
من كتاب المحبة قمة الفضائل +++ البابا شنوده الثالث
اهتمام الله بالمحتاجين إلي الحب
لقد اهتم الله بالكل، وبخاصة أولئك الذين لم يكن أحد يهتم بهم. فأولاهم حبًا كانوا في مسيس الحاجة إليه. ومنح حبه للمظلومين والمقهورين، وقال للتعابى:
(تعالوا إلي جميع المتعبين والثقيلي الحمال، وأنا أريحكم) (مت11:28).
وكانت هذه النقطة هي من أبرز خواص رسالة السيد المسيح له المجد. وقال في ذلك (روح السيد الرب علي، لأنه مسحني لأبشر المساكين. أرسلني لأعصب منكسري القلب. لأنادي للمسببين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق.. لأعزي جميع النائحين.. لأعطيهم جمالًا عوضًا عن الرماد، ودهن فرح عوضًا عن النوح، ورداء تسبيح عوضًا عن الروح اليائسة) (أش61:1-3).
نعم، إنه رجاء لمن ليس له رجاء..
ومعين من ليس له معين -كما نقول في صلوات القداس الإلهي- عزاء صغيري القلوب، وميناء الذين في العاصف..
وهكذا كان يعطي الحب للذين لا يجدون حبًا من أحد. وكان يذكر الذين ليس لهم أحد يذكرهم. وهو باستمرار الباب المفتوح، حينما تكون سائر الأبواب مغلقة. وسنضرب بعض أمثلة:
الحب الذي قدمه الرب للعشارين المحترقين من الناس.
كان العشارون منبوذين من المجتمع اليهودي، يرونهم عنوانًا للظلم والبعد عن الروحانية. ولكن الله الحب أراد أن يرد لهم اعتبارهم، ويعيد إليهم كرامتهم، وبخاصة أمام الفريسيين المشهورين. بالتدقيق في حفظ الوصايا. فذكر مثل الفريسي والعشار. وكيف أن العشار في توبته وانسحاق قلبه، كان أفضل من الفريسي في كبريائه وافتخاره. وكيف أن العشار خرج من الهيكل مبررًا دون ذاك (لو18:9-14).
وكان يحضر ولائم العشارين، ويدخل بيوتهم. وبهذا يرفع من معنوياتهم وبجذبهم إليه.
وما كان يبالي بانتقاد الفريسيين والكتبة له (لو15:2). حتى أنهم قالوا لتلاميذه (لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة؟!). أما هو فكان يجيب (لا يحتاج الأصحاء إلي طبيب بل المرضي.. لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلي التوبة) (مت9:11-13). وكان يقول أيضًا (يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب، أكثر من تسعة وتسعين لا يحتاجون إلي توبة) (لو15:7).
حقًا ما أعمق اهتمام المسيح بالخطاة والمرضي.
أنه ما كان يتعالي عليهم أو يحتقرهم، كما كان يفعل الفريسيون، بل كان يدخل إلي بيوتهم، كما دخل إلي بيت زكا رئيس العشارين، حتى تذمر الجمع قائلين إنه دخل ليبيت عند رجل خاطئ (لو19:7). أما السيد فقد منح زكا الحب الذي تاب به. وقال: اليوم حصل خلاص لأهل هذا البيت، إذ أيضًا ابن إبراهيم) بل قال إنه:
(قد جاء ليطلب ويخلص ما قد هلك) (لو19:10).
عميقة جدًا هذه العبارة.. لم يقل يخلص من قد ضل أو أخطأ، بل ما قد هلك..! إذن فتحي الهالك له رجاء، وله مكان في محبة الله يمكن به أن يخلص. وليس فقط يخلص، بل أن الرب قد اختار أحد هؤلاء العشارين، ليكون واحدًا من تلاميذه الاثني عشر، وهو متى الذي كان جالسًا عند مكان الجباية (مت9:9).
أي حب هذا، هو حب الرب الذي قيل عنه:
(المقيم المسكين من التراب، والرافع البائس من المزبلة، ليجلسه مع أشراف شعبه) (مز113: 7، 8).
هذا هو تعامل الرب المملوء حبًا والمملوء اتضاعًا، مع المساكين والمحتقرين، مع الخطاة والعشارين، المنبوذين من المجتمع. أعطاهم فوق ما كانوا ينتظرونه منه بمراحل.. لقد أذاب قلوبهم بهذا الحب.. زكا مثلًا، كانت أقصي أمنيته أن يراه. أما أن يقف الرب عنده، ويناديه باسمه، ويدخل إلي بيته، ويعلن أنه أيضًا من أبناء إبراهيم. فقد كان هذا فوق احتماله.. فأعلن توبته، وأعلن الرب خلاصه.
طائفة أخري هي السامريون، وكان المجتمع اليهودي لا يعاملونهم (يو4:9). وكيف عاملهم الرب بحب..
كان اليهود يحتقرونهم، ويرون أنهم غير مؤمنين. وفعلًا لم يكن إيمانهم سليمًا.. ولكن حتى هؤلاء، ما كنت محبة الرب بعيدة عنهم، ولا كان خلاصه مغلقًا أمامهم. وإذا بالرب يشرح مثل السامري الصالح، الذي أظهر فيه كيف أن ذلك
السامري كان أفضل في حبه من الكاهن واللاوي (لو10:25-37). ورد بهذا المثل علي سؤال أحد الناموسيين (من هو قريبي) فأظهر له أن السامري أيضًا قريبه.
وفي معجزة شفاء العشرة البرص، أظهر أن الوحيد الذي رجع فشكر كان سامريًا.. وقال لهذا الرجل (الغريب الجنس) (إيمانك خلصك) (لو17:12-19).
إن محبة الله تشمل أيضًا "الغريب الجنس"، وترفع معنوياته، وتفتح له باب الإيمان والخلاص.
ولم يكتف الرب بهذا من جهة السامريين، بل زارهم ودخل مدينتهم. ومعروفة قصة هدايته للمرأة السامرية، وحديثة معها عن الماء الحي، واجتذابها إلي التوبة وإلي الإيمان.. ثم بعد ذلك أهل مدينتها كلهم (جاء إليه السامريون وسألوه أن يمكث عندهم. فمكث هناك يومين) وآمن كثيرون وقالوا (إن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم) (يو4:5-42).
إنه بالحب قد خلص كثيرين من السامرة.
وقال لتلاميذه (ارفعوا عيونكم وانظروا الحقول: إنها قد ابيضت للحصاد.. أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه) (يو4:35،38). وهكذا لم ينس الرب السامرة في إرساليته لتلاميذه، بل قال لهم بعد القيامة (وتكونون لي شهودًا في أورشليم، وفي كل اليهودية، والسامرة، وإلي أقصي الأرض) (أع 1:8).
جميل أن يعرف كل إنسان أنه ليس منسيًا من الله، ولو كان في أقصي الأرض. وهذا يذكرنا بالأمم.
كان الأمم أيضًا محتقرين من اليهود، لأنهم ليسوا أبناء لإبراهيم، وليسوا من شعب الله!! ولكن الرب أظهر محبته لهم أيضًا، من جهة المعجزات، والإيمان..
يكفي أنه بالنسبة إلي قائد المائة الأعمى الذي شفي الرب غلامه، أنه قال عنه: الحق أقول لكم:
(لم أجد ولا في إسرائيل كلها إيمانًا بمقدار هذا) (مت8:10).
ثم فتح بمحبته باب الملكوت أمام الأمم وقال: (إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب، ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السموات) (مت 8: 11).
كذلك نذكر محبة الرب للأطفال..
هؤلاء لم تكن لهم قيمة في المجتمع، بل للأسف كانوا يطردونهم أحيانًا من حضرة المسيح. ولكنه في حب قال لهم (دعوا الأولاد يأتون إلي ولا تمنعونهم. لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات) (مت19:14). ووضع يديه عليهم وباركهم.
وفي مناسبة أخري دعا ولدًا وأقامه في وسط التلاميذ وقال (الحق أقول لكم: إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السموات) (مت18:3). وحامي عن هؤلاء الصغار، فقال (من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي، فخير له أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر) (مت18:6).
والرب احتضن الأطفال، ووضع يديه عليهم، وباركهم (مر10:16) (مر9:36).
وكما رفع معنويات الأطفال، رفع معنويات النساء.
سمح للمرأة أن تنضم إلي جماعة تلاميذه. ونسوة كثيرات كن يخدمنه من أموالهن (لو8:3). وكان من بين من أقامهم من الأموات ابنه يايرس (لو8:54،55). وقد شفي نازفة الدم، وقال لها إيمانك قد شفاك (لو8:48). وكان يدخل بيت مريم ومرثا. وامتدح مريم قائلاُ إنها (اختارت النصيب الصالح الذي لن ينزع منها) (لو10:42).
وتكفي المكانة العظيمة التي قدمها للقديسة العذراء.
التي أصبحت جميع الأجيال تطوبها. ولما وصل سلامها إلي أليصابات امتلأت أليصابات من الروح القدس. وارتكض الجنين في بطنها (لو1:48،41). وخاطب السيد المسيح أمه علي الصليب وجعلها أمًا روحية لتلميذه يوحنا (يو19:26،27).
وبعد القيامة قيل إنه (ظهر أولًا لمريم المجدلية) (مر16:9). وقال لها ولمريم الأخرى (اذهبًا بسلام وقولًا لأخوتي أن إلي الجليل، هناك يرونني) (مت28:10).
ولا ننسي دفاع الرب عن المرأة.
دافع عن المرأة التي ضبطت في ذات الفعل، وأنقذها من الرجم (يو8). ودافع عن المرأة التي بللت قدميه بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها (لو7). ودافع عن المرأة سكبت الطيب علي رأسه في بيت سمعان الأبرص. ولما احتج البعض قائلين (لماذا هذا الإتلاف. لأنه كان يمكن أن يباع هذا الطيب بكثير ويعطي للفقراء) قال الرب (لماذا تزعجون المرأة؟! إنها قد عملت بي عملًا حسنًا.. إنما فعلت ذلك لأجل تكفيني) بل طوبها قائلًا (حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم، يخبر أيضًا بما فعلته هذه المرأة تذكارًا لها) (مت26:6-13).
من كتاب المسيح مشتهى الأجيال منظور أرثوذكسي (مع حياة وخدمة يسوع)...المسيح في معاملاته مع الخطاة ++ الأنبا بيشوي مطران دمياط وكفر الشيخ والبراري و رئيس دير القديسة دميانة
جاء السيد المسيح لكي يحمل خطايا آخرين، ويشفع في المذنبين ولذلك كان لطيفًا جدًا في معاملاته مع الخطاة. ودائمًا كان يقول: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى.. لأني لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة" (مت9: 12، 13).
ومع إنه كان حازمًا مع المستكبرين، وقساة القلوب، ورافضى التوبة، والمرائين، والمنافقين، ومع الذين يعتبرون أن التقوى تجارة.. إلا أنه كان رقيقًا، متواضعًا، مترفقًا، طويل الأناة مع المنكسرين، والضعفاء، والمنسحقين، والمأسورين، والمشتاقين إلى التوبة والخلاص.. مثلما قال: "روح الرب علىَّ لأنه مسحنى، لأبشر المساكين. أرسلنى لأشفى المنكسرى القلوب، لأنادى للمأسورين بالإطلاق، وللعمى بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة" (لو4: 18، 19).
محبة الخطاة
من أجل محبته للخطاة، ورغبته في خلاصهم، احتمل الكثير من التعيير الذي أثاره ضده الكتبة والفريسيون ورؤساء اليهود. إذ اتهموه بأنه محب للعشارين والخطاة، وأنه دخل ليمكث في بيت إنسان خاطئ.
وفى قبوله لتوبة المرأة الخاطئة التي غسلت رجليه بدموعها قالوا: "لوكان هذا نبيًا لعلم من هذه الامرأة التي تلمسه وما هى إنها خاطئة" (لو7: 39).
وفى النهاية حينما عُلّق على الصليب حاملًا خطايا كثيرين، كانوا يعيّرونه قائلين: "خلّص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها" (مت27: 42)
السيد المسيح في اتضاع عجيب تعامل مع الخطاة، بل وحمل تعييرات كان المفروض أن يحملوها هم فحملها عوضًا عنهم راضيًا مختارًا.
فى لقائه مع السامرية
بادرها قائلًا: "أعطينى لأشرب" (يو4: 7)، مُظهرًا نفسه كالمحتاج مع أنه هو ينبوع الماء الحى..
وحينما "أجابت المرأة وقالت: ليس لي زوج، قال لها يسوع: حسنًا قلت ليس لي زوج.. هذا قلتِ بالصدق" (يو4: 17، 18)، مادحًا صدقها في هذا الأمر، كاشفًا لها أعماق حياتها "لأنه كان لكِ خمسة أزواج والذي لكِ الآن ليس هو زوجك" (يو4: 18). فقالت المرأة: "يا سيد أرى أنك نبى" (يو4: 19).
فبمنتهى الاتضاع والحرص على مشاعرها، اقتادها إلى الاعتراف، وإلى التوبة، وإلى المناداة باسمه بين أهل مدينتها.
مع اللص اليمين
كان اللصان اللذان صُلبا مع السيد المسيح يعيرانه قائلين: "إن كنت أنت المسيح فخلّص نفسك وإيانا" (لو23: 39).
وفيما كان السيد المسيح يدفع ثمن خطية اللص المذنب، احتمل تعييراته، وكان يصلّى من أجل خلاصه وتوبته.
وعلى مدى ساعات الصلب كان اللص يراقب السيد المسيح ويستمع لكلماته، وكيف كان يهتم بغيره..
سمعه وهو ينادى الآب طالبًا المغفرة لصالبيه "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو23: 34).
رأى صبره ووداعته واحتماله لتعييرات اليهود، إذ لم يرد بكلمة واحدة على ما وجِّه إليه من شتائم وإهانات.
ربما فكّر اللص اليمين في نفسه قائلًا (لاشك في أن يسوع المصلوب يؤدى رسالة يدفع فيها ثمن خطايا آخرين، وهو برئ من كل خطية لأن الذي استطاع أن يقيم لعازر من الموت، لا يعسر عليه أن يُسكت هؤلاء المجدفين عليه).
لهذا بدأ اللص اليمين يوبّخ زميله الآخر: "أَوَلاَ أنت تخاف الله، إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه. أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا. وأما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله" (لو23: 40، 41). ثم استطرد معلنًا إيمانه بألوهية السيد المسيح الذي احتمل كل هذا من أجلنا: "اذكرنى يا رب متى جئت في ملكوتك. فقال له يسوع الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو23: 42، 43).
أى أن السيد المسيح قد وعد اللص بأن يذهب إلى مكان انتظار أرواح الأبرار، تمهيدًا لدخوله إلى الملكوت في اليوم الأخير.
فى اتضاعه المعهود لم يؤاخذ السيد المسيح اللص على تجاديفه السابقة وتعييراته له. بل حتى لم يعاتبه.. واكتفى بما أظهره من حب وإخلاص، ورغبة صادقة في السلوك في طريق الحق، وإيمان برسالة السيد المسيح كفادى ومخلص وملك للمفديين.
وهكذا نرى السيد المسيح في اتضاعه، وقد حمل خطايا كثيرين وشفع في المذنبين ووبخهم برقته ووداعته العجيبة حتى تحولوا من خطاة إلى قديسين.
مع المرأة الخاطئة
سأل السيد المسيح مضيفه سمعان الفريسى "كان لمداين مديونان، على الواحد خمسمئة دينار، وعلى الآخر خمسون. وإذ لم يكن لهما ما يوفيان، سامحهما جميعًا. فقل أيهما يكون أكثر حبًا له. فأجاب سمعان وقال: أظن الذي سامحه بالأكثر. فقال له بصواب حكمت" (لو7: 41-43).
إن الغفران الذي قدّمه السيد المسيح للمؤمنين به هو غفران مدفوع الثمن.
والثمن هو دم المسيح، لهذا قال معلمنا بولس الرسول: "وأنكم لستم لأنفسكم لأنكم قد اشتريتم بثمن فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هى لله" (1كو6: 19، 20).
وقال معلمنا بطرس الرسول: "عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى.. بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1بط1: 18، 19).
إن البشر لم يكن بمقدورهم أن يوفوا الدين الذي عليهم لله بدون تجسد ابن الله الوحيد الذي هو وحده قادر أن يوفى الدين، وهو نفسه الله الظاهر في الجسد الذي صالحنا مع أبيه السماوي.
وعن عدم مقدرة البشر منفردين عن الله بأنفسهم أن يوفوا الدين، قال السيد المسيح في هذا المثل: "وإذ لم يكن لهما ما يوفيان" (لو7: 42).
لقد أوفى السيد المسيح الدين الذي علينا واشترانا وصرنا ندين له بهذا الحب العجيب، أي أنه قد اجتذبنا بمحبته وغفرانه المدفوع الثمن، فصرنا نحبه وتزداد محبتنا له كلما تأمّلنا في آلامه لأجلنا.
وقال السيد المسيح لسمعان عن المرأة الخاطئة التي غسلت رجليه بدموعها ومسحتهما بالطيب وانهمكت في تقبيل قدميه "من أجل ذلك أقول لك: قد غُفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيرًا. والذي يُغفر له قليل يحب قليلًا" (لو7: 47).
إن الغفران المدفوع الثمن في المفهوم المسيحي هو الذي يجعلنا نحب الرب كثيرًا. كما أنه هو الذي يجعلنا نكره الخطية، لأنها تسببت في آلام فادينا وموته على الصليب.
كيف ننسى هذا الحب العجيب الذي يبكتنا على كل خطية اقترفناها أو نقترفها، ويجعلنا نشعر بالاشمئزاز من الخطية، ويجعلها تبدو خاطئة جدًا.
إن الخاطئ الذي يتأمل في جراحات المخلّص الوديع يشعر بأنه لا يطيق نفسه، ولا يتصور أنه من الممكن أن يخون هذا الحب الكبير. لهذا قال السيد المسيح: "إن كان أحد يأتي إلىّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضًا فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا" (لو14: 26).
وما معنى أن يبغض الإنسان نفسه، إلا أن يبغض كل تصرف تميل إليه نفسه في أنانيته لإرضاء شهواتها.
هذه هى فلسفة تعاليم السيد المسيح في قوله: "من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن يُهلك نفسه من أجلى يجدها" (مت16: 25).
من أهلك نفسه من أجل المسيح سوف يجدها، لأنه سوف يتحرر من سلطان الخطية والموت الأبدى، وبهذا سوف يرث الحياة الأبدية ويجد نفسه في الأبدية والسعادة الحقيقة في حرية مجد أولاد الله.
الإيمان بالسيد المسيح بأنه هو ابن الله الحى والإيمان بموته المحيى وقيامته من الأموات يؤهل الإنسان أن ينال سر العماد المقدس لأن "الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه" (يو1: 12).
وبالميلاد الفوقانى ينال المؤمن الحق في أن ينال سر المسحة المقدسة ويصير مسكنًا للروح القدس الذي يثبّته في حالة البنوة لله ويمنحه ثمارًا لازمة للخلاص، كما يمنحه مواهبًا لبنيان الكنيسة.
وبالميلاد الفوقانى أيضًا يؤهَّل الإنسان للاتحاد بالحياة الأبدية في المسيح بالتناول من جسده المقدس ودمه الكريم في سر الافخارستيا، الذي يعطيه ثباتًا في المسيح ويؤهّله لشركة الحياة الأبدية. ومن خلال سر التوبة والاعتراف يؤهل لتجديد مفاعيل العماد المقدس في الاتحاد بالمسيح بشبه موته وقيامته من الأموات في سر الافخارستيا (التناول).
إن العطايا الروحية التي ينالها المؤمن بالمسيح تمنحه قوة للانتصار على محاربات الشيطان، والتمتع بحياة القداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب. وفي كل ذلك يضع المؤمن أمام عينيه صلب المخلص وجراحاته وآلامه.
لأن الصليب هو سلاح الغلبة. وهو مصدر كل العطايا والنعم التي يمنحها الروح القدس للمؤمنين بالمسيح، الذين يتمتعون بغفران مدفوع الثمن، يمنحه لهم الروح القدس باستحقاقات دم المسيح الفادى والمخلص العجيب.
من كتاب انطلاق الروح ++ البابا شنودة الثالثاتركيني الآن
هوذا أنا هكذا يا رب أتدخل باستمرار فيها لا يعنيني. لست أقصد التدخل في شئون غيري من الناس، كيف يتصرف، وكيف تتصرف أنت معه – ولو أنني أقع كثيرا في هذا الخطأ – وإنما أقصد تدخلي في شئون نفسي. بينما هي أمور لا تعنيني أنا بقدر ما تعنيك أنت..
نفسي ليست ملكي، وإنما هي ملكك، اشترها بدمك الكريم فأصبحت لك. وليس لي بعد أن أتدخل في شئونها، لأنك أنت تدبرها حسب مشيئتك الصالحة الطوباوية.
علي إذن أن أنظر وأمجدك.
متى يأتي الوقت الذي لا أتدخل فيه في شئون نفسي، وإنما أتركها لك: حيثما تسيرِّني أسير، وكيفما تصيرني أصير؟ متي أرض بحالتي التي ارتضيتها أنت لي، فلا ألِح عليك في تغييرها كأنك غافل عن صالحي؟
متى تتحول صلاتي من طلب إلي شكر؟ أو متى ابحث عن شيء أطلبه فلا أجد لأني لست أجد خيرا لي الآن مما أنا فيه؟..
متى يأتي الوقت الذي يصبح فيه عملي الوحيد هو ألا أعمل شيئًا، وإنما اترك نفسي في يديك وأنساها هناك، ولا أذكر إلا هاتين اليدين اللتين جبلتاني وصنعتاني واللتين كنت تضعهما علي كل واحد فتشفيه.
متى أؤمن بك الإيمان كله. فاستأمنك علي حياتي تدبرها كيف تشاء، أنت يا صانع الخيرات، دون أن أقحم نفسي في عملك هذا وأتلصص متجسسا عليك لأري ماذا تعمل بي!! وكيف تعمل.. وهل عملك مقبول أم لا!
وهل يستدعي الأمر تدخلا مني أم لا يستدعي؟
آه يا رب كم أنا وقح في تصرفي معك! جاهل أنا وأتدخل في أعمال حكمتك محاولا أن أوقفها لأنفذ مشورتي الغبية!! كم يكون أحكمني لو أنني سكت وأخذت منك موقف المتفرج لا موقف الشريك. إذن لكنت أري عجائب من حكمتك.
أنني يا رب أفكر كثيرا في ذاتي، ولا أفكر ولو قليلا فيك أنني أثق كثيرا بذاتي، ولا أثق ول قليلا بك. ذاتي هي صنمي متي يتحطم لكي أعبدك العبادة الحقة؟ أن كنت لا أحطم بنفسي هذا الصنم لكونه جميلا في عيني، أو لكونه متى لدي جدا، فتول أنت يا رب تحطيمه، وعند ذلك لا يبقي لك منافس في قلبي فأحبك، ولا يبقي لك منافس في إيماني لأعبدك.
لو كنت يا رب أفكر فيك بقدر ما أفكر في ذاتي، ولو كنت اعتمد عليك بقدر ما أعتمد علي مقدرتي الخاصة، ولو كنت أحبك بقدر ما أحب نفسي، إذا لأصبحت مثل أولئك القديسين الذين أنكروا أنفسهم ليعرفوك.
متى تعتقني يا رب من ذاتي؟ متى؟ لا لكي أصير قديسًا، وإنما لكي أجدك.
متى تخرج من الحبس نفسي، وأطلق عبدك بسلام؟ متى أضيع ذاتي من أجلك لكي أجدك؟ وحينئذ أجدها فيك. متى أهلك ذاتي من أجلك؟ أذن لكانت تحيا بك. متى انظر إلي ذاتي فلا أجدها، وإنما أجدك أنت، متى أنظر إليها فأراك؟ متى أنظر إلي العالم فأراك؟ وإلي الناس فأراك؟ وتصبح لي الكل في الكل وليس سواك.
هي تبيد وأنت تبقي، وكلها كثوب تبلي، وكرداء تطويها فتتغير. ولكن أنت أنت وسنوك لا تفني.
قالوا لي: (أعرف نفسك). وقالوا لي:(أدخل إلي ذاتك). آه يا رب هي ذاتي هذه سبب متاعبي كلها..
متى أدخل إليها فلا أجدها؟!...
كم مرة نظرت إلي ذاتي فوجدتها معلقة علي الصليب بلا حراك. فلما أمعنت النظر إليها، أبصرتك أنت، ففرحت. لم افرح بذاتي لأنها ورثت الملكوت وإنما فرحت بك لأني وجدتك.
ويخيل إلي أنني سوف لا أجدك في كل مرة إلا هناك في وادي ظل الموت، لأنني أن سرت في وادي ظل الموت فأنت معي. لقد خلقتنا للحياة، ولكننا بخطيتنا اخترنا لنا الموت، فإذا بك أنت البسيط الذي كل شي طاهر قدامك، تقدس الموت وتجعله لنا بابا للحياة!! بل هو الباب الوحيد للحياة. (من وجد نفسه يضيعها، ومن أضاع نفسه من اجلي يجدها) (أنكر ذاتك واحمل صليبك وأتبعني).
الارتباط بك. لأنني لم ادخل إلي الوحدة من أجلك، وإنما من اجل نفسي. أما لترضي هي عن ذاتها، أو ليرضي الناس عنها.
لكنني في السنة الثانية عرفت معني الانحلال من الكل بتفسير آخر، وهو الانحلال من نفسي، لأنني أجعلها بالنسبة إلي الكل في الكل.
وفي السنة الثالثة أي معني سأعرفه لهذه العبارة؟ لست ادري. ليتني أكون قد نسيتها، ونسيت التفكير في معناها، من فرط الانشغال بك.
كنت أقول عن اجتماعي بالأخوة، أننا باجتماعنا معا علي الأرض هنا نعطل أنفسنا عن الانشغال بالله، وربما نتسبب بذلك في عدم اجتماعنا كلنا هناك معه في الأبدية. وأريد الآن أن أقول أن اجتماعي بنفسي هو الذي يعطلني بالأكثر.
أنني اشعر أنني محتاج، بين الحين والحين، كلما أخلو إلي نفسي، أن أقول لها: (اتركيني الآن، فهذا خير لنا) اتركيني لكي أخلو بالله، وبهذا أستطيع أن أتمتع بوعده من أن تثبتي فيه. فأجلس – لا مع ذاتي وإنما مع الله الحال في ذاتي.
تامل من مراثي أرمياء 3 ++ القمص تادرس يعقوبرجاء مشرق وسط الظلمة
آلام السيد المسيح جزء 3
مَيَّلَ طُرُقِي وَمَزَّقَنِي.جَعَلَنِي خَرَابًا .
بقوله: "ميَّل طرقي" يعني أنه يبدو كمن بدد كل مشوراته وخططه. كمن يجعله ينحرف في طرق خطرة، فيتعرض للوحوش المفترسة.
يا للعجب ذاك القدوس الذي بلا لوم في تواضعه سمح للأشرار أن يتهموه بأن طرقه ملتوية وشريرة، ومختل (مر 3: 21)، بل وحسبوه بعلزبول رئيس الشياطين (لو 11: 15). أية صورة أبشع من هذه؟
اِحتمل كل هذه الأمور لكي نسلك على إثر خطواته، ونحتمل هذه السخريات التي تقلق أكثر من أي توبيخ. ++ القديس يوحنا الذهبي الفم
مَدَّ قَوْسَهُ وَنَصَبَنِي كَغَرَضٍ لِلسَّهْمِ .
خلال الحب الحقيقي بمسرته قَبِلَ السيد المسيح الصليب كسهمٍ، يُجرح به من أجل أحبائه. وفي نفس الوقت يخترق المصلوب قلوبنا فتتمتع بجراحات الحب الإلهي الشافية. تناجيه النفس البشرية، قائلة: "أنْعشوني بالتّفّاح، فإنّي مجروحة ٌحبًّا" (نش 2: 5). سرّ جراحات النفس بالحب، كما يقول العلامة أوريجينوس، هو المسيح نفسه، الذي هو كلمة الله الحيّ الفعّال، الأمضى من سيف ذي حدين، يدخل إلى أعماق النفس ويجرحها بالحب الإلهي.
إن التهب أحد ما في أي وقت بالحب الصادق لكلمة الله، إن تَقّبل أحد الجراحات الحلوة لهذا "السهم المختار" كما يسميه النبي، إن كان قد جُرح أحد برمح معرفته المستحقة كل حبٍ حتى أنه يحن ويشتاق إليه ليلًا ونهارًا، فلا يقدر أن يتحدث إلاَّ عنه، ولا ينصت إلاَّ إليه، ولا يفكر إلاَّ فيه، ولا يميل إلى أية رغبة أو يترجى سواه. متى صار الأمر هكذا تقول النفس بحق: "إنيّ مجروحة حبًا". إنها تتقبل جرحها من ذاك الذي تقول عنه: "جعلني سهمًا مختارًا، وفي جعبته يخفيني" (إش ٤٩: ٢).
يليق بالله أن يضرب نفوسنا بجرحٍ كهذا، يجرحها بمثل هذه السهام والرماح، يضربها بمثل هذه الجراحات الشافية...
مادام الله "محبة"، فإنهم يقولون عن أنفسهم: "إنيّ مجروحة حبًا". حقًا إنها دراما الحب إذ تقول النفس: إنيّ تقبلت جراحات الحب!
النفس التي تلتهب بالشوق نحو حكمة الله، أي التي تقدر أن تنظر جمال حكمته، تقول بنفس الطريقة: "إنيّ مجروحة بالحكمة". والنفس التي تتأمل سمو قدرته، وتدهش بقوة كلمته، يمكنها القول: "إنيّ مجروحة بالقدرة". أظن أن مثل هذه النفس هي بعينها التي قالت: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف، الرب حصن حياتي ممن أجزع؟!" (مز ٢٦).
والنفس التي تلتهب بحب عدالة الله، وتتأمل عدل تدابير عنايته، تقول بحق: "إنيّ مجروحة بالعدل". والنفس التي تتطلع إلى عظمة صلاحه وحنو محبته تنطق أيضًا بنفس الطريقة. أما الجرح الذي يشمل هذه الأمور جميعها فهو جرح الحب الذي به تعلن العروس: "إنيّ مجروحة حبًا"++ العلامة أوريجينوس
يعلمنا الكتاب المقدس أن الله محبة (١ يو ٤: ٨)، فقد صوب ابنه الوحيد "السهم المختار" (إش ٤٩: ٢) نحو المختارين، غارسًا قمته المثلثة في روح الحياة.
رأس السهم هو الإيمان، الذي يربط ضارب السهم بالمضروبين به، وكأن النفس ترتفع بمصاعد إلهية، فترى في داخلها سهم الحب الحلو يجرحها. متجملة بالجروح...
إنه جرح حسن وألم عذب، به تخترق "الحياة" النفس. إذ بواسطة دموع "السهم" تفتح النفس الباب الذي هو مدخلها. +++ القديس غريغوريوس النيسي
ليت غير الأصحاء يجرحون، فإنهم إذ يجرحون كما يليق يصيرون أصحاء! ++ القديس اغسطينوس
أَدْخَلَ فِي كُلْيَتَيَّ نِبَالَ جُعْبَتِهِ .
يليق بنا أن نفهم الكليتين بمعنى الأفكار العميقة والرغبات الداخلية... أتطلع دومًا إلى الكليتين أنهما تشيران إلى الإدراك الحسِّي والفكر السليم... هذه هي عادة الكتاب المقدس عندما يقصد الإعلان عن أمر سرِّي مخفي وسرائري يقول: "يا فاحص القلب والكلى، يا الله" (راجع مز 7: 10).+++ القديس جيروم
هذا يشير إلى موته على الصليب، لأن الصليب يمس أعماق محبة السيد المسيح لنا، فقد قدم ذاته فدية وخلاصًا عن جراحات حبه الفائق من نحونا.
حقًا بالصليب يحملنا روح الله القدوس كما إلى أعماق قلب السيد المسيح -إن صح التعبير- فنتلامس مع الحب الإلهي في أروع صوره، وفي نفس الوقت إذ نحمل المصلوب في أعماقنا ننعم نحن بنبال جعبته فنشتهي أن نصلب معه، وأن نعمل على الدوام من أجل خلاص كل نفس.
صِرْتُ ضُحْكَةً لِكُلِّ شَعْبِي،وَأُغْنِيَةً لَهُمُ الْيَوْمَ كُلَّهُ .
هذه صورة للساخرين بالسيد المسيح من القادة والشعب، بل وحتى من اللصين اللذين كانا عن يمينه ويساره، إذ كانا يعيرانه. يكشف النبي هنا عن السيد المسيح أنه مات موت العار، حيث كان القادة والشعب يهزأون به (مت 27: 39-44).
"عار عند البشر ومحقر الشعب" (مز 22: 6). تواضعي جعلني موضع سخرية البشر، فيستطيعون القول باستخفاف وبروح الإساءة: "أنت تلميذ ذاك" (يو 9: 28)، وهكذا يقودون الغوغاء إلى احتقاره.
"كل الذين يرونني يسهزئون بي" (مز 22: 7). كنت أضحوكة كل من ينظر إليّ.
"يفغرون الشفاه ويُنغِضون الرأس" (مز 22: 7). صمتت قلوبهم، فنطقوا بشفاههم وحدها.++ القديس أغسطينوس
أَشْبَعَنِي مَرَائِرَ،وَأَرْوَانِي أَفْسَنْتِينًا.
في محبته الإلهية الفائقة احتمل كلمة الله المتجسد كل مرارة لكي يلجأ إليه كل مُرّ النفس، فيجد راحة فيه. بالحب صار مسيحنا مُرّ النفس لحسابنا، وبالتوبة نرجع إليه في مرارة نفسٍ من أجل خطايانا، فننعم بعذوبةٍ لا يُعبّر عنها.
تعال، انظر الوليمة التي وضعتها (الأمة اليهودية) أمامه. أحضرت المُر، مزجت الخل، استلت السيف. عوض المن أعطته الخل. عوض المياه المرة التي جعلها لها حلوة، وضعت له المُر في المياه الحلوة.
انظر في المسيح، كم أحتمل من الأثمة؟!
ذاك الجاهل كيف تجاسر وتفل في وجهه!كيف تجاسرت أيها اللسان أن تنضح بالبصاق...؟!كيف احتملتِ أيتها الأرض هزء الابن...؟!نظرة مخوفة، مملوءة دهشًا، أن ينظر الإنسان الشمع قائمًا ويتفل في وجه اللهيب...وهذه أيضًا من أجل آدم حدثت، لأنه كان مستحقًا البصاق لأنه زل! وعوض العبد قام السيد يقبل الجميع!قدم وجهه ليستقبل البصاق، لأنه وعد في إشعياء أنه لا يرد وجهه عن احتمال خزي البصاق...!شفق سيد (آدم) على ضعفه، ودخل هو يقبل الخزي عوضًا عنه.! +++ القديس يعقوب السروجي
ينصت الآب إليك وأنت تتكلم في داخل نفسك، ويسرع لمقابلتك. عندما تكون لا تزال بعيدًا يراك ويركض.إنه ينظر ما في داخل قلبك، ويُسرع حتى لا يؤخرك أحد، بل ويحتضنك."مقابلته لك" هي سبق معرفته، و"احتضانه لك" هو إعلان رحمته، وتعبير عن حبه الأبوي.يقع على عنقك لكي يقيمك أنت الساقط تحت ثقل الخطايا، ولكي يرجعك إلى السماء إذ اتجهت إلى الأرض، فتطلب خالقك.يقع المسيح على عنقك، لكي يخلص عنقك من نير العبوديَّة، فيحملك نيره الهين (مت 11: 30).
يقع على عنقك بقوله: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، احملوا نيري عليكم" (مت 11: 28).هكذا يحتضنك الرب عندما تتوب ++ القديس أمبروسيوس
وَجَرَشَ بِالْحَصَى أَسْنَانِي.كَبَسَنِي بِالرَّمَادِ .
هنا تصوير لمرارة الآلام الشديدة غير المُحتملة، وكأن الآب قد سمح له أن يضع له حصى في فمه ليأكله بأسنانه، ورمادًا على رأسه علامة الحزن الشديد على ميتٍ، حتى صار كمن قد فقد كل أملٍ أو رجاءٍ.
احتمل هذا كله، ليقدم لنا كل عذوبة، إذ صار لنا سرّ بهجة وتهليل.
ربنا، ليلبسْ تفكيري محبتك بتمييز، ويصف خبر محاكمتك بمحبة.بالمحبة فقط يقدر الفم أن يتحدث عنك، لأن المحبة أيضًا سحبتك لتتألم لأجلنا (يو 3: 16).محبة الآب العظمى هي قتل ابنه، لأنه أحب العالم حتى أنه أسلم وحيده.كيف أحبنا بحيث أعطى ابنه للموت وخلصنا، لنتكلم إذا عن مخلصنا بنفس تلك المحبة.للمحبة غصبٌ عظيم حيثما وُجدت، فلا توجد عند مقتنيها قوة أشد منها.مَن كان يقدر أن يغصب الآب ليسلم ابنه، إلا المحبة التي هي أعظم من الكل كما هو مكتوب (يو 15: 13، 1 كو 13: 13).بهذه العلامة يقترب الإنسان من الله الذي اقترب أيضًا منا بهذه (المحبة) وصار منا...
في ساعة القتل نزلت المراحم إلى المعركة، ولم تنتصر من بين كل المراحم إلا (مراحم) الابن.انهزم الرؤساء (التلاميذ)، ولم يهرب الراعي من رعيته، ليعرف القطيع بهذا مَن الذي يحبه . ++ القديس يعقوب السروجي
وَقَدْ أَبْعَدْتَ عَنِ السَّلاَمِ نَفْسِي.نَسِيتُ الْخَيْرَ.
من يتطلع إلى الصليب يظن أن الخطة قد وضعت بإحكام ليفقد المصلوب أي رجاء في الإنقاذ، بل وينسى كل سلامٍ قد سبق أن اختبره.
قَبِل السيد المسيح ذلك لكي بصليبه يهب سلامًا لنفوسنا مع أجسادنا خلال مصالحتنا مع الآب وتمتعنا بعطية روحه القدوس، كما صالح الشعب مع الشعوب، والأرض مع السماء، والبشر مع الطغمات السمائية. يقول الرسول بولس: "وليملك في قلوبكم سلام الله الذي إليه دعيتم في جسدٍ واحدٍ، وكونوا شاكرين" (كو 3: 15).
من يطلب السلام يطلب المسيح، لأنه هو سلامنا (كو 1: 20)، الذي يجعل الاثنين واحدًا (أف 2: 14)، صانعًا السلام بدم صليبه سواء على الأرض أو في السماء. ++ القديس باسيليوس الكبير
يكون كمال السلام حيث لا توجد مقاومة. فأبناء الله صانعو سلام، لأنه ينبغي للأبناء أن يتشبَّهوا بأبيهم. إنهم صانعو سلام في داخلهم، إذ يسيطرون على حركات أرواحهم ويخضعونها للصواب، أي للعقل والروح، ويُقمعون شهواتهم الجسديَّة تمامًا.هكذا يظهر ملكوت الله فيهم، فيكون الإنسان هكذا: كل ما هو سامٍِ وجليل في الإنسان يسيطر بلا مقاومة على العناصر الأخرى الجسدانيَّة...هذا وينبغي أن يخضع ذلك العنصر السامي لما هو أفضل أيضًا، ألا وهو "الحق" ابن الله المولود، إذ لا يستطيع الإنسان السيطرة على الأشياء الدنيا، ما لم تَخضع ذاته لمن هو أعظم منها.هذا هو السلام الذي يعطي الإرادة الصالحة، هذه هي حياة الإنسان الحكيم صانع السلام! +++ القديس أغسطينوس
وَقُلْتُ: بَادَتْ ثِقَتِي وَرَجَائِي مِنَ الرَّبِّ.
كل من يتطلع إلى المسيح أثناء صلبه يظن كمن صار بلا رجاء، غير أنه بصليبه فتح لنا نحن الخطاة باب الرجاء، بل صار هو نفسه رجاءنا.
بكونه إنسانًا يتكلم حاملًا مخاوفي، فإننا إذ نكون في وسط المخاطر نظن أن الله قد تركنا. لهذا كإنسان اكتأب، وكإنسان بكى، وكإنسان صُلب . ++ القديس أمبروسيوس
لا تسقط في اليأس بسبب عثراتك. لست أقصد أنه يلزمك ألاَّ تشعر بالألم بسببها، وإنما يلزمك ألاَّ تحسبها غير قابلة للشفاء.فإنه من الأفضل أن تكون جريحًا عن أن تكون ميتًا.يوجد بالحق الشافي، ذاك الذي طلب على الصليب الرحمة لصالبيه، الذي غفر للقتلة عندما عُلق على الصليب.جاء المسيح من أجل الخطاة ليشفي منكسري القلوب، ويضمد جراحاتهم. يقول: روح الرب عليَّ، لهذا مسحني لأبشر المساكين. أرسلني لأشفي منكسري القلوب، لأعتق المسبيين، لأُفتح أعين العميان (لو 4: 18)، ليقوي المتعبين بالغفران.
ويقول الرسول في رسالته: "جاء يسوع المسيح إلى العالم ليخلص الخطاة" (1تي 1: 15). ويشهد ربه أيضًا: "لم آت لأدعو أبرارًا، لأنه لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" (مر 2: 17) ++القدِّيس مار اسحق السرياني
ذِكْرُ مَذَلَّتِي وَتَيَهَانِي أَفْسَنْتِينٌ وَعَلْقَمٌ .
مجرد محاولة تصوير ما حلّ به يحمل ذلك نوعًا من المرارة كالأفسنتين والعلقم، بل وتنهار النفس وتنحني (مز 137: 1، 5).
بالتأكيد أخذ مرارة حياتنا في جسم بشريته ++القديس أمبروسيوس
ذِكْرًا تَذْكُرُ نَفْسِي،وَتَنْحَنِي فِيَّ.
أخطر عدو للنفس البشرية هو اليأس، وللأسف إذ يتذكر البعض تأديبات الرب لهم، عوض التأمل في محبته، يحل بهم اليأس من خلاصهم. إذ يتطلع الناس إلى المصلوب يظنون كأنه قد سقط في اليأس، وأحنى رأسه على الصليب كما في التراب أو القبر. هذا الفكر يُفسد نظرة البعض إلى الصليب، أما الرسول بولس فيرى في الصليب "قوة الله للخلاص" (1 كو 1: 18).
لا تخجل من صليب مخلصنا بل بالأحرى افتخر به. لأن "كلمة الصليب عند اليهود عثرة، وعند الأمم جهالة"، أما بالنسبة لنا فخلاص (1 كو 2:1، 3). إنه عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فهو قوة الله (1 كو 18:1،23). لأنه كما سبق أن قلت إنه لم يكن إنسانًا مجردًا ذاك الذي مات عنا، بل هو ابن الله، الله المتأنس...
من ينكر قوة المصلوب فليسأل الشياطين!
من لا يؤمن بالكلام فليؤمن بما يرى، فكثيرون صُلبوا في العالم، لكن الشياطين لم تفزع من واحدٍ منهم، لكنها متى رأت مجرد علامة صليب المسيح الذي صُلب عنا يُصعقون، لأن هؤلاء الرجال صُلبوا بسبب آثامهم، أما المسيح فصُلب بسبب آثام الآخرين... "لأنه لم يعمل ظلمًا ولم يكن في فمه غش" (إش 9:53؛ 1 بط 22:2). لم ينطق بهذه العبارة وحده، وإلا لشككنا في أنه منحاز لمعلمه. لكن إشعياء قال أيضًا، ذاك الذي لم يكن حاضرًا معه بالجسد لكنه تنبأ بالروح عن مجيئه بالجسد.
ما بالنا نستشهد بالنبي وحده هنا؟ فها هو بيلاطس نفسه الذي حكم عليه يقول: "لا أجد في هذا الإنسان علة" (لو 23:14) ولما أسلمه غسل يديه قائلًا: "أنا بريء من دم هذا البار".
هناك شهادة أخرى عن يسوع البار الذي بلا خطية، هي شهادة اللص أول الداخلين الفردوس، إذ بكَّت زميله منتهرًا إياه قائلًا: "أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله (لو 23:41)، لأن كلينا تحت قضائه ++ القديس كيرلس الأورشليمي
أُرَدِّدُ هَذَا فِي قَلْبِي مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْجُو .
في الآيات السابقة تصوير لما حلّ بالسيد المسيح من الآم خاصته منذ القبض عليه في البستان حتى إنزال جسده لدفنه. الآن وقد نزل جسده للدفن، في الوقت الذي فيه انطلقت نفس السيد المسيح لتحرر الأسرى من الجحيم، أشرق نور الرجاء، وانكشفت مراحم الله الدائمة التجديد، والتي لن تفنى.
في الطقس القبطي تبدأ الكنيسة أثناء قراءة هذه النبوة في بداية الساعة الثانية عشرة من الجمعة العظيمة تتحرك لتنزع علامات الحزن، وترتدي كل نفس ثياب الفرح والبهجة بالخلاص الذي تممه السيد المسيح على الصليب، وتحطيم متاريس الهاوية، ونزع سلطان إبليس وملائكته، ليحيا المؤمن في حرية مجد أولاد الله مادام ممسكًا بيد مخلصه.
إن كان القسم الأول من المرثاة وصف السيد المسيح كرجل آلام، خاصة وهو تحت المحاكمات الدينية والمدنية والصلب والموت والدفن، الآن وقد سلم السيد الروح، وبدأ نور الصليب يشرق، حلّ الرجاء في حياة المؤمنين به.
بموته وعبوره إلى الجحيم أطلق الأسرى، انقشعت السحابة، وبدأت خطة الله تتكشف. نغمة النبي بدأت تتغير، وعوض النظر إلى أحداث الصليب من الخارج بدأت بصيرته تنفتح لتدرك سرّ الصليب بكونه قوة الله للخلاص، وينبوع مراحم الله الفائقة تفيض كل صباح بلا توقف.
في المرثاتين السابقتين كان النبي يكشف عن آلامه التي كانت تتدفق من أعماقه كشاهد عيان لما حلّ بوطنه وشعبه. الآن وقد تحول نظره إلى حامل آلام البشرية في جسده بالصليب، انكشف أمامه سرّ الحب الإلهي، وامتلأ قلبه بالرجاء في الرب، وتلامس مع إحسانات الرب، وأدرك أن مراحمه لن تشيخ، بل تبقى تفيض مع كل صباح، جديدة في فاعليتها في حياة كنيسته والمؤمنين به.
مجموعة اقوال مختارة للاباء القديسين 4
لن أحول عيني عنك، لأنك أنت أيضًا من جانبك لا تحوّل عينيك عني ++ القديس اغسطينوس
ملكوت الله حسب كلمة ربنا ومخلصنا لا يأتي بمراقبة، "ولا يقولون هوذا ههنا أو هوذا هناك"، إنما "ملكوت الله داخلكم"... فمن الواضح أن من يصلي لكي يأتي ملكوت الله، إنما يصلي بحقٍ أن يتأسس الملكوت ويكمل في داخله، ويحمل ثمرًا ++ العلامة أوريجينوس
إن الضرورة لا تعرف قانونًا! فالألم يدفعني إلي الحديث معك! والكارثة التي حلت بي تجعلني استدعي الطبيب لأني مريض إنني أطلب النور لأني أعمي! أبحث عن الحياة لأني ميت! ومن هو هذا الطبيب والنور والحياة إلا أنت؟! ++ القديس اغسطينوس
صار الكلمة جسدًا لكي يغير جسدنا إلى روح... ولكي يقدس الجسد كله معه، إذ فيه تقدست البكور ++ القديس غريغوريوس النيسي
إننا أجراء أو غرباء على الأرض، إذ نجد مدينتنا فوق، حيث ننال هنا العربون، وإذ نبلغ ذلك لا نرحل (عنها). أولئك الذين محادثتهم في السماء، فإنهم إذ يقطنون هنا بمهارة هم في الحقيقة غرباء ++ القديس اغسطينوس
يعاتبونني تارة عن أخطاء ماضية عارضة وأخرى يهينونني إذ يحسبونني كلا شيء، كمن هو بلا أدنى اعتبار. لكنني أنا جالس على انفراد وتتجه روحي نحو الكلمات الإلهية... كانت فرائضك هي مشوراتي ++ يوسابيوس القيصري
الشيء الذي يستحي الإنسان من كشفه وإظهاره هو دليل على أنه رديء، وأنه تجربة شيطانية ++ القديس يوحنا كاسيان
ذاك الذي هو أبرع جمالًا من بني البشر رآه البشر على الصليب بلا شكل ولا جمال؛ كان وجهه منكسًا، ووضعه غير لائق. مع هذا فإن عدم الجمال هذا الذي لمخلصك أفاض ثمنًا لجمالك الذي في الداخل، فإن مجد ابنة الملك من داخل (مز 45: 2) ++ القديس اغسطينوس
لقد سُحق وجُرح، لكنه شَفى كل مرض وكل ضعف ++ القديس غريغوريوس النزينزي
أعني أن نفسي قد تمنت حفظ أحكامك، وأن تصنعها بشهوة لا بضجرٍ ومللٍ، وإنما بإرادة وموالاة دائمًا ++ أنثيموس أسقف أورشليم
ربنا ومخلصنا هو الطبيب الحقيقي والكامل، يهب الشفاء للجسم، ويرُد الصحة للنفس +++ الأب خروماتيوس
يقول داود: "طوباهم الذين تركت لهم آثامهم، والذين سترت خطاياهم؛ طوبى للرجل الذي لم يحسب له الرب خطيئة"، مشيرًا إلى أن غفران الخطايا الذي أعقب مجيئه، هذا الذي "مزق صك خطايانا"، وسمَّره بالصليب (كو 2: 14) كما بشجرة، صرنا مدينين لله، هكذا بشجرة (بالصليب) ننال غفران الخطايا ومحو الأثام ++ القديس إيريناؤس
ليس له شكل ولا جمال في أعين اليهود، أما بالنسبة لداود فهو أبرع جمالًا من بني البشر (مز 45: 2). على الجبل (أثناء التجلي) كان بهيًا ومضيئًا أكثر من الشمس (مت 17: 2)، مشيرًا إلينا نحو سرّ المستقبل ++ القديس غريغوريوس النزينزي
إن الأشياء التي تحصل عليها بسهولة، قد تفقدها أيضًا بسهولة. لهذا أحيانًا لا يستجيب الله بسرعة +++ القديس باسيليوس الكبير
إنني لا أشعر بأنني أتمم وصاياك بدون مكافأة؛ اعطنا أجر هذا حياة خالدة سعيدة أعيشها وأحفظ أقوالك ++ القديس ديديموس الضرير
من بين الأمور الأخرى التي تنبأوا بها عنه، مكتوب: "يجعلون في طعامي علقمًا (سمًا)، وفي عطشي يسقونني خلًا" (مز 69: 21). نحن نعرف في الإنجيل كيف حدثت هذه الأمور. أولًا قدموا علقمًا. أخذه وذاقه وتفله. فيما بعد وهو على الصليب معلقًا، فلكي تتحقق هذه النبوات قال: "أنا عطشان" (يو 19: 28). أخذوا إسفنجة مملوءة خلًا ووضعوها على قصبة، وقدموها له حيث كان معلقًا. أخذها وقال: "قد أكمل" (يو 19: 30). ماذا يعني: "قد أكمل"؟ كل ما قد تنبأوا به عني قبل آلامي قد تحقق ++ القديس اغسطينوس
الموت أقام الموتى من الموت، إذ حمل اللعنة مخلصًا إيانا منها +++ القديس يوحنا الذهبي الفم
اُنظروا فإن الاستشهاد باسم المسيح... ليس فقط عارًا بل هو زينة عظيمة، ليس فقط في عيني الرب بل حتى في أعين البشر: "كريم هو موت قديسيه". أُنظروا فإن شهداءه ليس فقط لا يُحتقرون بل ينالون كرامات عظيمة ++ القديس اغسطينوس
من يحب الأرضيات وشهواتها لا يفكر في أن يكون مع المسيح بعد انتقاله، ولا يقدر أن يقول: "غريب أنا على الأرض"، إذ هو مهتم بما للأرض. أما من يقول: "لا تخفِ عني وصاياك" فهو قديس... لذلك يطلب النبي من الله أن يكشف له عظائم وصاياه للحياة السماوية. ++ العلامة أوريجينوس
تذكر أنه ليس بين أحكام الله ما هو أصعب وما هو مستحق بالأكثر الإعجاب من أن يلتزم الإنسان بمحبة أعدائه ++ القديس اغسطينوس
أن الأرواح النجسة لا تقدر أن تجد لها طريقًا في أجساد من اغتصبتهم بأي وسيلة ما لم تملك أولًا علي عقولهم وأفكارهم فتسلب منهم مخافة الله وتذكره والتأمل فيه، وبهذا تتجاسر فتتقدم إليهم كمن هم بلا حصانة إلهية، وتقيدهم بسهولة وتجد لها موضعًا فيهم، كما لو كان لها حق الملكية عليهم +++ الأب سيرينوس
الفكر البشري هو هبة يقدّمها الله للإنسان، تحتاج أن تدخل في دائرة مخافة الرب، تقوده كطفل صغير في رعاية أبيه أو أمه، يسير معها ليتعرّف على أسرار الحياة ويتدرّب وينمو وينضج ++ مار فيلوكسينوس أسقف منبج
بالحق أراد المخلص ربنا أن يُعرف مخلصًا لا بخلاص نفسه بل بخلاصه الآخرين. فالطبيب لا يُحسب كذلك بشفائه نفسه، بل بإبراز مهارته مع المرضى. هكذا الرب بكونه المخلص لا يحتاج إلى خلاص نفسه. فليس بنزوله من على الصليب يصير مخلصًا بل بموته. فإنه بالحق يتحقق خلاص عظيم للبشرية بموته أكثر من نزوله عن الصليب ++ القديس البابا أثناسيوس الرسولي
من يقدر أن ينكر أن عطية الحياة هي عمل العظمة الإلهية؟ مكتوب "أحيي عبدك". إذن يحيي من هو عبد، أي الإنسان، الذي لم تكن له حياة من قبل، بل تسلمها كعطية له ++ القديس أمبروسيوس
لم يكن المسيح متروكًا من الآب ولا من لاهوته كما يظن البعض، أو كما لو كان خائفًا من الآلام فانفصل بلاهوته عن ناسوته أثناء آلامه...؛ وإنما كما قلت إنه كان ينوب عنا في شخصه. نحن كنا قبلًا متروكين ومرذولين، أما الآن فبآلام ذاك الذي لا يسوغ له أن يتألم (حسب اللاهوت) أقامنا وخلصنا ++ القديس غريغوريوس النزينزي
بموت البار الذي تم بمحض اختياره، نزع موت الخطاة الذي حدث بالضرورة كحكمٍ نستحقه ++ القديس أغسطينوس
"أحاطت بي ثيران كثيرة، أقوياء باشان اكتنفتني" (مز 22: 12). هؤلاء هم الشعب وقادته؛ الشعب أو الثيران التي بلا عدد؛ وقادتهم الثيران القوية. ++ القديس اغسطينوس