تامل من مراثي أرمياء 3 جزء 1 ++ القمص تادرس يعقوب


تامل من مراثي أرمياء 3 ++ القمص تادرس يعقوب
رجاء مشرق وسط الظلمة

آلام السيد المسيح جزء 1

أنَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي رأَى مَذَلَّةً بِقَضِيبِ سَخَطِهِ .

من جهة مشاعر الشعب نحوه، الكل من ملوك وكهنة وأنبياء كذبة وشعب، أذاقه مرارة المرّ، من سجن ومؤامرات لقتله وإلقاء في الجب ومقاومة لنبوَّته، ومع ذلك كان يحبُّهم! أقول، إن سيطرة روح الرب على إرميا وشعوره بالأبوَّة، وفهمه لرسالته، وإدراكه لقيمة أولاده الروحيِّين، جعله يشعر بضيقاتهم ويتألَّم لآلامهم ولو لم يشعروا هم بها، فصار في مذلةٍ حين سقطوا تحت ذل السبي.

بالنسبة لإرميا النبي، في مشاعر الأبوَّة الصادقة يدرك أن مرارة الشعب في أثناء السبي نصيبه هو، مع أنه حذرهم مرة ومرات، لكنَّه كأب يشعر بمرارة حالهم كما لو كان هذا حاله هو. لذلك رفض بإباء أن تُعطى له كرامة في بابل، مصرًا أن يبقى مع الشعب مذلولًا، صارخًا إلى الله في مرارة نفسه، قائلًا: "أَنَا هُوَ الرَّجُلُ الذي رأَى مَذَلَّةً بِقَضِيبِ سَخَطِهِ" (مرا ٣: ١). من هو هذا الرجل إلا كلمة الله الذي تجسد ليحمل كل آلامنا عنا، فرأى مذلة، وتحمل قضيب سخط الآب عوضًا عنا.

يتحدث إرميا في هذه المرثاة باسم ذاك الذي حمل المذلة عن البشرية كلها. قبل تجسد الكلمة كان آدم الأول يُحسب البكر بين بني البشر، وبسقوطه زاغوا وفسدت طبيعتهم، وانهارت إرادتهم، وتشوه مفهومهم عن الله، إذ نظروا إليه كعدوٍ، فصاروا تحت الغضب الإلهي. جاء آدم الثاني ليحتل مكانه، يقبل أن يتمم المصالحة بدمه الثمين. هو ابن الله الوحيد الذي به يُسر، يضمنا إليه فننعم بمسرة الآب لنا.

صار إنسانًا بالحقيقة، وقَبِلَ المذلة وتألم، أخذ مالنا، لنأخذ نحن ما له.

"قضيب سخطه": يترجمها البعض العصا الثقيلة لسخطه أو غضبه، وكأن الله لم يستخدم السيف لقتل كل شعبه للتدمير الكامل، وإنما عصا التأديب الثقيلة لتدربيهم وإصلاحهم (عب 12: 7-11).

في نفس الوقت يشير إلى جانب من جوانب الصليب، بكونه ذبيحة إثم. حقًا إنه ذبيحة رضا ومسرّة لدى الآب الذي أحب العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يو 3: 16). هذا الصليب الذي هو قضيب سخطه، قبله كلمة الله، بل وهو موضوع مسرّته، أطاع حتى الموت موت الصليب. حمل الصليب أيضًا جانبًا آخر، وهو الطاعة للآب.

ليس له شكل ولا جمال في أعين اليهود، أما بالنسبة لداود فهو أبرع جمالًا من بني البشر (مز 45: 2). على الجبل (أثناء التجلي) كان بهيًا ومضيئًا أكثر من الشمس (مت 17: 2)، مشيرًا إلينا نحو سرّ المستقبل ++ القديس غريغوريوس النزينزي

ذاك الذي هو أبرع جمالًا من بني البشر رآه البشر على الصليب بلا شكل ولا جمال؛ كان وجهه منكسًا، ووضعه غير لائق. مع هذا فإن عدم الجمال هذا الذي لمخلصك أفاض ثمنًا لجمالك الذي في الداخل، فإن مجد ابنة الملك من داخل (مز 45: 2) ++ القديس اغسطينوس

قدر أن يحتمل الإهانة لكونه محترمًا، لأنه عندما يُهان من هو مكرم لا يُحسب هذا إهانة.
إنها إهانة لمن أعماله هي خزي، فلو توقفوا عن إهانته فهو مهان وساكت.
إذًا، إن أهين المكرم، ويُسخر منه وهو غير مستحق ينتصر بين المتميزين.
لو كانوا قد تفلوا في وجه آدم، لكانت إهانة له وخزيًا، لأنه تجاوز الوصية.
وكان يُسقطه الخزي والبصاق اللذين يستحقهما... لأنه خجل واتضع بذنبه.
وبما أن ربه أشفق على الضعيف، فقد دخل وقبل الخزي بدلًا منه، وإذ لم يذنب لم يكن يخجل.
كان يهان ويُسخر منه ولم يكن يتوجع: عندما يُهان من ليس مذنبًا فهذا مجد له.
كان يُشتم ويضرب ويهان وهو هادئ ولطيف ومتواضع ونقي وغير مضطرب ++ القديس يعقوب السروجي

قَادَنِي وَسَيَّرَنِي فِي الظَّلاَمِ، وَلاَ نُورَ.

بالنسبة لإرميا وضعوه في جُب مظلم، وبالنسبة للشعب، فإنهم إذ رفضوا الله حرموا أنفسهم من نوره، وصاروا يتخبطون في الظلمة. أما بالنسبة للسيد المسيح فقد أراد عدو الخير أن يحبس النور ويطفئه في قبرٍ بعد موته، ولم يدرك أن النور يبدد الظلمة.

بقوله: "قادني وسيرني" يُعلن أنه جاء ليطيع الآب وهو واحد معه في ذات الجوهر، حتى بتمتعنا بالعضوية في جسده، لا نعود نُحسب أبناء المعصية، بل أبناء الطاعة. لقد أراد أن يخلصنا، لكنه حقق الخلاص من أجل طاعته لأبيه، لنحمل شركة سمة الطاعة التي له.

ما معنى "في الظلام، ولا نور". إن كان الظلام يشير إلى الضيق الشديد، والنور يشير إلى الازدهار، فإنه لم يحقق الخلاص وهو في سماواته بإصدار أمرٍ بالعفو، إنما بدخوله طريق الآلام حتى الموت موت الصليب.

هذا وقد أعلن عن نفسه أنه نور العالم، فإذ صرنا نحن ظلمة، قبِلَ أن يحمل آثامنا لكي يبدد الظلمة التي تسللت إلى طبيعتنا، ويهبها من نوره وبهائه، فتستطيع أن تشاركه مجده الأبدي.

كأنه يقول: قادني إلى ظلمة القبر، لكي بقيامتي أهب الجالسين في الظلمة التمتع بالنور السماوي.

الله نور، ومن يلتصق به يسلك في النور حسنًا (1 يو 1: 7). أما من يعطي القفا لله فيسلك في الظلمة (عا 3: 3).

نحن ننظر ونتعجب بالظافر الذي وقف في المحكمة. ابن الأحرار الذي لُطم على خده،الشمس الذي احتضن العمود (الذي رُبط السيد حوله ليُجلد)...النار التي تُجلد بالسياط (مت 27: 26)،النور الذي تحتقره الظلمة (يو 8: 12؛ 1: 5)،اللهيب يُطعن بالحربة (يو 19: 34).
مكلل الشمس بالأشعة، وُضع على رأسه إكليل شوكٍ (مت 27: 29) ++ القديس مار يعقوب السروجي

حَقًّا إِنَّهُ يَعُودُ وَيَرُدُّ عَلَيَّ يَدَهُ الْيَوْمَ كُلَّهُ.

بالنسبة لإرميا النبي كانت حياته كلها، إلى آخر نَفَسْ له سلسلة لا تنقطع من المتاعب والضيقات حتى من أهل قريته عناثوث.إذ كانوا يتطلعون إليه كإنسان متشائم على الدوام، يحطّم نفسية القادة والجيش والشعب، وإن ما يهدد به إنما هو كلام. اُتهم كخائنٍ لوطنه، لا يستحق حتى الحياة في وسط مجتمعه!

أما بالنسبة للسيد المسيح فإن ما حلّ به منذ الحبل به إلى دفنه في القبر، إنما هو طريق الآلام والصليب. يبدو كأن الآب الذي بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، قد امتدت يده عليه بالضيقات، حتى يتحقق خلاص العالم.

بقوله "اليوم كله" يشير إلى حياته على الأرض، فهي سلسلة لا تنقطع من الآلام. كما يُقصد به يوم الصليب، حيث تكتلت الآلام من كل صنفٍ لتحل به.

أما بالنسبة لكل مؤمنٍ منا، فيبدو كأن الله ضدي، يؤدب يومًا فيومًا، لكنه لن يوقف حبه لي، فهو ليس ضدنا بل ضد خطايانا.

أَبْلَى لَحْمِي وَجِلْدِي.كَسَّرَ عِظَامِي .

بالنسبة لإرميا فإلى وقت كتابة هذه المراثي لم نسمع عنه أن جسمه وجلده قد بليا، ولا أن عظامه قد انكسرت وتبعثرت، فالحديث هنا لا يؤخذ بالمعنى الحرفي. نفس الأمر بالنسبة للسيد المسيح، فإن جسده لم يرَ فسادًا، وعظامه لم تنكسر واحدة منها. لكن ما حلّ به من متاعب وجلد واهانات وصلب لا يُمكن وصفه، كأن جسمه وجلده قد بليا تمامًا، وعظامه لم تعد لها قوة؛ صارت كأنها قد انسحقت وتبعثرت! الآلام التي حلت به جعلته كإنسانٍ غير قادر أن يحمل الصليب. كل الطريق، فأتوا إليه بمن يحمل معه الصليب.

بالحقيقة احتمل آلامًا لا تُحتمل، حتى لا يترك لإنسانٍ أن يعتذر بآلامه. لقد دفع السيد الثمن غاليًا لكي يهبنا المجد السماوي، للنفس والجسد معًا!

يشبه النبي الشعب برجلٍ مُسِنٍّ جلده مجعّد، لا أمل في إصلاحه، بل وعظامه قد كُسرت، فلا يستطيع التحرك.

يرى بعض الآباء أن التلاميذ وجماعة المؤمنين هم عظام السيد المسيح، فقد تبعثروا في ضعفٍ في لحظات الصلب، لكنهم بالقيامة اجتمعوا كجسدٍ واحد لم تنكسر منه عظمة واحدة.

"تبعثرت كل عظامي" (مز 22: 14). بالرغم من أن عظام جسمه لم تتبعثر، ولم يُكسر منها واحدة. لكنه إذ تحققت القيامة، قيامة جسد المسيح الكامل الحق، فإنه يجتمع معًا أعضاء جسد المسيح الذين يكونون في ذلك الوقت عظامًا جافة، كل عظم من عظمه، فيلتصق الكل ويرتبط معًا (لأن من كان عاجزًا عن الترابط معًا لن يبلغ الإنسان الكامل)، وهكذا يبلغون إلى قياس ملء قامة المسيح. حينئذ يصير الأعضاء الكثيرون جسدًا واحدًا، مع كثرتهم يصير الكل أعضاء الجسد الواحد +++ العلامة أوريجينوس

لقد سُحق وجُرح، لكنه شَفى كل مرض وكل ضعف ++ القديس غريغوريوس النزينزي

مجموعة اقوال مختارة للاباء القديسين 3


مجموعة اقوال مختارة للاباء القديسين 3

أراد يسوع أن يُظهر في نفسه كل التطويبات، إذ قال: "طوبى للباكين"، وقد بكى هو نفسه لكي يضع أساس هذا التطويب حسنًا ++العلامة أوريجينوس

"للبكاء وقت وللضحك وقت". وقت البكاء هو زمان الألم، كقول الرب: "الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون" (يو 16: 20)، أما الضحك فيخص القيامة، إذ يقول: "ولكن حزنكم يتحوّل إلى فرح" (يو 16: 20). ++ الأب ديُّونسيوس السكندري

من يقتنى فرحًا عظيمًا إلا ذاك الذي يبكي كثيرًا، وكأنه نعمة المجد العتيد بثمن دموعه ++ القديس أمبروسيوس

إن لم يقصد الإنسان أولًا التجرُّد لا يستطيع أن يدنو من الحزن والنوح، لأن حياتنا لا تستطيع أن تدوم في صحَّة الروح، مادمنا مالكين في أنفسنا شيئًا معوَّقًا، إذ أن الإنسان لا يستطيع أن يقتني حب الله إذا كان حب الاقتناء يتحرَّك فيه، لأنه مكتوب: من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني (مر 8: 34). لا يستطيع الإنسان أن يحمل الصليب دون أن يجحد العالم، بل ينبغي له أن يبتعد عن كل الأشياء، إذ أن العزاء الخارجي يعطِّله عن الشيء الذي يقتنيه، فلا يمكن أن يثبت الحق في إنسانٍ إلا إذا قطع أولًا من ضميره أصل محبَّة المال، ولا يستطيع أن يسكن حب المسيح في الضمير إن لم يتجرَّد أولًا من حب المال... لا تندم ولا تحزن أيها الإنسان عندما تكون فقيرًا ومحتاجًا من أجل الله، لأن رجاء عزائك هو في الملكوت، ولا تصغر روحك إذا تضايقت بالجوع والعري، ولا تضجر بل اِفرح واِبتهج بالرجاء الموضوع لك ++ القديس يوحنا التبايسي

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن المسكنة (أو الفقر) بأنه التواضع بكونه رأس كل فضيلة، قائلًا: إنه المذبح الذهبي، وهو موضع الذبيحة الروحي، لأن الروح المنسحق ذبيحة لله (مز 51: 17). التواضع هو والد الحكمة، إن كان للإنسان هذه الفضيلة فتكون له بقيّة الفضائل .

يقول القديس كيرلس الكبير عن تطويب السيِّد المسيح للباكين بالتمتُّع بحياة الفرح، لكن ليس لكل الباكين، إذ يوجد غير مؤمنين يبكون بسبب الهَمْ والغَم .

عندما يُصاب المرء بمرض خطير لا يشعر بالجوع، فالألم يَبتلع الجوع. لكن ما هو هذا الجوع الذي للبِر؟ وما هي الخيرات التي يجوع إليها البار؟ أليست تلك الخيرات التي قيل عنها: "كنتُ فتى وقد شخت الآن، ولم أر صدِّيقًا تُخُلِّيَ عنه، ولا ذُرِّيَّة له تلتمس خبزًا" (مز 36: 22). من يشعر بالجوع يود أن تنمو قوَّته وتتقوَّى الفضيلة. ++ القديس أمبروسيوس

أنظر كيف تتألّم الأم التي تفقد ابنها بالموت، فيُلقى في القبر، فإنَّها تبكي لرحيل محبوبها. بالحري يلزم أن يكون الحزن أشد بالنسبة للإنسان الذي تفصله الخطيّة عن الله، فيفقد صورة صلاحه المحبوبة... يحزن الله بسبب فقدان الإنسان للصورة، فإنَّ النفس عنده أعزْ من كل بقيّة خليقته. بالخطيّة تموت النفس، وأنت ألاَ تُفكر في هذا يا خاطي! بالحري يلزمك أن تحزن من أجل هذا الإله الذي يحزن عليك! نفسك ميَّتة بالرذيلة، اِذرف الدموع وأقمها. لتُفرِّح الله بقيامة نفسك ++ القديس مار افرام السرياني

كان آباؤنا السعداء الطوباويُّون تأتيهم الدموع بسهولة في وقت التضرُّع، لأنهم كانوا على الدوام يتألِّمون ويتفرَّسون في آلام سيِّدنا، حاسب نفسك كم ليلة سهرت لأجل الدموع، أو كم من الأعمال قدَّمت إلى الله ليجود عليك بحزن الدموع ، كثرة حزن الدموع هي موهبة من الله تُعطى باجتهاد طلبات السائل ++ القديس يوحنا التبايسي

يقول القديس جيروم ++ الزمان الحالي هو وادي الدموع. هذا العالم هو موضع الحزن لا الفرح... العالم العتيد هو عالم الفرح، أما الآن فساحة الصراع والاحتمال.
في العام الحاضر لا يوجد الفرح الأبدي، إنما يكون فرحنا سريع الزوال.
من لا يبكي في العالم الحاضر سيسكب الدموع في الحياة العتيدة

إننا إذ نتوب بصدق تغفر لنا خطايانا بسبب حب الله لنا. نذكر هذه الخطايا على الدوام حتى لا نسقط فيها. لقد غفرت تمامًا، لكننا نقول مع المرتل: "خطيَّتي أمامي في كل حين" ++ القديس يوحنا الذهبي الفم

جاء عن الأب بفنوتيوس تلميذ القدِّيس مقاريوس أنه كثيرًا ما كان يردّد هذا القول عن الشيخ: عندما كنت صغيرًا، اعتدت أن آكل مع الأطفال الآخرين، وقد اعتادوا أن يذهبوا ويسرقوا قليلًا من التين. وإذ كانوا يجرون سقطت تينة منهم، فأمسكتها وأكلتها. كلما أذكر هذا أجلس وأبكي.

يقدِّم لنا القديس يوحنا التبايسي تداريب عمليّة تسند المؤمن لممارسة البكاء والتمتَّع بالدموع منها: تذكُّر آلام المخلِّص، المحاسبة للنفس، تذكر الدينونة، توقُّع الموت، وطلب الدموع من الله.

إنه لأمر صالح أن تبكي وتحزن من أجل العدل، بهذا تحمل شهادة لأعجب شريعة ، يؤكِّد التزامنا بعدم المبالغة في الدموع كما في الضحك ++ القدِّيس إكليمنضس السكندري

عندما خلق الله كل الأشياء... لم يكن محتاجًا إلى أية مادة لكي يعمل، ولا إلى أدوات في إقامة الخليقة، لأن قوة الله وحكمته لا تحتاج إلى عونٍ خارجي. بل المسيح قوة الله وحكمة الله به كل الأشياء خُلقت، وبغيره لم يكن شيء مما كان كما يشهد يوحنا (يو 3:1) ++ القديس غريغوريوس أسقف نيصص

لقد نزل كلمة الله من السماء، لكي يصير عريسًا للطبيعة الإنسانية، فأخذها مسكنًا له، لكي يخطبها ويقودها إليه فتلد ثمار الحكمة الروحية. ++ القديس كيرلس الكبير

يقول آخر أن الحقل هو مسيح الله الذي بالحقيقة مملوء. أمّا الكنز المُخفى فيه فهو ما قال عنه بولس إنها مخفية في المسيح: "المذخَّر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم"، الأمور السماويّة ++ العلامة أوريجينوس

اترك كل رغباتك. ذاك الذي صنع السماء والأرض أكثر جمالًا من الكل. ذاك الذي خلق كل الأشياء أفضل من الكل، سيكون بالنسبة لك كل ما تحبُّه. تعلَّم أن تحب الخالق في خليقته، في العمل الذي صنعه هو. لا تسمح لما فعله أن يمسك بك فتفقد ذاك الذي هو نفسه قد خلقك ++ القديس اغسطينوس

عندما يرى أب محبّ الإنسان الذي قتل ابنه، فإنَّه ليس فقط يعاقب المجرم، وإنَّما يدمِّر أيضًا السلاح نفسه الذي استخدمه. هكذا عندما يجد المسيح أن الشيطان قد ذَبح إنسانَّا فإنَّه ليس فقط يعاقب الشيطان، وإنَّما يدمِّر السلاح نفسه ++ القديس يوحنا الذهبي الفم

قيل: "أنتم هيكل الله، والروح القدس يسكن فيكم" (راجع 1 كو 16:3). لنعد هيكلنا حتى يأتي المسيح ويجد مسكنه فينا، وتصير نفوسنا صهيون، وتكون برجًا يُقام في الأعالي، فتكون دومًا إلى فوق وليس إلى أسفل ++ القديس جيروم

يقول الأب سيرينوس عن عدم توقّف حرب الشيّاطين ضدّنا، قائلًا: تسقط الأرواح (الشرّيرة) في الحزن، إذ تهلك بواسطتنا بنفس الهلاك الذي يرغبونه لنا، ولكن هزيمتهم لا تعني أنهم يتركوننا بلا رجعة.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:بعد انتصاراتك النابعة عن انتصاراته تستقبلك الملائكة أيضًا وتمدحك وتخدمك كحرّاس لك في كل شيء .

يجب أن يختفي الرب في أعماق نفوسنا لنقبل حقيقة الحكمة السماويَّة في داخلنا ++ القديس أمبروسيوس

الحكمة والبصيرة ++ القمص تادرس يعقوب



مقدمة في سفر الحكمة ++ القمص تادرس يعقوب
الحكمة والبصيرة

يقول الرواقيون أنه يوجد اختلاف بين الحكمة والبصيرة. يقولون: "الحكمة هي معرفة الأمور الإلهية والبشرية، وأما البصيرة فهي معرفة ما هو مائت وحده".

بحسب هذا التمييز ينطبق تعبير بولس "الحكمة" على ما هو غير منظور وما هو منظور، والبصيرة على ما هو منظور وحده ++ القديس جيروم

"المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (كو 2: 3)
كشف العهد الجديد عن الحكمة التي صارت لنا في المسيح يسوع، إذ هو نفسه حكمة الله، يهبنا ذاته.

هو نفسه يعطي الحكمة والمعرفة. الآن بقوله "كنوز" (كو 2: 3) يظهر عظمتها، بقوله "كل" يظهر أنه لا يجهل شيئًا، وبقوله "المخفية" يظهر أنه وحده يعرفها.

عجبًا! أية صداقة هذه؟! إذ يخبرنا بخفاياه، إذ يقول "بسرّ مشيئته"، لأن أحدًا يقول بأنه عرّفنا بالأشياء التي في قلبه. هنا حقًا السرّ المملوء حكمة وفطنة. فأية حكمة مثل هذه؟ الذين كانوا لا يساوون شيئًا رفعهم في لحظة إلي الغنى والفيض. أي تدبير حكيم هكذا؟! الذي كان عدوًا ومُبغضًا في لحظة ارتفع إلي العلا... هذا تم في الوقت المعين؛ إنه عمل الحكمة، تحقق بواسطة الصليب. ++ القديس يوحنا الذهبي الفم

إنه لا يخفي كنوز الحكمة والمعرفة لكي يحرمنا منها، وإنما لكي يثير اشتياقنا إلى ما هو مخفي.

نحترس، بوجه خاص، لئلا ونحن نجاهد في طلب للحكمة، التي هي كائنة في المسيح وحده المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة - أقول نحترس لئلا باسم المسيح ذاته، يخدعنا الهراطقة أو أية أحزاب فاسدة الذهن ومُحبة لهذا العالم ++ القديس اغسطينوس

يجب أن يختفي الرب في أعماق نفوسنا لنقبل حقيقة الحكمة السماويَّة في داخلنا ++ القديس أمبروسيوس

صارت الأذهان الجديدة حكيمة بحكمة جديدة، جاءت هذه الأذهان إلى الوجود خلال العهد الجديد حيث نزعت الغباوة القديمة++ القدِّيس إكليمنضس السكندري

يا ربنا يسوع المسيح، حكّم عبيدك في تجارب الشياطين المردة. هب لهم معرفة حكمة ربوبيتك، ولتلبسهم قوتك المقدسة، بها يذلون ذخر الشياطين، ويقهرونهم بقوتك المقدسة في كل قتالهم معهم. آمين ++ الشيخ الروحاني (يوحنا الدّلياتي)

طوبى لهم حقًا، الذين في احتياجهم لابن الله، قد تجاوزوا الحاجة إليه كطبيب لشفاء أمراضهم، أو كراعٍ، أو كفادٍ، وصار احتياجهم إليه كحكمة ولوغوس، أو كأحد الألقاب الأخرى التي يقدمها لأولئك الذين لهم الفصح الروحي الذي يهيئهم لأسمى النعم.

"يشبِه ملكوت السماوات كنزًا مُخفى في حقل" (مت 13: 44)... الحقل كما يبدو لي حسب ما جاء هنا هو الكتاب المقدَّس الذي فيه زُرع ما هو ظاهر من كلمات من التاريخ والناموس والأنبياء وبقيَّة الأفكار؛ فإنها عظيمة ومتنوعة هي نباتات الكلمات التي في كل الكتاب! أمّا الكنز المُخفى في الحقل فهو الأفكار المختومة والمخفية وراء الأمور المنظورة، الحكمة المَخفية في سِرّ، المسيح "المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (1كو 2: 3).

يقول آخر أن الحقل هو مسيح الله الذي بالحقيقة مملوء. أمّا الكنز المُخفى فيه فهو ما قال عنه بولس إنها مخفية في المسيح: "المذخَّر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم"، الأمور السماويّة ++ العلامة أوريجينوس

لقد نزل كلمة الله من السماء، لكي يصير عريسًا للطبيعة الإنسانية، فأخذها مسكنًا له، لكي يخطبها ويقودها إليه فتلد ثمار الحكمة الروحية. ++ القديس كيرلس الكبير

من يؤمن حقًا يتحد تمامًا بذاك الذي فيه الحق واللاهوت والجوهر والحياة والحكمة، ويرى فيه كل هذه والتي ليست فيمن لا يؤمن. فإنه بدون ابن الله لا يكون لك وجود ولا اسم، ويصير القوي بلا قوة، والحكيم بلا حكمة. لأن المسيح هو "قوة الله وحكمة الله" (1كو24:1)، فإن من يظن أنه يرى الله الواحد بلا قوة ولا حق ولا حكمة ولا حياة ولا نور حقيقي إما أنه لا يرى شيئًا بالمرة أو بالتأكيد يرى ما هو شر.

عندما خلق الله كل الأشياء... لم يكن محتاجًا إلى أية مادة لكي يعمل، ولا إلى أدوات في إقامة الخليقة، لأن قوة الله وحكمته لا تحتاج إلى عونٍ خارجي. بل المسيح قوة الله وحكمة الله به كل الأشياء خُلقت، وبغيره لم يكن شيء مما كان كما يشهد يوحنا (يو 3:1) ++ القديس غريغوريوس أسقف نيصص

أنت مسكن لله، وهيكل للروح القدس ++ البابا شنودة الثالث



من كتاب حياة التوبة والنقاوة ++ البابا شنودة الثالث
أنت مسكن لله، وهيكل للروح القدس

أنت يا أخي لست فقط ابن الله، ونفخه قدسية قد خرجت من فم الله، وإنما أنت أيضًا هيكل لله، والله يسكن فيك. وهكذا يقول لنا الرسول "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله ساكن فيكم. إن كان أحد يفسد هيكل اله، فسيفسده الله. لأن هيكل الله مقدس الذي أنتم هو"(1 كو 3: 16، 17). "أنتم هيكل الله الحي. كما قال الله إني سأسكن فيهم وأسير بينهم" (2 كو 6: 16).. شهوة الله منذ البدء أن يسكن فيك، ينظر إلي قلبك، ويقول "ها هو موضع راحتي إلي الأبد. ههنا أسكن لأني اشتهيته" (مز 132: 14).. تقول له "عندك يا رب الكنائس، عندك الهياكل والمذابح. سكناك في السماء وسماء السموات هي عرشك"، فيقول لك: ولا واحدة من هذه تعجبني مثل سكناي في قلبك "يا ابني أعطني قلبك" (أم 23: 26).

أنت أيها الأخ المبارك أهم عند الله من كنيسة مبنية.. إن تهدمت إحدى هذه الكنائس فما أسهل علي البشر أن يعيدوا بناءها، بجمع المال تبني.. إما إذا تهدم إنسان مثلك، فلا يمكن أن يعاد بناؤه إلا بدم المسيح. لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا رئيس آباء ولا نبيًا، يقدر أن يردك إلي رتبتك الأولي، ليس غير دم المسيح، فبدونه لا يكون لك خلاص.. أنت يا أخي أهم عند الله من كنيسة مبنية. أنت كنيسة حية، أهم من الطوب والحجارة، أنت هيكل للروح القدس.. لقد سمح الله أن يتحطم هيكل سليمان، ولا يترك فيه حجر إلا وينقض.. أما أنت هيكل للروح القدس.. لقد سمح الله أن يتحطم هيكل سليمان، ولا يترك فيه حجر إلا وينقض.. أما أنت فمن أجلك أرسل الله الرسل الأنبياء والملائكة، وعين الرعاة والكهنة والمعلمين، ورتب كل وسائط النعمة، وقدم استحقاقات الفداء العظيم "لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16).

إن كنت إذن بيتًا لله، والله يسكن فيك، فتذكر قول الكتاب "ببيتك يا رب تليق القداسة" (مز 93: 5). واعرف أنك بالخطية تنجس بيت الله، الذي هو أنت..

أذكر إذن قول الرسول:
" كونوا انتم أيضًا مبنيين -كحجارة حية- بيتًا روحيًا، كهنوتًا مقدسًا، لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح (1 بط 2:5).. إن السيد المسيح يبحث عن مكان يسكن فيه وهذا المكان هو أنت. وعندما قال الرب عن نفسه انه "ليس له أين يسند رأسه" (لو 9: 58)، لم يكن يقصد فقط البيوت المادية، وإنما بالأكثر قلوب الناس.

إن قلبك هو المكان الذي يريد الرب أن يسند فيه رأسه.. حقًا عن لذته في بني البشر..((أم 8: 31) وهو ما يزال يقرع علي بابك لتفتح له.. وفي اشتياقه إلي قلبك يقول "إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلًا" (يو 14: 23). وهكذا يأتي الآب والابن ويسكنان في قلبك، وأنت من قبل هيكل للروح القدس.

فيصير قلبك بهذا الوضع مسكنًا للثالوث القدوس.. هنا ويعقد الصمت لساني، هيبة، وإجلالًا، لهذا القلب المقدس.." ما أرهب هذا المكان!!! ما هذا إلا بيت الله وهذا باب السماء" (تك 28: 17).. هذا هو المسكن الإلهي العجيب الذي يأتي إليه الله من بعيد "طافرًا علي الجبال، قافزًا علي التلال" (نش 2:8)، ينادي نفسك العزيزة في حب "افتحي يا أختي، يا حبيبتي يا حمامتي، يا كاملتي، لأن رأسي قد امتلأ من الطل، وقصصي من ندي الليل" (نش 5: 2). فإلي متى تنتظر يا أخي ولا تفتح..!

تصور يا أخي أن الله الذي لا تسعه السموات كلها، ولا الكون أجمعه، الله الذي قال عنه داود "للرب الأرض وملؤها، المسكونة وكل الساكنين فيها" (مز 24: 1)، الله هذا يقرع علي بابك، ويشتهيك مسكنًا له.. هو يريد أن يعيش أنت في قلبه، يثبت فيك وأنت فيه، وتصير كنيسة مقدسة له..أذكر أنني في يوم ما أرسلت خطابًا إلي أحد الأخوة المباركين، قلت له فيه "سلم علي الكنيسة المقدسة التي في قلبك". لأني كنت أعرف أن في قلبه كنيسة تصعد منها رائحة بخور، وتخرج منها ألحان وتسابيح، وترتفع فيها ذبائح روحية.

ألم يقل المرتل "فلتستقم صلاتي كالبخور قدامك وليكن رفع يدي ذبيحة مسائية" (مز 141: 2). أن عرفت يا أخي هذا، أنك هيكل للروح القدس، فلا تخطئ، لئلا تحزن روح الله فيك وتطفئ حرارته.

بل أن أتاك الشيطان يومًا بخطية، تقول له:
اذهب عني بعيدًا، فلست أنا لك..
أنا بيت الله، أنا مسكن لله.. أنا موضع مقدس للرب..
أنا الذي يقرع الله علي بابي لكي أفتح له..
أنا هيكل للروح القدس، أنا كنيسة مقدسه.
إنا الذي يأتي إلي الآب والابن، وعنده يصنعان منزلًا..
أنا مسكن للثالوث القدوس..
هل أنا شيء هين، يمكن أن ينجسه الشيطان؟! كلا،
أنا سماء ثانية.. عرش لله يجلس عليه..
أنت يا أخي لست هذا كله فقط، بل أيضًا: أنت أخ للمسيح، شريك للمسيح، ووارث معه.

كيف أبتعد عن الظلمة؟ ++ البابا شنودة الثالث



من كتاب معالم الطريق الروحي ++ البابا شنودة الثالث


إن لم تستطع أن تعتزل عمليًا عن الخطاة، فعلي الأقل اعتزل عن طرقهم... إن كنت لابد لك أن تعيش في بيئة غير روحية، إذ العالم غالبيته هكذا، وليس بإمكانك أن تخرج من العالم كما قال معلمنا بولس الرسول...

وإن كنت لا تستطيع الانفصال عن الخطاة جسديًا، فانفصل بالقلب والفكر...

افصل قلبك عن شهوة شريرة، وافصل عقلك عن كل فكر خاطئ. وافصل حواسك بقدر الإمكان عن رؤية وعن سماع ما يتعبك روحيًا. وتذكر قول القديس بولس الرسول " والذين يستعلمون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه" (1كو7: 31). واستمع أيضًا إلى قوله: "لا تشاكلوا أهل هذا الدهر" (رو12: 2).

أي لا تصيروا في شكله وشبهه، بل كونوا مميزين بطريقكم الروحي. وكما قيل "لغتك تظهرك" (متى26: 73) أو كما قال القديس يوحنا الحبيب "كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية... بهذا أولاد الله ظاهرون، وأولاد أبليس (ظاهرون)" (1يو3: 9، 10). أولاد الله قد ارتفعوا عن مستوي العالم وشهواته، لأنهم ركزوا كل محبتهم في الله وحده يرفضون الوضع الذي انتقده إيليا النبي حينما قال:

" حتى متى تعرجون بين الفرقتين؟ إن كان الرب هو الله فاتبعوه. وإن كان البعل فاتبعوه "

(1مل18: 21).

لا يمكن للمؤمن الحقيقي أن يجمع بين الأمرين معًا: الله والعالم. فيعطي ساعة للصلاة، وأخري للمتع العالمية دون أن يثبت على حال.. فقد قال الكتاب " تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك ومن كل قدرتك" (تث6: 5). وعبارة " كل " هنا، تعني أنه لا توجد محبة أخري إلى جوار الله تنافسه.. لا توجد ظلمة تشترك مع نوره العجيب داخلك. وانفصالك عن الظلمة، ليس هو مجرد عمل سلبي، وإنما له إيجابياته حسبما قال الرسول:

" لا تشتركوا في أعمال الظلمة غير المثمرة، بل بالحري وبخوها" (أف5: 11).

وتوبيخ الظلمة يعني أنك لا تقبلها فيك ولا غيرك، وتعنى حرصك على ملكوت الله وانتشاره. وتوبيخ الظلمة يعني قوة في القلب من الداخل، لا تضعف أمام سلطان الظلام (لو22: 53)، وإنما تتصدى للظلمة وتقاومها، ومثلما وقف إيليا ضد آخاب وأنبياء البعل" (1مل18). ومثلما وقف المعمدان ضد هيرودس وهيروديا (متى14: 3، 4).

أنت نور. والخطية ظلمة. النور يستطيع أن يقشع الظلام.

أنت نور، لأن السيد المسيح قد قال لنا " أنتم نور العالم" (متى5: 14). وقال بعدها " فليضئ نوركم هكذا قدام الناس، لكي يروأ أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذي في السموات (متى5: 16). ونورك هذا حينما يضئ، سيبدد الظلمة التي حوله. لا تغطي هي عليه، بل هو الذي يبددها.

فهل لك هذه الهيبة الروحية التي تبدد الظلمة التي حولها؟

هل في مجرد وجودك يشعر من حولك أنهم لا يستطيعون أن يلفظوا بكلمة خارجة أو كلمة نابية، ولا يستطيعون أن يتصرفوا أي تصرف غير لائق.

هل وجودك يشعرهم أنك تنقل إليهم حضور الله في وسطهم فيقولون لك العبارة التي قيلت لذلك المتنيح... إننا عرفنا الله اليوم عرفناك..؟
هل أنت لا تنفصل فقط عن الظلمة أم أنت تقضى على الظلمة؟

هل أنت مصباح يوضع على المنارة، فلا تكون ظلمة، لأنه ينير لكل من في البيت (متى5: 15) أو هل أنت حتى مجرد شمعة، تضئ فتطرد الظلمة.

قد يكون تعليمك نورًا. وهذا حسن، وما هو بأحسن من ذلك أن تكون حياتك نفسها نورًا تضئ للآخرين.

ولا يمكن أن تكون نورًا، إلا إذا أحببت النور. ولا يمكن أن تبدد الظلمة إلا إذا كنت تكرهها من أعماقك.

لذلك افحص قلبك جيدًا، وتأكد من سلامة مشاعره، واطرد منه كل ظلمة، بمحبة الله التي إن دخلت قلبك طردت منه كل محبة للعالم وللخطية.

وينبغي أن تثق بأن الخطية ظلمة. يكفي أنك لا تستطيع أن تفعلها إلا في الظلام، في الخفاء، في غير ملاحظة الناس لك... وإن تكشفت لأحد، تحاول أن تغطيها بالأعذار أو التبريرات، أو الكذب، أو بإلصاقها بغيرك، لكي تبقي في الظلام لا يراها أحد فيك...

ومادام الله نورًا، إذن فالخطية وهي ظلمة تفصلك عن الحياة مع الله.

لأنه كما قال الرسول " أية شركة للنور مع الظلمة"...

وإن كان الأبرار سيقومون في اليوم الأخير بجسد نوراني روحاني، وسوف يضيئون كالجلد، والذين ردوا كثيرين إلى البر يضيئون كالكواكب إلى أبد الدهور (دا12: 3)، فماذا نقول عن قيامة الخطاة الذين كانوا ظلمة في حياتهم؟

هؤلاء سيطرحون في الظلمة الخارجية فلا يمكن أن تكون أرواحهم مضيئة.

وهكذا يكون الله قد فصل في الأبدية أيضًا بين النور والظلمة، ليس فقط من جهة المسكن، حين يسكن الأبرار في المدينة المنيرة التي لا تحتاج إلى شمس ولا إلى قمر، لأن مجد الله يضيئها (رؤ21: 32).

وإنما أيضًا من جهة طبيعة الأرواح الأبرار الأبرار منيرة، وأرواح الخطاة مظلمة...

ولا يمكن أن تكون أرواح الأشرار منيرة، لأنهم انفصلوا عن الله الذي هو النور الحقيقي، ولأنهم يعيشون في الظلمة الخارجية، ولا شركة للنور مع الظلمة.