبني بيتها بصبرها ورجائها في المسيح، أي تنهض الداخلين فيها وتصلحهم بتعليمها وإيمانها. "الجاهلة تهدمه بيدها". هذه هي الهرطقة التي تصير علة لموتهم الأبدي .
إذ يتحدث عن مجد الرجل، يقيم بولس الآن توازنًا هكذا، فلا يفتخر الرجل فوق الحد اللائق، ولا يُضغط على المرأة. ففي الرب المرأة ليست مستقلة عن الرجل، ولا الرجل مستقل عن المرأة. إن كنت تسأل من الذي جاء بعد الآخر، فإن كل منهما هو علة الآخر، أو بالأحرى ليس كل من الآخر بل الله هو علة الكل .
وقفت النسوة عند الصليب، الجنس الضعيف الذي ظهر أكثر قوة، وهكذا تغيرت كل الأمور تمامًا ++ القديس يوحنا الذهبي الفم
واحدة هي الفضيلة عند الرجل والمرأة، بما أن خلقهما أُحيطا بشرفٍ متساوٍ. اسمعوا سفر التكوين: "خلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرا وأُنثى خلقهم" (تك 1: 27). فبما أن طبيعتهما واحدة ولهما نفس الأفعال، فمكافئاتهما يجب أن تكون أيضًا واحدة ++ القديس باسيليوس الكبير
هذه التي كانت قبلًا خادمة للموت قد تحرّرت الآن من جريمتها بخدمة صوت الملائكة القدّيسين، وبكونها أول كارز بالأخبار الخاصة بسرّ القيامة المبهج ++ القديس كيرلس الكبير