البركة من مصادر أخرى +++ البابا شنودة الثالث




من كتاب الكهنوت +++ البابا شنودة الثالث
البركة من مصادر أخرى

نذكر في المقدمة بركة الوالدين:

سواء قالوا البركة بألسنتهم، أو نال الابن بركة إكرامهم. وفي ذلك يقول بولس الرسول: "أكرِم أباك وأمك، التي هي أول وصية بوعد" (أف 6: 2). ولعل المقصود هو البركة التي ذكرت في الوصايا العشر "أكرم أباك وأمك، لكي تطول أيامك على الأرض" (خر 20: 12).

هناك بركة أخرى هي بركة خدمة الفقراء والمساكين:
ولعل من أمثلتها قول أيوب الصديق في حديثه عن خدمته للمساكين: "بركة الهالك حَلَّت على" (أى 29: 13). أي أن الشخص الذي كان يهلك، أو كان في حكم الهالك وأنقذته، هذا بركته حلت على.

وهنا بركة، سواء كلمة دعاء من الفقير أو طالب المعونة، تكون بركة للإنسان، أو مجرد بركة الخدمة ذاتها ولو في الخفاء

بركة دعاء من أي أحد:

كقول الرسول: "باركوا على الذين يضطهدونكم. باركوا ولا تلعنوا" (رو 12: 14). ولعله قد أخذ هذا من قول الرب في العظة على الجبل: "أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم " (مت 5: 44).

وفى هذا المعنى يقول القديس بطرس الرسول: "غير مجازين عن شر بشر، أو عن شتيمة بشتيمة، بل بالعكس مباركين" (1بط 3: 9).

فإن كان الإنسان يمكن أن يتلقى كلمة بركة من أي إنسان، حتى ممن قد أساء هو إليه، فكم بالأولى كلمة البركة من الكاهن الذي استؤمن من الله على منح البركة.

إذن عبارة "كيف نأخذ بركة من إنسان "لا تتفق مع الحق الإنجيلي. ومن ناحية أخرى، فإن مباركة الكهنة للشعب عبارة عن وصية أمر بها الرب. وإن لم ينفذوها يكونون مقصرين ومخطئين.

والعجيب أن الذين يحتجون على منح الكاهن للبركة، كثيرًا ما يقول كل منهم لمن يخاطبه " الرب يباركك". وقد يقولها في حديثه مع أحد الآباء الكهنة القسوس، أو أحد الأساقفة، ككلمة دعاء.

روائع التاملات .. لماذا نحب الله؟ ++ البابا شنوده الثالث



روائع التاملات
من كتاب المحبة قمة الفضائل ++ البابا شنوده الثالث
لماذا نحب الله؟

فلنأخذ سفر النشيد الذي يعطينا مثالًا عن محبة النفس لله. فلماذا كانت تحبه؟

1 - أول كل شيء، هو أن حب الله متعتها ولذتها:

نقول له (حبك أطيب من الخمر) (نش2:1). إنها محبة تسكر. تنتشي بها النفس. بل تقول (أني مريضه حبًا) (نش5:2). أي أن محبة الله قد دغدغت جسمها، فلم تعد تحتمل تلك الطاقة الجبارة من الحب الإلهي.

جسدها أضعف من طاقات الروح. فلم تعد طاقة الجسد تحتمل الحب الإلهي، فأصبحت مريضة حبًا..

إنسان ترتفع درجة حرارة جسده، إذ هو مريض جسديًا. وإنسان آخر ترتفع بالحب درجة حرارة روحه، فإذا هو مريض حبًا.. (مدروخ) من الحب الإلهي. مثلما قيل لبولس الرسول (كثرة الكتب حولتك إلى الهذيان يا بولس) (أع26: 24).

هذا الهذيان البولسي المقدس، نشتهي نحن جميعًا أن نصاب به.

إنسان من فرط الحب الإلهي الذي فيه، يتكلم كلامًا لا يفهمه الناس، ويشعر بشعور لا يدركه الناس، فيحسبونه يهذي!

مشكلة أهل العالم، أن محبة العالم تتصارع فيهم مع محبة الله. فالجسد يشتهي ضد الروح التي تشتهي الله (غل5: 17).

فهم يتلذذون بالعالم، فيما يريدون أن يحبوا الله!! وهكذا يجود في حياتهم شيء من التضاد ومن التناقض، ومن الصراع، بغير استقرار.

أما الإنسان الذي يحب الله حقًا، ومحبة الله هي متعته، فليس فيه صراع ولا تضاد. ولا يتعب في تنفيذ وصيه الله، لأنه لذته..

أنه يتغني بوصايا الله، كما تغني بها داود في مزاميره (وصاياك هي لهجي) (سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي) (محبوب هو أسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي) (مز119). أو كما تقول عذراء النشيد (أسمك دهن مهراق) ونترجمها في القداس الإلهي (طيب مسكوب هو أسمك القدوس).

(طيب مسكوب هو أسمك، لذلك أحبتك العذارى) (نش1: 3) ونعني بالعذارى النفوس التي لم تعطي ذاتها لأخر، إذ أحبت الرب من كل القلب. سواء أكانت هذه النفوس من البتوليين، أو المتزوجين. لذلك فإن الكتاب لقب كل اللذين يخلصون بخمس عذارى حكيمات.

2 - النفس تحب الله، لأنها لا تجد له شبيهًا.

كما نغني له في التسبحة ونقول (من في الآلهة، يشبهك يا رب؟! أنت الإله الحقيقي، صانع العجائب).

أن اله، إذا قارنا محبته بكل مشتهيات العالم، وكل آلهته، نجده يفوقها جميعًا، لذلك تقول عذراء النشيد:

( حبيبي أبيض واحمر، معلم بين ربوه) ( نش5: 10).

أبيض في نقاوة قلبه، وفي أنه النور الحقيقي.. وأحمر في الدم المسفوك لأجلنا ولأجل خلاصنا.. وهو مميز بين ربوة، أي أن وضعت حبيبي بين عشرة آلاف، ا جده مميز بينهم.. متى إذن يتميز الله في قلبك عن كل مشتهيات الدنيا وكل سكانها وتجده يفوقهم جميعًا..؟

كل شهوات العالم زائلة، تنتهي بعد حين، أما محبة الله، فتبقي إلى الأبد. شهوات العالم سطحية، أما محبة الله فلها عمق ولها قدسية. وترفع مستوى الإنسان.

في حين أن شهوات العالم تهبط بمستواه..

كلما أحبك يا رب، ترفعني إليك لأعيش في السماوات. أما إن أحببت العالم، فإنه يهبطني معه إلى الأرض، إلى التراب والأرضيات.

3 - نحن أيضاَ نحب الله من أجل بهائه.

إنه (أبرع جمالًا من بني البشر) (مز45: 2).

تناديه عذراء النشيد فتقول (ها أنت جميل يا حبيبي) (نش 1: 16). فهل حقًا نري الله كذلك؟

ربما إنسان يسير في طريق الله، فيجد أن الباب ضيق، والطريق كرب (مت7: 14). ويجد أن الوصية ثقيلة، ولولا خوف الأبدية ما كان يستمر. فيقول للرب: من أول معرفتي لك، عرفت التجارب والضيقات (يو33:16). وعرفت الصليب وهكذا لا يري الحياة مع الله جميلة!!

أما الذي يحب الله، فكل شيء في عينيه: الله وصليبه، وتجاربه ووصاياه.

ويري الطريق حلوًا، مهما كان ضيقًا.. يكفي أنه يوصل إلى الملكوت.. ولا تحزنه التجارب، إذ يري فيها بركاتها، فيغني مع يعقوب الرسول (احسبوه كل فرح يا إخوتي، حينما تقعون في تجارب متنوعة) (يع1: 2).
وينشد مع بولس الرسول (افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا) (في 4:4)

ومن أجل محبته لوصايا الله، يقول مع يوحنا الرسول إن (وصاياه ليست ثقيلة) (1يو3:5).

عذراء النشيد تغني بجمال الرب فتقول.

(حلقة حلاوة. كله مشتهيات) (نش16:5) (فتي كالأرز، طلعته كلبنان) (نش15:5).. وتشرح باقي صفاته. حقا إن الوجود مع الله، هو شهوده نشتهيها. وكما قال الآباء إن القداسة هي استبدال شهوة بشهوة، إذ نترك شهوة العالم، لنحظى بشهوة التمتع بعشرة الله.. نشتهي الله وكل ما يتعلق به، وكل ما يوصلنا إليه. ونجد فيه لذتنا وفرحنا ومعه لا يعوزنا شيء..

ما أجمل التأمل في صفات الله. إنها تغرس محبته في القلب.

الله المحب، الطويل الروح، والكثير الرحمة، الجزيل التحنن، الذي لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا (مز103). الله الكلي القداسة، الكلي الحكمة، الكلي القدرة، المخبأة فيه كل كنوز الحكمة والعلم (كو2:3)..

الله الذي نتغنى بصفاته في القداس الغريغوري وفي تحليل آخر كل ساعة، وفي صلوات المزامير.

4 - (نحب الله، لأنه أحبنا قبلًا) 1يو19:4).

هو الذي أحبنا وفدانا. لأنه (هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية) (يو16:3).. هذه هي المحبة. ليس أننا نحن أحببنا الله. بل أنه هو أحبنا، وأرسل ابنه كفارة لخطايانا) (1يو4: 10).

نحبه لأنه نقشنا علي كفه (أش49: 16). ووعدنا بأن (كل آلة صورت ضدنا لا تنجح) (اش45: 17)، وأن أبواب الجحيم لن تقوي علينا (مت 16: 18). ما أكثر وعوده المعزية..

5 - نحب الله، لأنه أبونا، وراعي نفوسنا.

هو الذي تغنى داود برعايته فقال (الرب يرعاني فلا يعوزني شيء. في مراع خضر يربضني. إلى ماء الراحة يوردني. يرد نفسي إلى سبل البر) (مز 23).

هو الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يو 10: 11، 14). وهو الذي قال (أنا أرعى غنمي وأربضها.. وأطلب الضال، واسترد المطرود، واجبر الكسير، واعصب الجريح) (خر 16:34).

وعذراء النشيد تسميه (الراعي بين السوسن) (نش2:16) هو الأب الحاني علي أولاده، الذين يعطيهم خيراته بكل سخاء، ويهتم بهم ويغدق عليهم من عطاياه، حتى أن داود النبي يقول في المزمور (باركي يا نفسي الرب، ولا تنسي كل إحساناته، الذي يغفر جميع ذنوبك، الذي يشفي كل أمراضك، الذي يفدي من الحفرة حياتك، الذي يكللك بالرحمة والرأفة، الذي يشبع بالخير عمرك، فيتجدد مثل النسر شبابك) (مز103:1-5).

6 - إننا نحب الله، لأنه قوي، يحرس ويسند.

تشعر النفس المحبة لهم، انه في حمايته، محاطة بقوة عجيبة ينقذها بذراع قوي، وبيد حصينة. فلا تخشي من خوف الليل، ولا من سهم يطير بالنهار. فهو يعزيها بقوله (إليك لا يقتربون، بلا بعينيك تنظر وتري مجازة الأشرار) لذلك فهي تغنى قائلة (الساكن في ستر العلي، وفي ظل القدير يبيت) (مز91:1-8) (إن لم يحرس الرب المدينة، فبطلًا يسهر الحارس) (مز127:1).

7 - إننا نحب الله لأسباب عديدة لا تحصي.

إذ انه بمحبة الله، يعيش الإنسان في فرح دائم: يفرح بأرب الذي يقوده في موكب نصرته (2قو2:14).. وينقله من خير إلي خير. ويفرح لتمتعه بالرب، ولأن الخطية لا مكان لها في قلبه ولا مكانة. ولأن محبة الله طردتها. حقًا قد تحدث له حروب ومقاومات من الشيطان، ولكنه مقاومات من الخارج فقط، أما قلبه من الداخل فيملك عليه السلام. وهكذا تجتمع في قلبه الفرح والمحبة والسلام، والتي هي أولى ثمار الروح (غل5:22).

نحن نحب الله، لأن محبته تطرد الخوف من خارج قلوبنا (1يو4:18). فلو ملكت المحبة علي قلوبنا، لا نعود نخاف الله ولا الدينونة، ولا نخاف الناس، ولا الخطية ولا الشيطان..

نحب الله، لأنمه بمقدار محبتنا له سيكون فرحنا به في الأبدية وستكون سعادتنا.

لأن في الأبدية (نجمًا يمتاز عن نجم في المجد) (1كو15: 41). وهذا الامتياز تحدده المحبة. فحسب مقدار محبتنا يكون امتياز درجتنا ومتعتنا في الأبدية.

يا أخوتي. أريدكم أن تدربوا أنفسكم علي محبة الله. أخرجوا من مظاهر الحياة الروحية، وأدخلوا إلى عمق الحب.

وأعلموا أن محبتكم لله، هي التي تعطي روحياتكم عمقًا..

لقد أنكر بطرس سيده ومعلمه، وسب ولعن وقال لا أعرف الرجل (مت 26: 7- 74). ولكن الرب لما عاتبة بعد القيامة، لم يذكر له موضوع الإنكار، وإنما سأله قائلًا (يا سمعان بن يونا، أتحبني أكثر من هؤلاء؟) (يو 21: 15).

فأجاب بطرس (أنت تعلم يا رب كل شيء. أنت تعلم أني أحبك)..وبهذه المحبة نال المغفرة، ورجع إلى رتبته الرسولية..

أن كانت محبة الله لها كل هذه الأهمية فلعلنا نسال: ما الذي يعوق محبتنا لله؟

من تاملات سفر نشيد الأناشيد .. في الليل ++ البابا شنودة الثالث



من تاملات سفر نشيد الأناشيد ++ البابا شنودة الثالث
في الليل على فراشي طلبت مَنْ تحبه نفسي (نش 3: 1)

تقول عذراء النشيد "في الليل علي فراشي، طلبت من تحبه نفسي. طلبته فما وجدته" (نش 3: 1). وقلنا ان هذا يدل علي أنها تجتاز مرحلة من التخلي. وهنا عبارة (علي فراشي). تدل علي الكسل والتهاون.

ذلك أن الحياة الروحية، ليست كلها متعة دائمة مع الله.

فقد تتخللها أحيانا فترات من الضعف والفتور، والمحاربات التي ربما يسقط فيها الإنسان، ويفقد محبته الأولي (رؤ 2: 4). وكما يقول الكتاب " الصديق يسقط سبع مرات ويقوم " (أم 24: 16). فالشيطان يحسد اولاد الله. وقد يحاول أن يغربلهم كالحنطة (لو 20: 31). كما فعل مع الاباء الرسل! لذلك لا تستطيع النفس البشرية أن تحتفظ بثباتها في الرب كل حين، وتقول علي الدوام " شماله تحت رأسي، ويمينه تعانقني " (نش 2: 6).

لعل هذا يذكرنا بما قيل في سفر التكوين " مدة كل أيام الأرض: زرع وحصاد، وبرد وحر، وصيف وشتاء، ونهار وليل، لا تزال" (تك 8: 22).. فأن وقعت في يوم برد، ومر بك ليل، لا تتضايق. بل استمر ثابتا في الرب. انتظر بعد الليل نهار، وبعد البرد حر.

كلمة (الليل) كما تشير إلي الظلام روحيا، تشير أيضا إلي هدوء الليل.

هدوء الليل وسكونه، وبعده عن الضوضاء وعن المشغوليات، حيث تهدأ الطبيعة بعيدا عن شغب الليل وضجيجه، ويفرغ الإنسان عن دوامة العمل، ومن دوامة الأخبار، ويخلو إلي ذاته، لكي يخلو بذلك مع الله: يتحدث معه، ويتمتع به. لذلك قال أحد الأباء "الليل مفروز لعمل الصلاة، وللعمل مع الله" أي أنه مخصص بهدوئه للعمل الروحي، إذ يصلح سكونه لذلك.

قيل عن اليسد المسيح إنه كان يقضي الليل كله في الصلاة (لو 6: 12). وقيل في المزمور " في الليالي أرفعوا أياديكم أيها القديسون و باركوا الرب" (مز134). وكانوا الأباء المتوحدون ينامون قليلا في النهار ويسهرون الليل كله في الصلاة. كما حكي عن القديس الأنبا أرسانيوس الكبير الذي كان يقف للصلاة وقت الغروب، والشمس وراءه. ويظل في صلاته حتى تطلع الشمس من أمامه..

قال أحد الروحيين: أكسبوا صداقة الليل حتى تكون لكم حياة روحية في النهار. تجترون فيها ما اختزنتم من روحيات أثناء الليل.

حتى علي الفراش ينشغل الإنسان بالله، فيصير فراشه مقدسا..

كما قال داود النبي " كنت أذكرك علي فراشي، وفي أوقات الأسحار كنت أرتل لك" (مز 63).. أنا يا رب لك باستمرار. في ليلي وفي نهاري. كنت قائما وراكعا علي فراشي.

إن الليل قد لا يكون كله مظلما وحالكا. وداكن العتمة. فأحيانا توجد فيه بعض أضواء.. نور السماء ونور النجوم لإضاءة الليل.
و كلما نذكر أن الله افتقد الليل في ظلامه، وخلق الله القمر والنجوم لإضاءته، ولتخفيف ظلمته. حينئذ نتعزي..

مبارك أنت يا رب. إنك لست إله النهار فقط، وإنما إله الليل أيضا. علي الرغم من ظلامه، لا تتركه رعايتك..
لولا رعايتك لليل، ما استطعت – في خطيئتي وكسلي – أن أقول " في الليل علي فراشي طلبت من تحبه نفسي"..

طلبت من تحبه نفسي:

وكأن هذه النفس – من علي فراشها – تقول للرب:

حقا إنني في ليل. ولكنني لست بعيدة عنك. وقد تكتنفني الظلمة من الخارج. ولكن روحك لا يزال في الداخل ينير أعماقي.
أنا في الليل. ولكن هذا الليل لابد وراءه فجر، ووراءه نهار .

أنا في حياة الخطية والفتور والكسل. ولكني مع ذلك مازلت أطلب من تحبه نفسي.
هذا الليل لا يجلب اليأس، لأنه ليس مظلما كله. وحتى إن كان مظلما، أنت قادر يا رب أن تنيره , لأنك أنت النور الحقيقي.
إنني أحيانا أقع في الخطية، ولكنني مع ذلك لست أحبها.
بل أحبك أنت. وينطبق علي حالتي قول القديس بولس الرسول " الشر الذي لست أريده، أياه أفعل.. " (رو 7: 19، 15).

الخطية بالنسبة إلي هي عمل خارجي، وليست في داخلي. هي ضعف مني وعجز وإهمال. وأفعلها بحكم العادة، وبضغط ظروف خارجية. ولكنها لا يمكن أن تكون كراهية مني لك يا رب وخيانة!!!

إنني مهما أخطأت وسقطت، فمازلت أحبك يا رب.

ما زلت أطلبك. وأنا علي فراشي. أما الخطية فإنني أجاهد لكي أتخلص منها. وأحيانا لا أجاهد، ومع ذلك أود من كل قلبي أن أتخلص منها. وأحيانا لا أجاهد، ومع ذلك أود من كل قلبي أن أتخلص من كل ضعفاتي وخطاياي. وأكون سعيدا يا رب إن انتشلتني منها مثل " شعلة منتشلة من النار" (زك 3: 2). وحينئذ اسمع منك نشيدك الحلو " اليوم حصل خلاص لهذا البيت" (لو 19: 9).

" في الليل علي فراشي طلبت من تحبه نفسي "

قد تكون إحدي زيارات النعمة أفتقدتني بها محبتك.

قد يكون عملا لروحك القدوس الذي لا تنزعه مني. قد تكون ثورة مني علي الخطية التي حطمتني، وألقتني علي فراشي..

قد يكون طلبي لك شيئا من هذا كله وغيره، سواء بإرادتي وبتوجيه منك. نطقت أنا، ونطق روحك علي فمي. ولكن الأمر اليقين هو أنني أطلبك من كل قلبي. وكلما أفتقدتك في حياتي ولم أجدك، يزداد طلبي لك، لأنك الوحيد الذي تحبه نفسي. سواء كنت أعمل في بيتك , وكنت في كسل علي فراشي.

علي أن رقادي علي فراشي، هو فترة مؤقتة ومحددة من حياتي، لابد أن تنتهي بإنتهاء هذا الليل.

إنني متمرد علي هذا الفراش. وإن كنت لا أستطيع أن أقوم منه، فأنت يا رب تستطيع أم تقيمني منه. إنني حاليا راقد علي فراشي، ويرن في أذني قول المرنم " قوموا يا بني النور، لنسبح رب القوات " قومي يا نفسي، لكي تلاقي " من تحبه نفسي".

من تحبه نفسي:

إنها نبضة القلب نحو الله. عبارة تكررت كثيرا في سفر النشيد. تقولها عذراء النشيد في داخل نفسها، وتصرح بها أمام الناس, وهي تبحث عن الله قائلة " هل رأيتم من تحبه نفسي؟" (نش 3: 3).

إنه الله الذي تحبه النفس. فالكتاب يقول: "تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك" (تث 6: 5).

مسكين هو الإنسان الذي يعلِّق قلبه بغير الله. لابد سيتعب.

الله هو الكائن الوحيد، الذي إن أحببته، تجده معك في كل مكان، في كل مناسبة. فلا تشعر بالغربة عنه وبالانفصال عنه في أي وقت.

أما أي شخص آخر تحبه، وأي كائن آخر، فمن الجائز أن تنفصل عنه، بالسفر وبالموت وبالأحداث. يفصلكما المكان والزمان.

كذلك يتميز الرب عن جميع المحبين بالمحبة الكاملة الحقيقية.

كثير من الناس لا تثبت محبتهم. قد يتغيَّرون، وتبرد محبتهم وينحرفون. ويصدقون فيك الأقاويل، وتؤثر عليهم عوامل خارجية.. أما الله فثابت في محبته حتى لو تغيَّرنا نحن.

ومحبته مقدسة، تسمو بالإنسان وتهدف إلى منفعته وخلاصه.

تقول عذراء النشيد: "مَنْ تحبه نفسي"، وهي تقصد المحبة التي تملأ كل القلب والفكر، وكل محبة أخرى تكون داخلها.

فالقلب الطاهر يحب جميع الناس، دون أن تنقص محبته الكاملة لله.

سعيد هو الإنسان الذي ينادي الله دائمًا بعبارة "يا مَنْ تحبه نفسي"، دون أن يبكِّته ضميره على أنه خان هذه المحبة في شيء..

اسأل نفسك إذن: هل هل محبة الله هي الغالبة المُسَيطرة في حياتك؟ هل هي القائدة لكل تصرّفاتك وأفكارك، وكل معاملاتك..؟

من كتاب كلمة منفعة .. الصليب +++ البابا شنوده الثالث



من كتاب كلمة منفعة ++ البابا شنوده الثالث

الصليب

يرمز الصليب إلى الألم.  والصلبان الثلاثة ترمز إلى ثلاث حالات صليب المسيح يرمز إلى الألم من أجل البر.  والصليبان الآخران يشيران إلى الألم بسبب الخطية كعقوبة.  وينقسمان إلى نوعين.  نوع يتألم بسبب خطاياه، فيتوب ويرجع.  والآخر يتألم بسبب خطاياه، ولكنه يشكو ويتذمر ويموت في خطاياه.

والصليب الذي لأجل البر، هو أيضًا على أنواع: منها صليب الحب والبذل، مثل صليب المسيح، الذي تحمل الألم لكي ينقدنا " وليس حب أعظم من هذا، أن يضع أحد نفسه عن أحبائه"

 وهناك صليب آخر في العطاء، وأعظم عطاء هو العطاء من العوز، حيث تفضل غيرك على نفسك، وتعتاز لكي يأخذ غيرك، مثلما أعطت الأرملة من أعوازها..

وهناك أيضًا صليب الاحتمال: تحويل الخد الآخر، وسير الميل الثاني.

  ليس فقط أن يحتمل الإنسان إساءات الناس إليه، بل أكثر من هذا أن يحسن إلى هؤلاء المسيئين، بل أيضًا أن يحبهم..!  من يستطيع هذا..؟  إنه صليب..

هناك صليب آخر في الجهاد الروحي: في انتصار الروح على الجسد، في احتمال متاعب وحروب العالم والجسد والشيطان..  في صلب الجسد مع الأهواء..  في الانتصار على الذات، في الدخول من الباب الضيق..

والصليب هو التألم لأجل البر.  هذا فقط للمبتدئين..  أما للكاملين فيتحول الصليب إلى لذة ومتعة.. 

نشعر بضيق الباب في أول الطريق.  ولكننا بعد ذلك نجد لذة في تنفيذ الوصية، ونحبه.  وحينئذ لا يصير الطريق كربًا..  والصليب الأول يصير متعة.

كان الاستشهاد صليبًا، ثم تحول إلى متعة.  وصار القديسون يشتهون الاستشهاد، ويشتهون الموت، ويفرحون به..  والتعب من أجل الرب أصبح لذة ومتعة، والألم أيضًا.

وهكذا اعتبر الكتاب أن الألم هبة من الله..

"وهب لكم، لا أن تؤمنوا به فقط، بل أن تتألموا لأجل اسمه" متى يصبح الصليب في حياتنا متعة؟

حبيبي تحوَّل وعبر (نش 5: 6) ++ البابا شنودة الثالث



من تاملات سفر نشيد الأناشيد ++ البابا شنودة الثالث
حبيبي تحوَّل وعبر (نش 5: 6)

تقول عذراء النشيد "خلعت ثوبي فكيف ألبسه؟! غسلت رجليَ, فكيف أوسخهما؟! حبيبي مدّ يده من الكوة: فأنّت عليه أحشائي. قمت لأفتح لحبيبي, ويداي تقطران مرًّا, وأصابعي مرّ قاطر على مقبض القفل, فتحت لحبيبي, لكن حبيبي تحول وعبر, نفسي خرجت حينما أدبر. طلبتة فما وجدته, دعوته فما أجابني" (نش5: 3-6).

آفة كبرى, أن يخطئ الإنسان, ولا يحس إنه أخطأ, فيكون ضميره نائمًا, وقلبه نائمًا أيضًا: لا يوبخ, ولا ينتهر, ولا يبكت, ولا يبث شعور الندم والخزي.

أما هذه العذراء, على الرغم من نومها, كان قلبها مستيقظًا, كانت لها الحساسية القلبية المرهفة, على الرغم من أن الإرادة كانت ضعيفة..

كانت نائمة, كسلانة, لا تريد أن تقوم وتفتح الباب.. وعلى الرغم من هذا الكسل, كانت تلتمس لها الأعذار! " قد خلعت ثوبي, فكيف ألبسة؟ قد غسلت رجليّ, فكيف أوسخهما".. ؟

كثيرًا ما يأتي على النفس شعور, أنها تريد أن تستريح, وهكذا يصبح كل عمل روحي وقتذاك, ثقيلًا عليها. إن هذا العمل الروحي سيكون على حساب راحتها وهدوئها واستجمامها.. جاء صوت الله متأخرًا!! بعد أن خلعت ثوبها وذهبت لتنام. بعد أن تعبت من ثقل النهار وحرة, ودخلت لتستريح.. كيف تقوم مرة أخرى؟! وكيف تسير لتفتح الباب؟

هل تشاء يا رب أن تفتح بابًا جديدًا للجهاد، بعد أن خلنا ثوب الحرب ودخلنا نستريح؟!

ألا تتركُنا لنستريح من هذا الجهاد؟ ونغفوا ولو قليلًا؟ حقًا إن الروح نشيط (القلب مستيقظ), ولكن الجسد ضعيف لذلك فأنا نائمة. صعب أن يأتينا الامتحان ونحن في وقت راحتنا، ونحن في برودة روحية, حينئذ تكون الحرب شديدة, لأننا غير مستعدين لها، ولعلة من أجل هذا السبب, قال لنا الرب

" صلوا لكي لا يكون هربكم في الشتاء ولا في سبت" (مت24: 20). الشتاء وقت البرودة, والسبت وقت الراحة..

هذه العذراء أتتها الدعوة الإلهية في وقت رأته غير مناسب. كان ممكن أن يجيئني الرب قبل أن أدخل إلي حجرتي, وأخلع ثيابي, وأغسل رجلي, وأعطر يديِ, وأغفوا لأستريح.. !

هنا يبدو أن الدعوة الإلهية تحتاج إلي بذل, وإلي تضحية, وإلي عطاء,.. إنها طريقة الله..

يطلب من الأرملة أن تعطي من أعوازها (مر12: 44), ويطلب من إبراهيم أن يقدم ابنه الوحيد الذي تحبه نفسه (تك22: 2), ويطلب من أرملة صرفة صيدا أن تعطي لإيليا كل غذائها في وقت المجاعة (1مل17: 13), المسألة تحتاج إذن إلي بذل لأن العطاء من سعة هو عطاء رخيص, لا يمس القلب..

أما البذل فهو دليل الحب, ودليل على إن الإنسان قد خرج من سيطرة الذات, ووضع نفسه في المتكأ الأخير.

وهذا هو محك الاختبار الذي يريده لك المسيح..

يريد أن يثبت حبك عن طريق تعبك وبذلك, وحسبما تتعب تبذل على هذا القدر يعوضك الرب أضعافًا في ملكوته.

وكما قال الرسول: " كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبة" (1كو3: 8).. لا تستلم للراحة, قم وأتعب من أجل الرب.

هكذا يكون الصليب هو علامة محبتك للرب, لابد أن تحمل صليبك في طريقك إليه, ولابد أن تصعد على الصليب..

عذراء النشيد دخلت إلي فراشها لتستريح، وتثاقلت في أن تقوم, ولكن على عكسها كان داود النبي, الذي أقسم قائلًا: " إني لا أدخل إلي مسكن بيتي, ولا أصعد على سرير فراشي, ولا أعطي لعيني نومًا, ولا لأجفاني نعاسًا, ولا راحة لصدغي, إلي أن أجد موضعًا للرب ومسكنًا لإله يعقوب" (مز132: 2 -3).

كانت العذراء نائمة بينما الكتاب يحذرنا من هذا النوم بقوله:
لئلا يأتي بغتة فيجدكم نيامًا (مر13: 36), " اسهروا إذن وصلوا".
"أنا نائمة وقلبي مستيقظ. صوت حبيبي قارعًا.. "
أريد أن أتمتع بالنوم, وأتمتع بحبيبي في نفس الوقت!!
أريد أن أحب دون أن أختبر" تعب المحبة"..

إنه حبيبي, وأنا أحبه, وأعرف صوته, وأميز صوته, من صوت الغريب. مشاعري كلها نحوه. ولكن أن افعل الحسنى فلست أجد" (رو7: 18). عندما مد يده من الكوة " أّنت عليه أحشائي". قلبي كله له لكن إرادتي مبتعدة عنه بعيدًا, لا تقوى على الطريق الضيق, ولا تقوى على حمل الصليب..

متى تتصالح الإرادة, مع مشاعر القلب, وتخضع لها؟

متى أسمع صوت حبيبي فأقفز من على فراشي, ولا أطيق أن أنام. إنما أخرج أنا أيضًا معه " ظافرا على الجبال, وقافزًا على التلال" (نش2: 7), أتبعه حيثما كان..

يكفي أنه تنازل وأتى ِ, ويكفي إنه ناداني بأسمى.
إن نداء الرب له تأثيره العميق مهما تكاسلت عنه.
إن كلمة الرب حية وفعالة, وأمضى من كل سيف ذي حدين (عب4: 12), ولا يمكن أن ترجع إليه فارغة (أش55: 11).. هذا الصوت الذي رنّ في أذني, قد رن بالأكثر في قلبي, ومهما كنت نائمة لابد, سأقوم..

" قمت لأفتح لحبيبي ويداي تقطران مرًا" (نش5: 5), (والمر هو عطر سائل).

هذه النفس المتدللة, كانت يداها تقطران مرًا.. أي لم تكن تكتفي بأن ترش شيئًا من العطر على يديها, بل كانت تغطسهما في إناء مملوء من عطر المر, وهي راقدة على فراشها, حتى تقوم ويداها " تقطران مرًا"..

هذه النفس المتدللة المتكاسلة التي أعتذرت عن القيام للرب بقولها: " خلعت ثوبي فكيف ألبسة؟ غسلت رجلي فكيف أوسخهما.. ؟! وكانت عندها نظافة رجليها, أكثر من تفكيرها في الرب, وفتح مكان له في حياتها.

هذه النفس المتدللة, حينما قامت أخيرًا لتفتح للرب, قامت متأخرة, وكان حبيبها قد تحول وعبر, وتركها لفترة مريرة من فترات التخلي..

لقد زارتها النعمة, ثم تركتها بسبب تكاسلها وتراخيها..

كثيرًا ما تزور النعمة إنسانًا, ولكنها تنظر إلي مدى تجاوبة مع عملها فيه. إن وجدته حارًا في الروح, يشترك في العمل الإلهي مع نعمة الرب, ألهبته النعمة بالحب, وصار بعملة معها شريكًا للروح القدس. أما إن تراخى وتكاسل, واستهان بدعوة الله, فأن النعمة تتركة. ويبقى هذا الإنسان وحيدًا, ويقاسى مرارة التخلي.

وسنضرب مثلًا لهذا التكاسل الذي يسبب التخلي..

قد تستيقظ من النوم, وتسمع صوتًا عميقًا يناديك من الداخل " قم صلي" قف وتكلم مع الله, ليكن الله هو أول من تحادثة في هذا اليوم. لا تتكاسل. لا تهمل الصلاة مثل أمس وقبل من أمس.. " ولكنك تقول "نعم سأصلي, ولكن بعد أن أغسل وجهي، بعد أن أسرح شعري, بعد أن أرتب ملابسي, بعد أن أقضي هذا الأمر وذاك".. ثم تشغلك عوائق كثيرة عن الصلاة, وتقف لتصلي فتجد فكرك مشتتًا, وعدد من الموضوعات قد دخل فيه. ولا تجد الحرارة السابقة فتقول في مرارة " حبيبي تحول وعبر" وتتذكر قول داود: يا الله أنت إلهي, إليك أبكر, عطشت نفسي إليك, " أنا أستيقظ مبكرًا"..

كم مرة لمست النعمة قلوبنا, ولكننا تكاسلنا, فضاع الشعور, وضاعت العاطفة, وبردت الحرارة, وتحول حبيبنا وعبر..

كثير من الناس ضاعت الفرصة منهم, لأنهم قاموا للرب متأخرين, مثل العذارى الجاهلات, جئن بعد أن أغلق الباب.. لماذا إذن تتأخر في الاستجابة للرب؟! لو إن هذه النفس, عندما قالت " صوت حبيبي قارعًا ", قامت بسرعة وفتحت له, حتى قبل أن يتكلم, لكانت قد تمتعت بالوجود مع الرب, وما كانت بكت قائلة: نفسي خرجت عندما أدبر. طلبته فما وجدته. دعوته فما أجابني.

عجيب هذا الأمر حقًا.. الله المحب الحنون, الذي يقول " فيما تدعو إني أنا أستجيب". تقول عنه العروس هنا " دعوته فما أجابني"!! الله الذي يقول " أطلبوا تجدوا" (لو11: 9), تقول عذراء النشيد "طلبته فما وجدته"!!

إن الحب يا أخوتي, هو أكثر المشاعر حساسية, وأكثرها تأثيرًا. ولا يوجد شيء أكثر إيلامًا للقلب..، من أن تحب إنسانًا فيتجاهلك, وتقرع بابه فلا يفتح لك. لهذا قال الرب "جرحت في بيت أحبائي" (زك13: 6).

لقد سعى الرب إلي هذا النفس, طافرًا على الجبال, قافزًا على التلال. وخاطبها بأرق الألفاظ " إفتحي لي يا أختي, يا حبيبيتي يا حماماتي, يا كاملتي",.. ومع كل ذلك لم تستجب. لذلك تركها لتختبر البعد عنه.. لعلها وجدت إنه هو الساعي, فتدللت وتثاقلت.. ورأت إنه الطارق, فتناومت وتكاسلت, وكما يقول المثل: إذا كثر العرض قل الطلب.

لذلك أبتعد الرب عنها, لكيما تشتاق له, وتركها لكي تسعى إليه, وحرمها هذا الحب حتى لا تحسبه رخيصًا فتهمله. وجعلها تقاسي مرارة البُعد, حتى تقدر حلاوة الحب.

إن المحبة يا ابنتي ليست ضريبة تفرض عليك, ليست أمرًا ترغمين عليه, وتغصبين نفسك على ممارسته, بل هو اشتياق وانجذاب.. أنت لا تريدين أن تفتحي لي, لا مانع, سأتركك إلي حريتك, إلي أن تشعري بأهمية وجودي في حياتك, إلي أن تفهمي مدى حاجتك إلي الوجود معي. وحينئذ ستندمين على بعدك, وسترجعين..

فترات التخلي:

ستندم تلك النفس على تكاسلها, وبعدها عن حبيبها, وحينئذ ستبحث عنه, وترجع إليه.

وسوف تدرك إن التخلي كان اختبارا نافعًا لها..

فترات التخلي هذه تأتي على كثيرين, فيشعرون إن هناك حائلًا كبيرًا بينهم وبين الله. يشعر الشخص منهم إنه واقف وحده, بعيدًا عن الله, بجفاف في حياته, وعدم إحساس بالعزاء الداخلي, يشعر إن عبادته بلا عاطفة, بلا حرارة, بلا حب, بلا روح, بلا صلة, بلا استجابة, بلا دالة..

والناس في مراحل التخلي على نوعين:

نوع إذ مر بمرحلة، يلوم نفسه وليس الله:

يقول: أنا السبب. أنا سلكت نحو الله مسلكًا جعله يتخلى عني. والأفضل أن أرجع إلي علاقتي الأولي بالله. إن الله في كمال محبته, لا يستحق مني هذه المعاملة السيئة. وفي إحساناته الكثيرة لا يصح أن أتذمر عليه هكذا. ليتني أصطلح معة.

ونوع أخر إذ وجد في مرحلة التخلي يتذمر على الله:

ويجدف على الله ويحتج ويقول: أين ما يقولونه عن حنانك وعن محبتك؟! وأفرض أنني أخطأت, لماذا لا تسامح؟ ولماذا لا تغفر؟ لماذا تعاملني هكذا؟ لماذا أنت شديد وقاسي وعنيف؟! وبمثل هذه التجاديف تزداد الخطية وتستفحل الخطية.

وإنسان أخر في مرحلة التخلي لا يتذمر على الله, ولا يسترضيه, وإنما ينساه, يتركه..

يقول له: إن كنت أنت تتخلى عني, وتتركني, وأنا كذلك. حسن إن هذا الأمر قد جاء منك.. !! وهكذا يسلك بعيدًا عن الله, ويتمادى في تركه, ويتحول ما فيه من جفاف إلي انحراف.. وهكذا ينهار ويضيع, كما لو كان يعاند الله..

إن فترات التخلي, غالبًا ما تكون بسبب الإنسان.. وفي قصة عذراء النشيد كانت بسبب التراخي والكسل.

هناك نوع أخر من التخلي, يكون بسبب الكبرياء.

يسلك إنسان في كبرياء القلب, ينتفخ من الداخل,يظن في نفسه إنه شئ, تكبر مواهبه في عينيه. حنان الله الذي حفظه من الخطية فترة من الزمن, بسببه يشهر إنه بلا خطية!! وأن عنصرة فوق مستوى الخطأ, وإن الخطية خاصة بالمبتدئين فقط.

وهكذا بسبب كبريائه, تتخلى عنه النعمة ليعرف ضعفه.

وفي مرحلة التخلي يبحث عن نفسه فلا يجده, ويسقط في خطايا المبتدئين. ويحاول أن يصلي فلا يعرف, ويجاهد لكي يتوب فلا يقدر. ويصرخ من أعماق قلبه " طلبته, فما وجدته. دعوته, فما أجابني". ويرجع إلي الله ليقول له: أنا ضعيف ومسكين. أنا أضعف من أن أقاتل أصغرهم.

وهذا التخلي يقود إلي الانسحاق والاتضاع..

حينئذ يعرف أنه في الموازين إلي فوق. وإنه خير له أن يأخذ موقف العشار المتذلل, وليس موقف الفريسي المنتفخ.. ويقول للرب: " وأخيرًا يا رب, عرفت أن الباطل المنسحق, خير من الحق المنتفخ"..

حقًا إنه قبل الكسر كبرياء, وقبل السقوط تشامخ الروح (أم16: 8), وإن هذا الكبرياء من أسباب التخلي.

سبب أخر للتخلي, هو إدانة الآخرين..

أحيانا ندين الآخرين على خطية معينة, فيسمح الله بتخليه عنا, أن نقع في نفس الخطية, لكي ندرك إننا لسنا أقوى من غيرنا, ولكي نعرف إن ثباتنا كان سبب عمل النعمة فينا, ولم يكن بسبب قوتنا الخاصة. ولي نعرف أيضًا قوة العدو المحارب, وعنفه وقسوته في حروبه, فنشفق على الساقطين بدلًا من أن ندينهم.

حقًا, أن فترات التخلي تعطي القلب شفقة على الخطاة..

فيدرك تمامًا إن مغزى قول الرسول" أذكروا المقيدين كأنكم مقيدين أيضًا مثلهم, والمذلين كأنكم أنتم أيضًا في الجسد" (عب13), وهكذا إذ وجد إنسانًا ساقطًا يبكي عليه كأنه هو الساقط. وهكذا كان يفعل القديس يوحنا القصير: كان إذ رأى إنسانًا ساقطًا يبكي ويقول: إن العدو قوي, وكما أسقط أخي اليوم قد يسقطني غدًا, وقد يقوم أخي من سقطته, وأنا لا أقوم, لذلك أبكي.

إن تخلي النعمة قد يكون ظاهريًا وليس حقيقيًا..

ربما يكون مجرد حرب سمح فيها الله للشيطان أن يضرب هذا الإنسان, دون أن تتخلى النعمة عنه, فيطن هذا الإنسان إنه قد سقط من يد الله.. بينما الله كضابط للكل يراقب الموقف بعمق شديد, وقد حوَّط بنعمته حول الإنسان حتى لا يضيع. مثال ذلك قصة أيوب الصديق. ظن في تجربته إن الله قد تخلى عنه, ولم يكن الأمر كذلك, وأنقذ الله أيوب.

من الجائز أن يكون هذا التخلي, لونًا من الحكمة الإلهية في تدريب الإنسان وتربيته.

مثال هذا الأم التي تعلم أبنها المشي. تمسكه بيدها ليمشي قليلًا, ثم تتركه فيقع ويصرخ ولا تقيمه بل تتركه حتى يقف ويتابع المشي, ولو حملته باستمرار على كتفيها, وأمسكته باستمرار في مشيه, ما تعلم المشي قط..

هكذا أيضًا تفعل الطيور في تعليم فراخها للطير, وهكذا يفعل الآباء في تعليم أبنائهم العوم. وهكذا يفعل الله في تربية الإنسان:

بالتخلي يعلمه الحرب, كما قال داود النبي " مبارك الرب.. الذي يعلّم يديّ القتال, وأصابعي الحرب" (مز144: 1).

نهاية التدليل والكسل والفتور في حياة هذه العروس, كانت تخلي الرب عنها. وفي فترات التخلي, ذاقت كم فعل العدو بها.

إننا نصمد أمام العدو, طالما كانت قوة الرب معنا, فإن فارقتنا قوة الرب, وقعنا في أيدي أعدائنا.

مثال ذلك شمشون الجبار, لم يستطع أحد أن يقوى عليه, طالما كانت قوة الرب معه. فلما كسر نذرة, وفارقته القوة الإلهية, استطاع أعداؤة أن يذلوة. كذلك قيل عن شاو ل الملك " وفارقت روح الرب شاو ل, وبغتة روح ردئ من قبل الرب" (1صم16: 14).

هذا الروح الردئ لم يكن له عليه سلطان قبل أن يفارقه روح الرب.

إن العدو ينتهز فترات التخلي, لكي ليضرب ضرباته بلا رحمة..

وهكذا تقول عذراء النشيد "ضربوني, جرحوني, رفعوا إزاري عني.." لقد كنت مصانة أيها العروس داخل بيتك, وكان الرب يقرع على بابك ويناديك.. أما الآن فقد ضاعت هيبتك الروحية في شوارع المدينة.. لقد وجد العدو فرصته وانتهزها. بدأ العدو يضربك, ويعريكِ, وينزع عنك ثوب البر الذي ألبسك الرب إياه من قبل.

الابن الضال أيضًا أذله العدو وهو في كورة بعيدة..

عندما ابتعد هذا الابن عن الأب, استطاع العدو أن يضربه وبلا سلاح. واستطاع أن ينزع إزاره عنه. إنها فرصته وقد سمح له الرب بها.

ولكن هل يمكن أن يسمح الله للعدو بأن يفعل هذا؟

نعم يمكن لأجل, فائدة الإنسان, يمكن أن " يسلم مثل هذا للشيطان لإهلاك الجسد, لتخلص الروح في يوم الرب" (1كو5: 5).. لقد سمح الله مرة للشيطان أن يضرب أيوب البار, أفلا يسمح له بأن يضرب الكسالى والمتهاونين والمخالفين وصاياة؟!

وهكذا ممكن أن يسلم الله إنسانًا لأيدي أعدائه..

عندما أخطأ بنو إسرائيل, سلمهم الرب لأيدي أعدائهم أكثر من مرة, وتكررت هذه العبارة مرارًا أكثر من مرة في العهد القديم, مثلما ورد في سفر القضاة " فحميّ غضب الرب على إسرائيل. فدفعهم إلي أيدي ناهبين نهبوهم, وباعهم بأيدي أعدائهم حولهم. ولم يقدروا بعد على الوقوف أمام أعدائهم.. فضاق بهم الأمر جدًا" (قض2: 14, 15), سمح الله أيضًا أن يدفعهم إلي أيدي نبوخذ نصر, وان يسلمهم إلي سبي بابل وسبي أشور.

كان خيرًا لهم أن" يبكوا على أنهار بابل, وأن يعلقوا قيثاراتهم على أشجار الصفصاف" (مز 137).

كانت فترة التخلي نافعة روحيًا. وكما قال الكتاب " أملأ وجوههم خزيًا, فيطلبون أسمك يا رب.. "

وهكذا حدث مع عذراء النشيد: لولا التخلي ومتاعبه, ما كان ممكنًا أن نقول "أحلفكن يا بنات أورشليم, إن وجدتن حبيبي, أن تخبرنه بأنني مريضة حبًا".

من أين أتت عبارة " مريضة حبًا".. ؟ إنه إحساس الاشتياق جاء كثمرة طبيعية للتخلي والبعد والحرمان..

كانت النعمة تسعى إلي هذه العروس المتدللة المتكاسلة, وتقرع بابها, ولكنها لم تشعر بقيمة هذه النعمة. فلما قاست مرارة التخلي, ولما ضربت وجرحت من الحرس الطائف, حينئذ أحست إنها كانت في نعمة لم تقدرها.. وحينئذ شعرت بحاجتها إلي الرب الذي لم تفتح له قبلًا فقالت: " إنني مريضة حبًا"

حسن أن هذه العروس, لمل تحول عنها الرب وعبر, لم تتركه هي أيضًا. فمن داخلها قالت " نفسي خرجت حينما أدبر". ومن جهة العمل قالت " طلبته فما وجدته, دعوته فما أجابني " ولما لم تجده ولم يجبها, لم ينته بها الأمر عند هذا الحد.. بل سعت إليه.