من كتاب التجربة على الجبل ... فوائد التجارب ++ البابا شنوده الثالث



من كتاب التجربة على الجبل ... فوائد التجارب ++  البابا شنوده الثالث

 التجربة شيء نافع بلا شك. ولولا منفعتها، ما كان الله الشفوق يسمح بها...

كثيرون يريدونن أن يكون طريق الملكوت سهلًا مفروشًا بالورود! ولكن هذا عكس التعليم الذي شرحه لنا الإنجيل المقدس، إذ قال لنا الرب فيه: "ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدى إلى الحياة وقليلون هم الذين يجدونه" (7: 14).

وقال "في العالم سيكون لكم ضيق" (يو 16: 33). وقيل وفي الإنجيل أيضًا "بضيقات كثيرة ينبغى أن ندخل ملكوت الله" (أع 14: 33).

هذه الضيقات نحتملها لكى نثبت أننا جادون في سيرنا إلى الملكوت.

ولكى ندخل إلى هذا الملكوت باستحقاق، لأننا بذلنا وتعبنا من أجله.. إن كان التلميذ يتعب ويكد يحصل على شهادة دراسية.. وإن كان كل صاحب عمل لابد أ، يتعب، لكى ينجح في عمله.. هكذا الطريق الروحى: ينبغى أن نتعب فيه لنستحق الملكوت... وصدق الرسول في قوله: "كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه" (اكو3: 8).. والتعب قد نبذله بإرادتنا.

وهكذا تكون التجارب التي يحتملها المؤمنون من أجل الله والثبات في محبته.. وقد يكون يعضها في مصارعة النفس من الداخل. وبعضها في تحمل الضيقات من الخارج.

وهوذا القديس بولس الرسول يقول: "بل في كل شيء نظهر أنفسنا كخدام الله، في صبر كثير في شدائد، في ضرورات، في ضيقات في ضربات في سجون، في أضطرابات، في أتعاب، في أسهار، في أصوام" (2كو 6: 4،5).

ومع ذلك يشرح كيف أنه لم يتضايق - هو وزملاؤه - بشئ من هذا، ولم يفقدوا سلامهم، ولم يفقدوا الرجاء بالله، فيقول: "مكتئبين في كل شئ.. لكن غير متضايقين، مضطهدين.. لكن غير متروكين" (2كو 4: 8، 9).. "كمائتين وها نحن نحيا، كحزانى ونحن دائما فرحون.. كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شئ" (2كو 6: 9، 10).

فى الضيقات نشعر بالقوى السمائية الكثيرة المحيطة بنا فنتعزى.

منحن لسنا وحدنا مطلقًا في التجربة.. ولا في وقت الضيقة، بل تحيط بنا نعمة الرب ومحبته، وتحيط بنا قوات الملائكة القديسين التي قال عنها الله أنها تحيط بخائفيه وتنجيهم، وتحيط بنا أيضًا أرواح القديسين تشجعنا وتقوينا.. إنها خبرة روحية.

ومن فوائد الضيقات في العالم، أننا لا نتمسك بمحبة هذا العالم مشتاقين إلى السماء.

ولو كان النعيم في هذه الدنيا، ما كنا نشتاق إلى النعيم الأبدى، في الموضع الذي هرب منه الحزن والكآبة والتنهد، حيث "ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر، ما أعده الله لمحبى إسمه القدوس".. ونحن كما قال الرسول: "غير ناظرين إلى الأشياء التي ترى، بل إلى التي لا ترى لأن التي ترى وقتيه، أما التي لا ترى فأبدية" (2 كو 4: 18).

من أجل ذلك كان الآباء القديسون يشعرون أنهم على الأرض غرباء، يعيشون مشتاقين إلى الوطن السمائى.. ينظرون كل حين بالإيمان إلى "المدينة التي لها الأساسات، التي صانعها وبارئها الله" (عب 11: 10).

ولولا الضيقات لتشبث الناس بالبقاء في غربة هذا العالم الزائل لذلك نحن نقول عن الشخص في يوم وفاته، أنه قد تنيح أي استراح.

استراح من هذا العالم الزائل وكل مافيه من شهوة الجسد والروح وتعظم المعيشة.. استراح من التعب الذي يبذله للثياب في روحياته، واستراح من الضيقات والشدائد والتجارب التي تختبر إرادته هنا في هذه الحياة الأرضية، واستراح مما في العالم من أمراض ومن تعب للجسد والنفس.

الإنسان الروحي لا يتعب من الضيقات.. وإنما يأخذ ما فيها من فائدة روحية.. ويفرح بالأكاليل التي ينالها بإحتمال التجارب. لا تهزه التجربة.. ويختبر كيف أن الله "يقوده في موكب نصرته" (2 كو 2: 14). إن الإنسان لا يكلل إلا إذا انتصر.. ولا ينتصر إلا إذا حارب.. ولا يحارب إلا إذا تعرض لضيقات تمتحن مدى روحانيته: حياته وثبات إرادته تابعة للمشيئة الإلهية.

وفى التجارب يتلامس المؤمن مع محبة الله العاملة في حياته.

إن الله إذ يرى محبة الإنسان له في وقت الضيقة، يكافئه بما يظهره له من حب.. وكم من قديسين تمتعوا بهذا الحب في وقت الضيقة.

فالقديس يوحنا الإنجيلى رأى تلك الرؤيا العجيبة وهو منفى في جزيرة بطمس من أجل الشهادة بكلمة الله (رؤ1)..

والقديس بطرس اختبر عناية الله به وهو في السجن أيضًا.

والقديس بطرس اختبر عناية الله به وهو في السجن (أع12) واختبر نفس العناية القديسان بولس وسيلا وهما في السجن أيضًا (أع 16). ما أجمل عبارات القديس يوحنا ذهبى الفم وهو يتأمل قول القديس بولس عن نفسه "أنا الأسير في الرب" (أف 4) حديث جميل عجيب عن الضيقات وبركاتها بودى أن أترجم لكم بعضًا منه وأنشره...

تحدث التجارب أحيانًا بحسد من الشياطين. وبخاصة في أيام الصوم والتناول والحرارة الروحية.

إن كان الإنسان يستعد في الصوم، لكى يسلك سلوكًا روحيًا، فإن الشيطان يستعد أيضًا لمقاتلته ومحاربته، ولكى يسقطه في الخطية أو في الفتور.. أعنى أن الإستعداد هنا متبادل: استعداد من جانب الإنسان للنمو في محبة الله، واستعداد من الشيطان لإسقاطه. إن الشيطان يحزن حينما يجد إنسانًا يسير في الطريق الله.

لذلك أن حلت بك التجارب في فترة الصوم، لا تحزن. فهذا دليل على أن صومك له مفعوله، وقد أزعج الشيطان..

بل إن بعدت عنك التجارب، يمكن أن تتساءل: لماذا يتركك الشيطان بدون تجارب؟! هل احتقر أو استصغر جهادك الروحى؟!

أعلموا أن ربنا يسوع يسوع نفسه، حاربه الشيطان بالتجارب في صومه الأربعينى.


من كتاب تأملات في سفر نشيد الأناشيد .. ذكريات المحبة مع الله +++ البابا شنودة الثالث




من كتاب تأملات في سفر نشيد الأناشيد ..  ذكريات المحبة مع الله +++  البابا شنودة الثالث

 تقول عذراء النشيد "حبيبي لي، وأنا له" (نش2: 16). وتقول طلبت من تحبه نفسي.. أرأيتم من تحبه نفسي" (نش3: 1، 2). ونود هنا أن نتكلم عن هذه المحبة وذكرياتها.

خبرات الحياة مع الله:

ما أجمل أن نري النفس البشرية هنا تسجل ذكرياتها الروحية مع الله، وتحكي خبراتها وعشرتها وتاريخها..

تمامًا كما فعل سليمان في سفر الجامعة، وحكي حياته مع الرب وعلاقته به، وكيف مرت به مشاعر متنوعة حتى وصل إلي الله.. إنه لون من الاعتراف..

 قصة النشيد، قصة نفس عاشت مع الله، واختبرت الحلو والمر، جربت المتعة في مذاقة الله، وجربت البعد عنه.

اختبرت جبل التجلي، كما اختبرت بستان جثسيماني، قالت في خبرتها "صوت حبيبي قارعًا افتحي لي يا أختي يا حبيبتي يا حمامتي يا كاملتي" شماله تحت رأسي، ويمينه تعانقني". واختبرت أيضًا التخلي والحرمان بقولها "حبيبي تحول وعبر" طلبته فما وجدته"..

اختبرت كيف تكون سوداء، وكيف تكون جميلة.. سمعت عبارة "أنت جميلة يا حبيبتي، عيناك حمامتان". وقالت في مقابلها "بنو أمي غضبوا علي، جعلوني ناطورة الكروم"..

مشت في طريق الرب الطويل، بهدوئه وبمشاكله، بما فيه من نجاح ومن فشل. ومازالت تقول لكم إن من أصدق أوصافه، قول الرب لنوح بعد الطوفان "مدة كل أيام الأرض زرع وحصاد، وبرد وحر، وصيف وشتاء، ونهار وليل، لا تزال" (تك8: 22).

لن تعيشوا أيها الأحباء في نهار دائم، وفي حرارة دائمة ودفء دائم. لابد أن يكون في حياتكم أيضًا: ليل وبرد وشتاء..

ستختبرون هذا، مهما كنتم من أبناء النور، ومن أبناء النهار.. وهذه العروس تحكي فترات الحرمان والبعد، وبحثها عن الله دون أن تجده، وضرب الحراس لها، ونزع إزارها عنها.. ولكن كل ذلك لم يفقدها محبتها لله. وفي فترات الحرمان، كانت تقول "أرأيتم من تحبه نفسي..؟"

 لم تفقد حب الله إطلاقًا، وإن كانت قد فقدت عشرته أحيانًا. الحب في قلبها علي الدوام، مهما ضعف الجسد، ومهما بدا من الخارج أنها بعيدة، تطلب فلا تجد..

علاقتها بالله هي علاقة حب، وليست علاقة رسميات ولا علاقة واجبات ووصايا، ومجرد طقوس وناموس مما انتقده الرب في سفر إشعياء (أش1)، ولا هي علاقة خوف..

إنما هي علاقة حب، مبني علي أسس عميقة باستمرار..

 عندما تتكلم عن الله لا تقول "إلهي" إنما في كل مناسبة تقول عنه "حبيبي"، "الذي تحبه نفسي". كما أنه علمنا في الصلاة "يا أبانا" علامة علي الحب..

وهكذا تقول هذه النفس "حبيبي لي وأنا له" كالتفاح بين شجر الوعر،كذلك حبيبي بين "تحت ظله اشتهيت أن أجلس، وثمرته حلوة لحلقي.." (نش2: 3).

إياكم أن تنظروا إلي الله كمجرد جبار يحكم السماء، بل عليكم أن تحبوه من كل القلب. هكذا علمتنا المسيحية..

محبة الله هي الأساس، هي الوصية العظمي. وكل الفضائل، وكل الوصايا، وكل الممارسات الروحية، إنما تنبع من هذه المحبة. ولا توجد وصية منفصلة بذاتها. فكل الفضائل ما هي إلا تعبير عن حب الإنسان لله، ونتيجة لهذا الحب.. يقول الرب "من يحبني يحفظ وصاياي" (يو15) أما حفظ الوصايا بدون حب، فليس هو عملًا روحيًا، وليس هو فضيلة مسيحية. هناك أناس يسلكون حسنًا بالمستوي الأخلاقي، والمستوي الاجتماعي، ولكنهم ليسوا روحيين. سمعتهم طيبة، ولكن سلوكهم الطيب ليس نابعًا عن محبتهم لله.

 أسباب محبة النفس لله:

حب العروس للرب في سفر النشيد، له أسباب عديدة منها:

1- أول كل شيء، هو أن حب الله متعتها ولذتها:

تقول له "حبك أطيب من الخمر"، محبة تسكر، تنتشي بها النفس. بل تقول أكثر من هذا "إنني مريضة حبًا، أي أن محبة الله دغدغت أعضاءها، فلم تعد تحتمل تلك الطاقة الجبارة من الحب الإلهي.

جسدها أضعف من طاقات الروح، فلم تعد طاقة الجسد تقدر علي احتمال الحب الروحي، فأصبحت مريضة حبًا..

إنسان ترتفع درجة حرارة جسده، إذ هو مريض جسديًا، وإنسان ترتفع بالحب حرارة روحه، فإذ هو مريض حبًا، "مدروخ" من الحب الإلهي. مثلما قيل لبولس "كثرة الكتب حولتك إلي الهذيان يا بولس" (أع 26: 24).

هذا الهذيان البولسي المقدس، نشتهي جميعًا أن نصاب به..

إنسان من فرط الحب الذي فيه، يتكلم كلامًا لا يفهمه الناس، ويشعر شعورًا لا يدركه الناس، فيحسبونه يهذي.. !

 مشكلتنا أن محبة العالم تتصارع مع محبة الله فينا. فالجسد يشتهي ضد الروح، نحن نحب الله، ونلتذ بالعالم، ويوجد فينا شيء من التضاد ومن التناقض ومن الصراع.

أما الإنسان الذي يحب الله حقًا، ومحبة الله لذاته، فليس فيه صراع ولا جهاد. ولا يتعب في تنفيذ الوصية، لأنها لذته.

يتغني بوصايا الله، كما تغني بها داود في مزاميره " وصاياك هي لهجي" (مز119)، هي لذته. سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي. وجدت كلامك كالشهد فأكلته". واسم الله أيضًا حلو في فمه، كما نقول "حلو اسمك ومبارك في أفواه قديسيك، وكما قال داود "محبوب هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي" (مز119). وكما تقول عذراء النشيد "اسمك دهن مهراق"، ونترجمها في القداس "طيب مسكوب هو اسمك القدوس".

"طيب مسكوب هو اسمك، لذلك أحبتك العذارى".

العذارى هي النفوس التي لم تعط ذاتها لآخر، وأحبت الرب من كل القلب، سواء أكانت من البتوليين والمتزوجين. لذلك لقب الكتاب كل الذين يخلصون بخمس عذارى حكيمات.

 ثانيًا: العروس تحب الله، لأنها لا تجد له شبيهًا بين الآلهة.

كما نغني له في التسبحة " من في الآلهة يشبهك يا رب، أنت الإله الحقيقي صانع العجائب؟!". إن وضعنا الله وسط كل مشتهيات العالم، وكل آلهته، نجده يفوقها. لذلك تقول عذراء النشيد:

"حبيبي أبيض وأحمر، معلم بين ربوة" (نش5: 10).

الربوة هي 10000 أي إذا وضعت حبيبي بين عشرة آلاف، تجده مميزًا بينهم. متى إذن يتميز الرب في قلبك عن كل مشتهيات الدنيا، وكل سكانها، وتجده يفوقهم جميعًا.

 ثالثًا: العروس تحب الرب أيضًا، لأنه جميل:

"حلقه حلاوة وكله مشتهيات" (نش5: 16). هكذا تقول عروس النشيد للرب. ماذا تعني بعبارة (جمال الرب)؟ تعني أن إنسانًا يسير في طريق الرب فيجد الباب ضيقًا، والوصية ثقيلة، ولولا خوف الأبدية ما كان يستمر. فيقول للرب: من أول معرفتي بك، عرفت التجارب والضيقات، وعرفت الصليب وجثسيماني، وعرفت البكاء والدموع وهكذا لا يري الرب جميلًا..

ربنا هذا، هو شهوة نشتهيها، ولا نستبدل به شهوة العالم. وكما قال أحدهم "إن القداسة هي استبدال شهوة بشهوة، استبدال شهوة العالم بشهوة الله". نشتهي الله وكل ما يحيط به، ونجد فيه لذة وفرحًا. ومعه لا يعوزنا شيء.

ما أجمل التأمل في صفات الله. إنها تفرض محبته في القلب.. صدقوني لو أنكم لم تأخذوا من سفر النشيد سوي عبارة "كله مشتهيات" لكان هذا يكفي..

إن الله ليس ضريبة مفروضة عليكم، وليس نيرًا موضوعًا علي أعناقكم، وليس حاكمًا جبارًا، بل هو كل مشتهياتكم. كله مشتهيات.

لما أحب أوغسطينوس الله، صغر العالم في عينيه بكل شهواته، ولما أحب بولس الله قال "خسرت كل الأشياء، وأنا احسبها نفاية لكي أربح المسيح" (في3: 8). وأنت عندما تحب الله، ستموت محبة العالم في قلبك. قد تعتقد الآن أنه من الصعب التخلص من إحدى الخطايا، لأن محبة الله لم تملك عليك بعد. أما إن أحببته، فستجد أن الخطية فارقتك بكل سهولة..

 رابعًا: العروس أحبت الله، لأنه راعيها:

يهتم بها، يرعاها بين السوسن، في مواضع خضرة، عند مياه الراحة. يرعاها في الجنات، عند خمائل الطيب "حبيبي نزل إلي جنته، إلي خمائل الطيب، ليرعي في الجنات، ويجمع السوسن" (نش6: 2)، كلام موسيقي وجميل.. ولعلك تقول أين هذه الجنات والسوسن والطيب، ولسنا نجد سوي صوم ومطانيات وتجارب؟!

لو أحببت الله لأحببت كل هذا ووجدته خمائل من الطيب.

 خامسًا: والعروس أحبت الرب لأنه قوي، ويحرس ويسند، تشعر النفس في رعايته أنها محاطة بقوة عجيبة (نش6).. إله جبروته ليس ضد الإنسان، وإنما من أجل الإنسان، لحمايته ورعايته..

ما أكثر الصفات التي من أجلها نحب الله، لو أحصيناها واحدة فواحدة، ما كان العمر كله يكفي لسردها..

السجود أو "الميطانيات" في التدبير الروحي


السجود أو "الميطانيات" في التدبير الروحي

سؤال: نريد مدخل إلى المطانيات في التدبير الروحي
 الإجابة:

كلمة ميطانية prostration هي كلمة يونانية μετάνοια تعني التوبة أو تغيير النية ومراجعة الضمير.  سواء أكان ضميرنا من نحو الله أو من نحو الآخرين.  حيث تُقدَّم الميطانيه أمام الله على مستوى خاص، بينما تقدَّم للآخرين، وإنما على مستوى آخر.

في معناها الأول تأتي الميطانية كتعبير عن التذلل والانسحاق والخضوع التام والتعبير عن الندم والرغبة في نوال البركة والصفح، حيث تلامس الجبهة التراب، تتذكر أنها من تراب الأرض جُبِلَت، فتستجلب مراحم الله على ضعف الطبيعة البشرية.

ولكن الميطانية في أروع صورها هي الانسكاب عند قدمي المسيح، لتقديم كل ما يملكه الساجد من حب وعاطفة وامتنان أمامه.  لذلك فإن السجود يكون مبهجًا، تكتنفه عاطفة روحية جياشة من نحو الله..  فيقول مار إسحق: "كلما استنار الإنسان في الصلاة، كلما شعر بضرورة وأهمية عمل الميطانيات ويحلو له الثبات فيها، فكلما يرفع رأسه ينجذب من فرط حرارة قلبه للسجود؛ لأنه يحس بمعونة قوية في ذلك ويزداد فرحه وتنعمه".

الميطانية أيضًا هي حركة شخصية مختصرة للعبادة، وهي اعتراف عملي بسيادة الله وخضوعنا له؛ فإن عمل الميطانيات هو تدبير قائم بذاته كطقس عبادة لله، إذا توافر مع أدائها انسحاق القلب والشعور بالمهابة قدام الله أثناء السجود.  والميطانية هي الوسيلة التي نعبر بها عن طرحنا لهمومنا ومتاعبنا وأثقالنا، وذلك عند قدمي المسيح الذي قال: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (إنجيل متى 28:11).

وتمارَس الميطانية أيضًا للاستعطاف، وإطفاء لهيب الغضب، وامتصاص شحنة الكبرياء، وتهدئة المشاعر المضطربة، على أن تقدم الميطانية بصدق وعن قلب منسحق.  وعندما نصنع ميطانية أمام آخر يتغير فكرنا من نحوه، ونغير فكره من نحونا، ونبدد الخيالات من جهته ونطرد الأفكار المزعجة عنه.

وفي التدبير الرهباني، شاعت الميطانية -إلى جانب ما سبق- لتعبر عن أدب رهباني سليم..  كنوع من التوسل لتتميم أمر ما، أو في المقابلات كنوع من الوقار والخشوع والمحبة.

وبهذا فإن الميطانيه ليست حركة جسدية فحسب، ولكنها حركة قلب منسحق وضمير تائب وجسد يقدم نفسه ذبيحة حية لله، إما في هيكله المقدس أو لصورة الله في الآخرين، فهي تبدأ في الداخل..

 الميطانيات و الصحة الجسدية:

كذلك فإن الميطانيات مفيدة أيضًا للجسد، على أننا لا نمارسها كرياضة جسدية، ومع ذلك فهي مفيدة لاسيما في الصباح؛ حيث يحتاج الجسم أيضًا إلى نشاط وتحريك لدورته الدموية، وجعله مستعدًا لمزاولة نشاطه اليومي بشكل أفضل.

واليوم يقول أخصائيو العلاج الطبيعي أن الميطانيات التي يصنعها الرهبان وبعض من الذين في العالم، تقدم فائدة جسدية كبيرة للجسم؛ إذ تجعله في حالة لياقة بدنية مستمرة وتخلصه من الترهّل وتجنبه الكثير من أمراض العمود الفقري، إذا مورِسَت بطريقة سليمة.

 أنواع الميطانيات و ممارستها:

الميطانية ليست مجرد انحناء أو ركوع أو انطراح، ولكنها حركة من أعلى إلى أسفل تعقبها حركة مضادة: من أسفل إلى أعلى.  فعندما يحني الساجد ركبته فإنه يشعر في داخله أنه بالخطية تذلل وانحدر من أعلى، ويكرر ذلك بحسب العدد الذي ينصحه به أبوه الروحي، ومن هنا تمثل الميطانية حركة الحياة..  حركة الجهاد المستمر، بالتهاون نسقط وبالثقة في المسيح نقوم ونستقيم..

وللميطانية ثلاثة أشكال:

1- التطامن بالرأس: أو مجرد إحناء الرأس بينما الجسم يكون منتصبًا، مع ضم اليدين إلى الصدر، إما في شكل الصليب أو ضمّهما مستويين إحداهما على الأخرى، ووضعهما معًا على الصدر، وهو ما يحدث في القداس الإلهي عدة مرات، عندما ينادي الشماس على الشعب: "احنوا رؤوسكم للرب"، وذلك عدة مرات سواء عند قراءة التحاليل في نهاية رفع البخور، أو عندما يخضعون برؤوسهم عند تحليل الخدام..

2- الركوع: وتنتشر هذه الطريقة أكثر بين رهبان الغرب، حيث يطلق عليه Semi-prostration أي نصف ميطانية أو ميطانيه جزئية، وفيها يركع المصلي على ركبتيه، بينما ترتفع يداه لأعلى في شكل الابتهال.

3- السجود: أو الميطانية الكاملة Full Prostration، وهي السجود الكامل حيث تلامس الجبهة الأرض.  وتمارس الكنيسة هذا النوع من السجود الكامل عدة مرات في القداس الإلهي؛ فعند حلول الروح القدس على الأسرار في لحظات مهيبة يسجد الشعب..

ويفضل أن يركع المصلّي إلى أسفل أولًا، ومن ثم ينحني إلى الأمام، والقيام مرة أخرى على نفس النحو، حيث لا تؤثر كثرة الميطانيات على صحة الساجد، لاسيما عموده الفقري، مع ملاحظة أن تكون هناك وقفة قصيرة بين الميطانية والأخرى، حتى لا تتلاحق الأنفاس وينهك الجسد سريعًا.  وإنما تُصنَع المطانية برشاقة واتزان، مع فرد الجسد مستقيمًا تمامًا عند الوقوف.

يلاحَظ أيضًا عند السجود أن تضم قبضة اليد بحيث يؤلف إصبع الإبهام مع الثلث السفلي من إصبع السبابة: شكل الصليب.  ففي ذلك يكمن معنى الاستعداد والإرادة والقوة، والعبادة بنشاط.  كما أن عظام اليد لا تُرهَق بهذه الطريقة، ذلك بالمقارنة مع الطريقة الخاطئة في السجود بفرد الأصابع.

وإذا لاحَظ المصلي أن أصابع اليد قد بدأ يظهر فيها بعض التيبّس عند نهاية العقلات في ظهر اليد بصورة ملحوظة، يمكنه عندئذ التركيز في السجود على بطن اليد، مع الاحتفاظ بوضع اليد على النحو المذكور.

ولكن هناك شكل جديد من الميطانيات، أخذ في الانتشار في الآونة الأخيرة، وهو مؤسف ولا موضع له، لا في الكتاب المقدس، ولا في تراث الآباء؛ وهو مجرد الانحناء لتلامس أطراف أصابع اليد اليمنى الأرض، أمام الهيكل أو أجساد القديسين أو الآباء الأساقفة.  ويعلل البعض ذلك بضيق الوقت وزيادة الأعداد الراغبة في نوال بركة الآباء الأساقفة أو الاضطرار إلى عمل ذلك في الطرق مما لا يتناسب معه عمل الميطانية الكاملة.

ومن هنا يمكن أن يكون وضع الميطانية الكلمة وطقسيًا بالنسبة للآباء الأساقفة هو داخل الكنيسة، بينما يكتفي خارج الكنيسة بالانحناء بشكل لائق.  ولكن يجب ألا يكون ذلك -أي مجرد الانحناء- هو شكل الميطانية في المخدع.

 وشكل آخر من السجود يمارسه الإنسان عندما تكون نفسه مرة للغاية، كمن لم تعد له قوة على الوقوف أو الطلب والابتهال، وفي هذا تعبير عن عظم شوقه أو انكسار قلبه، ويخر على وجهه إلى الأرض..  ولهذا أمثلة في الكتاب المقدس (إنجيل مرقس 35:14؛ ملوك الأول 42:18؛ لوقا 12:5).

أنواع أخرى من الميطانيات:

تصنع المطانيات أيضًا أمام أجساد القديسين في أي وقت من النهار، حيث فيها التكريم لأصفياء الله..  فقد وُجد السجود بدافع التكريم في الكتاب المقدس..  كما نسجد أمام الآباء البطاركة والأساقفة للتبجيل والاحترام على النحو السابق، باعتبار أن الأسقف هو ممثل للسيد المسيح، ولذلك فإننا نحتفل بأجساد القديسين ونستقبلهم وكذلك الآباء الأساقفة، بألحان هي موجهة في الأصل إلى السيد المسيح نفسه؛ مثل لحن إبؤرو (لحن يا ملك السلام)، و لحن إك إزمارؤوت (لحن مبارك أنت)، و لحن إفلوجيمينوس (المبارك)..  وهي ألحان تخص الله وحده.

ويمكن السجود أمام الآخرين ممن نشعر أننا أسأنا إليهم، وهو الأمر الذي يرد كثيرًا في قصص الآباء، حيث ننسحق أمام الآخر ونطلب الصفح، تمامًا مثلما نسجد أمام الله لطلب الغفران..

ويستخدم كثير من المدبرين هذا التدبير أيضًا بخصوص الوقوع في بعض الخطايا الصعبة؛ إذ يربطون بين الحروب النجسة مثلًا والكبرياء، فينصحون الخاطئ بعمل عدد من الميطانيات لعدة أيام يصاحبها أصوام وصلوات، علّ باتضاع الجسد تتضع الروح وتخفّ الحرب..

ولكن على المدبرين الانتباه إلى أنه قد يتحول تدبير الميطانيات إلى عقوبة بالنسبة للبعض! مما يؤدي إلى عواقب وخيمة، فتضيع حلاوتها وتصبح عبئًا يسعى في التخلص منه.

 عدد الميطانيات:

إن عمل الميطانيات على النحو الذي شرحناه (في السجود الكامل) يفسر لنا كيف كان الآباء يصنعون مئات الميطانيات بل آلافًا في بعض الأحيان في اليوم الواحد، دون إرهاق شديد للجسد أو إساءة إليه، فهو وزنة يجب علينا المحافظة عليها.

إن السجود المتواتر يصاحب الصلاة والسهر ويرتبط به جدًا في التدبير الروحي..  وهناك الكثير من الأمثلة من قصص القديسين وكتابات الآباء الأول حول عدد الميطانيات..

ولكن الأمر يحتاج إلى تدرّج، وليبدأ المصلي المبتدئ في عمل الميطانيات، باثنتي عشر ميطانية، بالاتفاق مع الأب الروحي.  فإذا كان أب الاعتراف ممن يشفقون على أولادهم من كثرة التعب، فعلى الشخص نفسه أن يعرض رغبته على أب اعترافه في اشتياقه إلى تذوق حلاوة الميطانيات، على ألا يزيد العدد المتفق عليه دون الرجوع إليه، وبعد مرور مدة لا تقل عن السنة من بداية ممارسة العدد الأول.

أو من الممكن أن يبدأ الإنسان بعمل عشر ميطانيات، يزيد عليها واحدة كل أسبوع أو أسبوعين حتى يصل إلى خمسين ميطانية مثلًا..   هذا المقال من موقع كنيسة الأنبا تكلا.

ويقول أحد الآباء المباركين أنه يمكن للمصلي أن يضرب ميطانية واحدة في بداية الصلاة، ثم بعد نهاية كل مزمور..  أو عند كل كلمة سجود ترد في الصلاة..  ولكن يحسن أن تكون الميطانيات مجتمعة، تضرب قبل البدء في الصلاة أو عقب الصلاة في شكل دفعة واحدة، إذ يشعر المجاهد معها بلذة روحية كبيرة.

ويعتبر العدد المتوسط والمناسب للشخص العادي، هو ثلاثين ميطانية أو ثلاثة وثلاثين، لا تزيد إلا مع استثناءات قليلة، ذلك بالنسبة للشخص الذي يحيا في العالم.  أما بالنسبة للراهب فإنها تزيد عن ذلك كثيرًا، وبالتدريج، كما أن الراهب يدخل في تدبير روحي مختلف.

ويمكن تقسيم الميطانيات (بالنسبة للمبتدئ) إلى عدة دفعات، ولتكن الدفعة الأولى للشكر والتسبيح، والثانية لأجل تقديم التوبة، والثالثة للصلاة عن الآخرين، وأما الرابعة فيمكن تخصيصها لأجل أمر ما بعينه.

 متى تنصع الميطانيات (أوقات ممارستها):

يُعَد الوقت المناسب للميطانيات هو الصباح الباكر، وقبل صلاة باكر، أو عقبها مباشرة، بحيث يعطي المصلي لله باكورة الجهد في اليوم (القوة الجسدية)، وقبل استخدام هذا الجهد في أي أعمال أو اهتمامات أخرى.  كما أن هذا الوقت مناسب كحركة جسدية أو نشاط جسدي مع بطن خالية من الطعام، ومع ذلك فلا مانع من توزيعها على فترات من النهار -لاسيما مع الأعداد الكبيرة- على ألا تُصنَع بعد الأكل مباشرة، وإنما بعد مرور ساعتين على الأقل.  ولكن، وبما أن الميطانية هي عمل نسكي، فمن المناسب جدًا أن تصنع مع الصوم المقرون بالصلاة.

 أوقات لا تجوز فيها الميطانيات:

أما الأوقات التي لا يجوز فيها عمل الميطانيات كسلوك نسكي وتعبير عن الانسحاق، فهي أيام السبوت والآحاد والأعياد السيدية.  وكذلك الفترة من عيد الميلاد وحتى عيد الختان، وأيضًا الفترة من عيد النيروز وحتى عيد الصليب، إضافة إلى الخمسين المقدسة عقب عيد القيامة.  فهي أيام فرح لا يناسبها التذلل والانسحاق.  وأما الأيام التي نتناول فيها من الأسرار المقدسة، فإنه لا تجوز فيها أيضًا الميطانيات، إلا إذا كان الشخص حريصًا وقام بعملها قبل بدء القداس الإلهي.  غير أن التناول أيضًا لا يمنع السجود أمام هيكل الله وكذلك في بداية الصلاة في المخدع.

كما يُعفى من الميطانيات كل من المريض ومن يعاني آلامًا في العمود الفقري والمتقدم في السن (إن كانت قوته الجسدية لا تسمح بذلك).

من كتاب خبرات في الحياة ... مرآة محطمة +++ البابا شنودة الثالث


من كتاب خبرات في الحياة ... مرآة محطمة +++ البابا شنودة الثالث

إنني اعرفه منذ زمن بعيد. وهو طول عمره إنسان صريح صادق ومن طبعه انه لا يتملق أحدًا ولا يجامل أحدًا على حساب الحق...

قابلني. فسألته عن حاله، فقال لي: 

عيبي أنني مرآة تقدم لكل من يواجهها صورة حقيقية عن نفسه. والناس -للأسف الشديد- لا يحبون صورتهم الحقيقية...
وقد أرادوني أن أكون مكياجًا، لا مرآة...
وأنا لست كذلك. لذلك حطموني لأنني كلمتهم بالصدق والصراحة. شوهوا سمعتي. ووصفوني بأبشع الأوصاف... وهوذا أنا الآن، وقد أصبحت مرآة محطمة...
فقلت له: هل تعبت نفسيتك لما هاجموك؟ وهل غيرت أسلوبك؟

فنظر إلى نظرة عميقة، ثم قال: لقد وجدت اليوم ما عزاني: لي صديق مريض بحمى شديدة وأهله يريدون كل يوم أن تنخفض حرارته وهى لا تنخفض... وقد زرته اليوم. وأراد أخوه أن يطمئن على حرارته. ولكنه لما قرأ الترمومتر، وجده على العكس يشير إلى ارتفاع في الحرارة. فاستشاط غضبا. وامسك الترمومتر في غيظ ودق به الحائط، فحطمه...!
مسكين هذا الترمومتر الصريح الصادق. ما ذنبه؟!
إنه مثلى: مرآة محطمة...!

من كتاب تأملات في سفر نشيد الأناشيد ++ هوّذا تخت سليمان، حوله ستون جبارًا (نش 3: 7) ++ البابا شنودة الثالث


من كتاب تأملات في سفر نشيد الأناشيد - البابا شنودة الثالث
 هوّذا تخت سليمان، حوله ستون جبارًا (نش 3: 7)


هوذا تخت سليمان Solomon's couch حوله ستون جبارًا (نش 3: 7).

نود أن يكون تأملنا اليوم في قول الوحي في سفر النشيد: تخت سليمان حوله ستون جبارا من جبابرة إسرائيل. كلهم قابضون سيوفًا ومتعلمون الحرب. كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل (نش 3: 7, 8).

سليمان رمز المسيح

لان كلمة (سليمان) معناه "رجل سلام". وقد قيل عن السيد المسيح انه "رئيس السلام" (أش 9: 6) وانه هو سلامنا (أف 2: 4) وهو الذي قال "سلامي اترك لكم. سلامي أنا أعطيكم" (يو 14: 27) وهو الذي صنع سلاما بين السماء والأرض، ونقض الحائط المتوسط أي العداوة (أف 2: 14،17)

وسليمان كان يمثل الحكمة والمسيح هو أقنوم الحكمة. هو "حكمة الله وقوة الله" (1كو1: 24). سليمان هو ابن داود الباني للهيكل والمسيح هو ابن داود، وهو ابن الله الذي بنى الكنيسة هيكل الله القوس (1كو3: 16)

عبارة " تخت سليمان " تعنى عرشه، ويرمز إلى عرش المسيح.
حوله ستون جبارًا من جبابرة إسرائيل. وكلمة (إسرائيل) هنا ترمز إلى الكنيسة المقدسة.

عرش الله إذن حوله الجبابرة، أي النفوس القوية.
التي حاربت حروب الرب، وانتصرت على العالم والجسد والشيطان.
أما النفوس الضعيفة التي لم تتثبت في حروبها الروحية، فليس لها نصيب حول عرش الله. الإنسان الضعيف الذي مجرد شهوة تحطم قلبه وإرادته وفكره. هذا لا يمكن أن يكون من الجبابرة المحيطين بعرش الله.

العجيب أيها الأخوة الأحباء أن سفر العدد الذي أمر الله فيه بعد خاصته، لم يدخل في ذلك التعداد والإحصاء جميع الناس.

إنما أمر الله بإحصاء النفوس القادرة على القتال، القادرة على حمل السلاح، أي "كل خارج للحرب" (عد1: 2, 3) هؤلاء هم الجبابرة. كلهم قابضون سيوفا ومتعلمون الحرب. كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل. من هول الظلام، من هول الأخطار. من هول الشهوات ومحبة العالم.

فان حاربك في احد الأيام فكر من الأفكار، واستسلمت له، لا تكون حينئذ جبارًا متعلمًا الحروب. بل تكون إنسانًا قد ألقى سلاحه وانطرح أمام العدو على الأرض.

الإنسان المتعلم الحرب، هو إنسان خبير بالأفكار، خبير بحروب العدو، كما قال القديس بولس الرسول "نحن لا نجهل أفكاره" (2كو 2: 11).

بل نعرف خداع الشيطان، ونميز الأرواح (1كو 4: 1) هل هي من الله أم من العدو..

وهذه الحرب قد شرحها القديس بولس في رسالته إلى أهل أفسس فقال "إن مصارعتنا ليست مع لحم ودم.. بل مع أجناد الشر الروحية" (أف 6: 12). مع الشياطين، مع الجسد، مع كل قوة العدو.

ما أجمل قول ملاك الرب لجدعون "الرب معك يا جبار البأس" (قض 6: 12)
حقًا إن السماء لا يصل إليها فيما بعد إلا جبابرة البأس الذين انتصروا في الحروب.
الذين يرتلون مع جموع الغالبين: شكرا لله الذي يقودنا في موكب نصرته (2كو 2: 14)

سِتّون جبارًا:

لماذا اختار هذا الرقم (60)؟ والى أي شيء يرمز؟

ستون = 6 *10. والرقم 10 يرمز إلى الكمال، والى الوصايا.

والرقم 6 يرمز إلى تمام العمل. فالله قد أتم عمله في الخلق في ستة أيام. والسيد المسيح أتم عمله في الفداء في اليوم السادس. وفي الساعة السادسة. والإنسان يتمم كل عمله في ستة أيام، ويستريح في اليوم السابع حسب الوصية..

 فمادام الرقم 6 يرمز إلى أتمام العمل والرقم 10 يرمز إلى الكمال والوصايا

 إذن الرقم 60 يرمز إلى كل من تمموا عملهم في وصايا الرب في الكمال.

فان سالت وقلت: هل حول عرش الله ستون جبارا فقط؟

نجيب إنما هذا الرقم هو رقم رمزي، يرمز إلى كل جبابرة الروح الذين كملوا في الإيمان، الكاملين في قوتهم، الكاملين في جهادهم وفي انتصارهم.. لا نقصد الجبابرة في أجسادهم وفي قوتهم الجسدية، بل الجبابرة في أرواحهم، حتى لو كانوا صغارا.

داود النبي -أمام جليات- كان جبارًا وهو فتى صغير.

كل الجيش خاف. ولكنه كان الوحيد الذي لم يخف، وتقدم لمحاربة جليات في جبروت في الوقت الذي خاف فيه شاول الملك (1صم 17: 11) وكان اطول من جميع الشعب (1 صم 10: 23).

شاول الملك الذي كان جبارًا في جسده، لم يكن جبارا في روحه "فبغته روح رديء من قبل الرب" (1صم 16: 14) وكان يصرعه. والذي كان ينقذه من ذلك الروح الردئ كان داود الصغير أحد الجبابرة الذين حول العرش. كان داود جبار بأس وفصيحا ورجلا جميلا والرب معه (1صم 16: 15) وهذه العبارة الأخيرة كانت سر جبروته.

داود الجبار كانت تخافه الشياطين. يكفى ان يضرب على عوده ويصلى مزاميره، حتى لتهرب الشياطين مرتعبة..

جبار له سلطان على الشياطين!!

 نريد في الكنيسة مجموعة من هؤلاء الجبابرة الذين تخافهم الشياطين. ليتكم تستعرضون في تاريخ الكنيسة القديسين الذين كان لهم سلطان على الشياطين.. تذكروا قصة ذلك القديس الذي أتى شيطان لمحاربته، فربطه خارج القلاية.. تذكروا القديس ايسوذورس الذي قالت له الشياطين: أما يكفيك أننا لا نستطيع أن نمر على قلايتك، ولا على القلاية التي جوارك. وأخ واحد في البرية، جعلته بصلاتك يتعدى علينا النهار والليل؟!

وأنت يا أخي أن كنت تخاف الشياطين، أتستطيع أن تحسب نفسك من الجبابرة المحيطين بالعرش الذين لهم سلطان على كل قوة العدو؟! (لو 10: 19).

هل تكون جبارًا , أم أمتلك الشيطان إرادتك وكان يقدر أن يغريك بخطية ويستولى على نفسك؟! لا تظن أن الشيطان كريما في عطائه، يعطى بلا مقابل!! كلا فهو يعطيك ما تشتهيه في مقابل أن يأخذ كل ما عندك، وأسمى ما عندك: روحك وأبديتك.. !

الشيطان لا يقبل على نفسه أن يدخل في صفقة خاسرة. انه يأخذ دائمًا أكثر مما يعطى.
أرباحه أكثر من مصروفاته.. وهكذا يفعل مع الذين يلجأون إلى السحر مثلًا..

عجيبة هي صورة الملاك ميخائيل، وسيفه في يده، وهو يدوس على الشيطان بقدمه.. لاشك أنه أحد الجبابرة الذين حول العرش..

وأنت، أتريد أن تكون جبارًا في محاربة الشياطين؟
أنك تكون كذلك, أن لم تكن الشهوة يحاربك الشيطان بها.

إن الشيطان يتحسس حياتك الروحية، محاولًا أن يعرف نقط الضعف فيك لكي يحاربك بها. انه يختبر الأرض وصلابتها التي سيضرب فيها بمعوله. يرى أين توجد الأرض الرخوة واللينة التي يتخذها ميدانا لعمله فيشققها كما يشاء. أما الصلبة فلا يقترب منها.

هناك جبابرة وقفوا ضد الشيطان في قتالهم لأجل الفضائل.

خذوا فضيلة العفة مثلًا. وكيف كان من جبابرتها يوسف الصديق، وسوسنة العفيفة وأمثالهما.. دانيال النبي والثلاثة فتية كانوا في قصر الملك، ورفضوا أن يأكلوا من أطيابه ومن خمر مشروبه (دا 1: 8)، بل ورفضوا معبوداته. ولم يخف دانيال من أن يلقى في جب الأسود (دا 6: 16) ولا الثلاثة فتية خافوا من إلقائهم في أتون النار (دا 3: 17).

إنهم الجبابرة لا يعرفون الخوف. كلهم قابضون سيوفًا ومتعلمون الحرب.

الشهداء القديسون أيضًا كانوا جبابرة لا يعرفون الخوف.

وقفوا أمام الأباطرة والملوك والولاة والحكام. وقفوا أمام الحرق والشنق والعصر والجلد والتمزيق والتعذيب وكل صنوف الاضطهاد، ولم يبالوا - كان إيمانهم وثباتهم أقوى من العذاب.

هناك جبابرة آخرون في عالم النسك: في الصلاة والسهر والوحدة،في العبادة وفي التجرد، مثل سكان البرية من المتوحدين والنسك والسواح..

أرسانيوس الجبار، كان يقف متجها للشرق، والشمس وراؤه وقت الغروب.

و يظل ساهرا طول الليل حتى تظهر الشمس أمامه في أول النهار.. انه جبار. بينما آخرون لا يستطيعون أن يصمدوا في السهر، وحالما يحاربهم النوم يتركون صلاتهم. أين هؤلاء من الجبابرة الذين حول العرش, الذين مثلهم: القديس مكاريوس الإسكندراني، الجبار في سهره. الذي تحدث عن حروبه من جهة السهر فقال: حوربت مرة بالنوم ونمت. فصممت أن أقاتل النوم. وبقيت 21 يومًا لا أبق جفنا على جفن, حتى شعرت أن مخي قد نشف.

جبابرة آخرون لم يسمحوا لأية قوة أن تفصلهم عن الرب.

مثل القديس بولس الرسول الذي قال "من سيفصلنا عن محبة المسيح؟.. إنني متيقن أنه لا موت ولا حياة، ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلية،ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى، تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا (رو 8: 25-29)

إن ملكوت السموات، لا يدخله إلا جبابرة الروح.

 ولكننا للأسف الشديد، كثيرًا ما نحاول أن نكون جبابرة على الناس، ولا نكون جبابرة في تعاملنا مع أنفسنا!!

بينما يقول الكتاب "مالك روحه خير ممن يملك مدينة" (أم 16: 32)

أنبا بولا كان جبارًا في الوحدة. قضى ثمانين سنة لا يرى فيها وجه إنسان، ولا يتعزى بكلام الناس، إنما عزاؤه بالله وحده.

 هناك أشخاص آخرون كانوا جبابرة في الصوم،منهم من عاش ثلاثين سنة لا تبصره الشمس آكلًا. ومنهم من عاش عمره كله نباتيا، لا يأكل لحمًا طول حياته ومنهم من كان يطوى الأيام لا يأكل شيئًا فيها ولا يشرب.

هكذا عاش جبابرة الصوم. أما في جيلنا هذا فما أكثر الكنائس التي خفضت الأصوام أو كادت تلغيها، بحجة الإشفاق على الناس!!

آباؤنا كانوا أيضا جبابرة في حفظ آيات الكتاب المقدس.

كانت الآيات تجرى على ألسنتهم بمنتهى السهولة. لدرجة أن احد العلماء قال: "لو ضاع الكتاب المقدس، لأمكن جمعه من كتابات الآباء"..

كانوا جبابرة في الصمود. لا يستطيع أحد أن يثيرهم …

يوجد أشخاص ضعفاء، يثارون بسرعة. تثيرهم أية كلمة يظنون أنها تجرح مشاعرهم. بل حتى كلمات المديح والإعجاب، فتحرك فيهم محبة المجد الباطل. يثيرهم أي منظر جنسي.. اقل شيء يعتبرونه عثرة!

مساكين هؤلاء – إنهم ليسو من النوع الذي يقف حول عرش الله.. ليسوا كالجبابرة الذين حول تخت سليمان.

إنني أريدكم يا أخوتي أن تكونوا جبابرة في حروب الرب.

لاشك أن الملائكة عندما تصف الكنيسة المقدسة، وما فيها من أبرار لم تهزهم مغريات العالم، ولم تتعبهم حروب الشياطين، يقف ميخائيل رئيس الملائكة، وفي يده قيثارة ذهبية وينشد مع ملائكته: "تخت سليمان حوله ستون جبارًا.."